عندما تكون في أوج وعيك تخاف من يقينك أكثر من شكك
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
عندما يزداد وعي الإنسان لا تختفي شكوكه، بل يصبح أكثر حذرًا من يقينه. مقال عن الوعي والشك والقناعات، ولماذا قد تكون القدرة على مراجعة أفكارنا إحدى علامات النضج الفكري.
في البدايات، نعتقد أن الوعي يعني أن نعرف أكثر.
نقرأ، ونسأل، ونجرب، ونراقب الناس، ثم نجمع من كل تجربة شيئًا ونضعه في ذلك البناء الداخلي الذي نسميه «الفهم». وكلما ارتفع البناء، ازداد شعورنا بأننا أصبحنا أكثر قدرة على تفسير الحياة.
لكن شيئًا غريبًا يحدث حين يزداد وعي الإنسان فعلًا.
بدلًا من أن تزداد ثقته بإجاباته، يبدأ باحترام أسئلته.
وبدلًا من أن يقول: «أنا أعرف» بسهولة، يصبح أكثر حذرًا من هذه الجملة.
ليس لأنه فقد قدرته على الفهم، بل لأنه فهم أخيرًا مقدار ما يمكن أن يخفى عنه.
فالشك الذي يأتي من الجهل شيء، والشك الذي يأتي بعد المعرفة شيء آخر تمامًا. الأول حيرة، أما الثاني فقد يكون تواضعًا أمام اتساع الحقيقة.
ولهذا، عندما تكون في أوج وعيك، قد لا يكون أكثر ما تخشاه هو أن تشك...
بل أن تتوقف عن الشك لأنك أصبحت متأكدًا جدًا.
اليقين مريح... ولهذا قد يكون خطيرًا
العقل يحب اليقين.
يحب الأشياء التي يستطيع وضعها في صناديق واضحة: صحيح وخطأ، جيد وسيئ، معي وضدي، ممكن ومستحيل.
فاليقين يوفر على العقل عناء إعادة التفكير.
حين تقتنع بشيء تمامًا، ينتهي جزء من البحث. لم تعد بحاجة إلى مراجعة السؤال في كل صباح. لديك إجابة جاهزة، والإجابات الجاهزة تمنح الإنسان شيئًا من الطمأنينة.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الطمأنينة إلى حصانة.
حين لا تعود فكرتك فكرةً قابلة للنقاش، بل تصبح جزءًا من هويتك.
عندها، إذا جاء شخص يحمل دليلًا ضدها، لن تشعر أنه يناقش فكرةً لديك؛ قد تشعر أنه يهاجمك أنت.
وهنا يصبح العقل في موقف غريب: بدلًا من أن يستخدم ذكاءه للوصول إلى الحقيقة، يبدأ باستخدام ذكائه للدفاع عما قرر مسبقًا أنه الحقيقة.
وهذا قريب مما يصفه علم النفس المعرفي بـالتحيز التأكيدي؛ ميل الإنسان إلى ملاحظة المعلومات التي تؤيد معتقداته ومنحها وزنًا أكبر، بينما يصبح أكثر مقاومة لما يناقضها.
وهنا تكمن خطورة اليقين غير المفحوص:
ليس في أنك قد تكون مخطئًا فقط، بل في أنك قد تصبح بارعًا في حماية خطئك.
الواعي لا يعيش بلا قناعات
لكن الحذر من اليقين لا يعني أن نتحول إلى بشر لا يؤمنون بشيء.
هذه ليست حكمة.
فالإنسان يحتاج إلى قناعات كي يقرر، ويعمل، ويختار، ويبني حياته. ولو شككنا في كل شيء في كل لحظة لعجزنا حتى عن اتخاذ أبسط القرارات.
الوعي الحقيقي ليس أن تقول:
«لا شيء صحيح.»
بل أن تقول:
«هذا ما أراه صحيحًا الآن، وفق ما أعرفه... وإذا ظهر ما هو أقوى، فلدي الشجاعة لأعيد النظر.»
وهذه الجملة أصعب بكثير مما تبدو.
لأن تغيير الرأي ليس مجرد عملية عقلية. أحيانًا يعني الاعتراف بأنك دافعت سنوات عن فكرة ناقصة، أو أنك ظلمت شخصًا في حكمك عليه، أو أنك سخرت يومًا ممن كان يرى ما لم تكن قادرًا على رؤيته.
ولهذا يتمسك بعض الناس بأفكارهم القديمة لا لأنها ما زالت مقنعة، بل لأن ثمن الاعتراف بخطئها أصبح مرتفعًا نفسيًا.
لقد بنوا حولها كلامًا، ومواقف، وربما علاقات وخصومات.
فيصبح الرجوع عنها وكأنه هزيمة.
بينما الإنسان الأكثر وعيًا يفهم شيئًا مختلفًا:
أن خسارة الفكرة الخاطئة ليست خسارة.
ربما كنتَ مخطئًا وأنت في كامل ذكائك
من أكثر الأشياء التي ينبغي أن يتعلمها الإنسان عن عقله أنه لا يحتاج إلى أن يكون غبيًا كي يخطئ.
الأذكياء يخطئون.
والمتعلمون يخطئون.
والخبراء يخطئون.
وأنت قد تخطئ وأنت هادئ، وصادق، وحسن النية، وبعد تفكير طويل.
وهذه الحقيقة وحدها كافية لأن تجعل الإنسان أقل غرورًا أمام يقينه.
فالعقل لا يرى العالم كما هو بصورة محايدة تمامًا؛ إنه يراه من خلال التجارب السابقة، واللغة، والذاكرة، والتوقعات، والمخاوف، والمصالح، والبيئة التي نشأ فيها.
وأحيانًا لا نرى الحقيقة.
نرى تفسيرنا للحقيقة ثم ننسى أنه تفسير.
وهنا يبلغ الوعي درجةً أعلى حين يستطيع الإنسان أن يضع مسافة صغيرة بينه وبين أفكاره.
بدلًا من أن يقول:
«هذه الحقيقة.»
يسأل:
«لماذا أراها أنا بهذه الطريقة؟»
ذلك السؤال البسيط قد يهدم سنوات من اليقين.
أوج الوعي ليس أن تشك في كل شيء
هناك فرق بين عقلٍ واعٍ وعقلٍ تائه.
العقل التائه يشك لأنه لا يستطيع الوصول إلى قرار.
أما العقل الواعي فيستطيع أن يقرر، لكنه يعرف أن قراره ليس مقدسًا.
يمشي، ولكنه يبقي عينيه مفتوحتين.
يقتنع، لكنه يترك باب المراجعة مواربًا.
يدافع عن فكرته، لكنه لا يدافع عنها أكثر مما تدافع الأدلة عنها.
وهذه ربما إحدى أصعب درجات النضج الفكري: أن تكون قويًا في قناعتك، ومرنًا في التخلي عنها في الوقت نفسه.
فليس المطلوب أن تعيش مرتجفًا أمام كل رأي جديد.
ولا أن تغيّر موقفك كلما اعترض عليك أحد.
ولا أن تجعل الشك فضيلة في ذاته.
فالشك إذا لم يؤدِّ إلى بحث قد يتحول هو الآخر إلى كسل فكري.
إنما المطلوب شيء أدق:
أن تعرف متى تثق بعقلك، ومتى تحقق معه.
اسأل نفسك: ما الذي سيجعلني أغيّر رأيي؟
ربما يكون هذا من أقسى الأسئلة التي يمكن أن توجهها إلى قناعة شديدة الرسوخ لديك:
ما الدليل الذي لو ظهر أمامي سأعترف بعده بأنني كنت مخطئًا؟
إذا كانت إجابتك:
«لا شيء.»
فتوقف قليلًا.
لأنك لم تعد تحمل قناعة قابلة للفحص؛ لقد بنيت حصنًا.
الفكرة التي لا توجد أي حقيقة يمكن أن تغيرها لم تعد نتيجة بحث، بل أصبحت قرارًا مسبقًا بشأن ما يجب أن تكون عليه الحقيقة.
أما العقل الباحث فيضع دائمًا شروطًا لمراجعته.
يقول: أنا أعتقد هذا بسبب كذا وكذا، ولو ثبت عكس هذه الأسباب فسأعيد النظر.
وهنا يصبح تغيير الرأي انتصارًا للحقيقة على الأنا، لا هزيمة لصاحب الرأي.
حتى شكّك... لا تثق به تمامًا
لكن المفارقة الأخيرة أجمل.
إذا كنت واعيًا حقًا، فلا ينبغي أن تجعل الشك نفسه معصومًا.
فكما يمكن أن يخدعك اليقين، يمكن أن يخدعك الشك.
قد تشك في شخص صادق بسبب تجربة قديمة.
وقد تشك في فرصة جيدة لأنك تخاف الفشل.
وقد تسمي خوفك «حدسًا»، وتسمي ترددك «وعيًا»، وتسمي عجزك عن الاختيار «تفكيرًا عميقًا».
ليس كل شك ذكاء.
كما أن ليس كل يقين سذاجة.
القيمة الحقيقية ليست في أحدهما منفردًا، بل في قدرتك على اختبار الاثنين.
اسأل يقينك: ما دليلك؟
واسأل شكك: من أين أتيت؟
فربما اكتشفت أن بعض الأشياء التي كنت متأكدًا منها لم تكن سوى عادات فكرية قديمة.
وربما اكتشفت أن بعض الأشياء التي شككت فيها طويلًا كانت واضحة، لكنك لم تكن مستعدًا لقبولها.
وهكذا، كلما ازداد وعي الإنسان، لا تصبح الحياة أمامه أكثر ضبابية بالضرورة...
بل يصبح هو أقل ادعاءً بأنه يرى كل شيء.
وهنا تظهر المفارقة:
الجاهل قد يقول: أنا متأكد.
والعارف قد يقول: بحسب ما أعرف.
والأكثر وعيًا منهما قد يضيف:
ومع ذلك... ربما فاتني شيء.
ليس ضعفًا.
ولا ترددًا.
ولا خوفًا من اتخاذ موقف.
بل احترامٌ لحقيقة بسيطة جدًا:
أن عقلًا محدودًا، مهما اتسع، سيظل ينظر إلى عالمٍ أكبر منه.
ولهذا، عندما تكون في أوج وعيك...
لن تخاف كثيرًا من السؤال الذي يجعلك تشك.
ستقرأه، وتفكر فيه، وربما تخرج منه أقوى مما كنت.
لكن ما يستحق أن تخشاه فعلًا هو تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك لم تعد بحاجة إلى السؤال.
لأن أخطر يقين ليس أن تكون مقتنعًا بشيء...
بل أن تصبح مقتنعًا بأنك لم تعد قادرًا على أن تكون مخطئًا.
أنا تليد مؤمن تمامًا جزامًا أنهُ لا يمكن ضمان أي شي على وجه هذه البسيطة.
المراجع والمصادر
-
Raymond S. Nickerson (1998) — Confirmation Bias: A Ubiquitous Phenomenon in Many Guises، مجلة Review of General Psychology.
مرجع مهم لفهم التحيز التأكيدي وكيف يميل الإنسان إلى البحث عما يؤيد معتقداته. -
Daniel Kahneman (2011) — Thinking, Fast and Slow.
كتاب شهير لعالم النفس دانيال كانيمان، يناقش أخطاء التفكير والتحيزات والثقة في الأحكام البشرية. -
David Dunning (2011) — The Dunning–Kruger Effect: On Being Ignorant of One’s Own Ignorance، ضمن Advances in Experimental Social Psychology.
يناقش العلاقة بين المعرفة، والثقة بالنفس، وعدم إدراك الإنسان لحدود معرفته. -
Philip E. Tetlock & Dan Gardner (2015) — Superforecasting: The Art and Science of Prediction.
يناقش أهمية مراجعة القناعات وتحديث الأحكام عند ظهور معلومات وأدلة جديدة.
تعليقات
إرسال تعليق