هل الحقيقة مؤلمة... أم أننا نحن من نجعلها كذلك.................؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
(الفصل الثالث والأخير)
خاتمة: ربما ليست الحقيقة هي التي تؤلم
بعد كل هذا، يبدو أن السؤال لم يعد: هل الحقيقة مؤلمة؟ بل أصبح: لماذا نتألم عندما نلتقي بها؟
ربما لأن الحقيقة لا تنتزع منا معلومةً خاطئة فحسب، بل تنتزع شيئًا أعمق؛ تنتزع وهمًا أحببناه، وصورةً اعتدنا النظر إليها، ويقينًا بنينا عليه جزءًا من هويتنا. وكلما طال بقاؤنا داخل الوهم، أصبح الخروج منه أشبه بالخروج من بيتٍ عشنا فيه سنوات، مهما كان آيلًا للسقوط.
ولذلك فإن الحقيقة لا تدخل حياة الإنسان كضيفٍ عابر، بل كقوةٍ تعيد ترتيب الأشياء. فهي قد تغيّر رأيه، أو علاقاته، أو نظرته إلى نفسه، وقد تفرض عليه الاعتذار بعدما كان يبرر، أو التراجع بعدما كان يفاخر، أو البدء من جديد بعدما ظن أنه وصل إلى النهاية.
وهنا يكمن سر الألم.
إن الحقيقة لا تؤذي الإنسان لأنها قاسية، بل لأنها صادقة. والصدق لا يجامل رغباتنا، ولا يحمي أوهامنا، ولا يغيّر الواقع حتى يوافق ما نتمنى. إنه يضعنا أمام أنفسنا كما نحن، لا كما نحب أن نكون.
لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن التاريخ كله يشهد بأن الحضارات لم تتقدم بالكذب، وأن العلوم لم تُبنَ على الأوهام، وأن الإنسان لم ينضج يومًا لأنه هرب من الحقيقة، بل لأنه امتلك الشجاعة الكافية للنظر إليها، مهما كانت ثقيلة.
ولعل أعظم المفارقات أن الحقيقة التي تبكينا اليوم، قد تكون السبب في سلامنا غدًا. أما الوهم الذي يريحنا اليوم، فقد يكون بداية معاناةٍ تمتد سنوات.
ولهذا، فإن الألم ليس دائمًا علامةً على أن الحقيقة سيئة، كما أن الراحة ليست دائمًا دليلًا على أننا نسير في الطريق الصحيح.
وربما لهذا لا ينبغي للإنسان أن يسأل في كل مرة:
"هل هذه الحقيقة ستؤلمني؟"
بل أن يسأل:
"هل أملك من الصدق ما يكفي لأقبلها إن كانت صحيحة؟"
فبين إنسانٍ يبحث عن الحقيقة ليغيّر نفسه، وإنسانٍ يبحث عن الأدلة ليحمي أوهامه... تبدأ قصة كل عقل، وتنتهي قصة كل وهم.
وربما كانت الحقيقة، في نهاية المطاف، لا تطلب منا أن نحبها، بل أن نحترمها. لأن الأوهام قد تمنحنا راحةً مؤقتة، أما الحقيقة، مهما كانت قاسية، فهي وحدها التي تمنح الإنسان فرصة أن يعيش حياته كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.
فالإنسان لا ينضج يوم يعرف الحقيقة... بل يوم يتوقف عن الهروب منها
ربما لم تكن الحقيقة مؤلمة يومًا، بل كنا نحن من ألبسها ثوب الألم.
فنحن لا نحزن لأن الحقيقة قاسية، وإنما لأننا نكتشف متأخرين أن ما أحببناه لم يكن كما ظننّاه، وأن من وثقنا بهم ليسوا كما رسمناهم، وأننا نحن أيضًا لسنا دائمًا الصورة التي صنعناها لأنفسنا.
الحقيقة لا تكسر الإنسان، لكنها تكسر غروره، وتخلخل يقينه، وتجبره على أن يبدأ من جديد. ولهذا يخشاها كثيرون؛ لأنها لا تكتفي بكشف الواقع، بل تكشفنا نحن أيضًا.
ومع ذلك، فإن الحياة لا تكافئ من يهرب من الحقيقة، بل تكافئ من يمتلك الشجاعة لاحتضانها، مهما كان ثمنها. فالوهم قد يمنح صاحبه راحةً قصيرة، لكنه يبنيها فوق أرضٍ هشة، أما الحقيقة فقد تبدأ بالألم، لكنها تنتهي بالسلام.
ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يعثر على الحقيقة، بل أن يبقى وفيًّا لها عندما تهدم ما كان يؤمن به، وعندما تطلب منه أن يعترف بخطئه، أو يغيّر طريقه، أو يعيد بناء نفسه من الصفر.
ويبقى السؤال مفتوحًا، لا ليجيب عنه الفلاسفة وحدهم، بل ليجيب عنه كل إنسان مع نفسه:
إذا كانت الحقيقة ستسلب منك وهمًا أحببته، لكنها ستهبك حياةً أكثر صدقًا... فهل ستختار الحقيقة، أم ستختار راحة الوهم؟
فربما لم يكن السؤال الحقيقي يومًا: هل الحقيقة مؤلمة؟
بل:
أيُّهما يؤلم أكثر... أن تواجه الحقيقة اليوم، أم أن تؤجلها حتى تصبح أثقل مما تستطيع احتماله؟
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق