الحكايات التي لم نخبر بها أحدًا

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


السر لا يكون سِرًا عندما يعلم بِهِ قلبين



ليست كل الحكايات تُروى.

فهناك قصصٌ وُلدت لتبقى حبيسة الصدر، لا لأننا لا نعرف كيف نحكيها، بل لأن اللغة تضيق عنها، ولأن بعض المشاعر لا تجد في الكلمات بيتًا يتسع لها.

لكل إنسان حياةٌ يعرفها الناس...

وحياةٌ أخرى لا يعرفها أحد.

في الأولى، يبتسم، ويعمل، ويتحدث، ويبدو عاديًا.

أما الثانية، فهي مليئة بالرسائل التي لم تُرسل، والاعتذارات التي لم تُقل، والدموع التي جفّت قبل أن يراها أحد، والأحلام التي ماتت بصمت، وكأنها لم تولد يومًا.

وهذه الحياة الخفية...

هي التي تصنع الإنسان أكثر من أي شيءٍ آخر.


لسنا نخفي حكاياتنا لأننا نحب الغموض.

بل لأن بعض القصص إذا خرجت من أفواهنا، فقدت شيئًا من معناها.

كيف يمكن أن تشرح لأحد شعورك في ليلةٍ غيّرت حياتك؟

أو اللحظة التي أدركت فيها أن شخصًا كنت تراه وطنًا، أصبح مجرد ذكرى؟

كيف تختصر سنواتٍ من الصمت في دقائق من الحديث؟

هناك تجارب لا تُفهم بالشرح، لأنها لم تُعش إلا بقلب صاحبها.

ولهذا، يبقى كثيرٌ منها ساكنًا في الداخل، لا يطلب شاهدًا، ولا ينتظر تصديقًا.


وأحيانًا، لا نخبر أحدًا، لأننا تعبنا من محاولة أن يفهمنا الآخرون.

ليس كل من يسمع، يُنصت.

وليس كل من يُنصت، يفهم.

وليس كل من يفهم، يشعُر.

ولهذا يتعلم الإنسان، مع مرور العمر، أن بعض الحكايات لا تحتاج إلى مستمع، بل تحتاج إلى وقت، حتى تهدأ داخلنا، وتتحول من جرحٍ مفتوح إلى ذكرى لا تؤلم كلما مررنا بها.

ربما لهذا السبب، نصبح أقل كلامًا كلما كبرنا.

ليس لأن الحياة أصبحت أقل أحداثًا...

بل لأننا أدركنا أن أعمق ما في الحياة، لا يُقال بسهولة.



ومع مرور السنوات، يحدث أمرٌ غريب.

لا ننسى الحكايات التي لم نخبر بها أحدًا...

لكننا نتوقف عن البحث عمّن يسمعها.

ففي البداية، نظن أن ما يؤلمنا سيخف إذا وجدنا الشخص المناسب لنحكي له.

ثم نكتشف أن بعض القصص لا تبحث عن مستمع، بل عن سلامٍ داخلي.

وأن أكثر الجروح لا يداويها الكلام، بل مرور الزمن، وتغيّر نظرتنا إلى ما حدث.


ومن أغرب ما في تلك الحكايات، أنها لا تختفي.

إنها تختبئ فقط.

تسكن في أغنيةٍ قديمة.

أو رائحةٍ عابرة.

أو شارعٍ لم نزره منذ سنوات.

وفجأة، يعود كل شيء كما لو أنه حدث بالأمس.

ليس لأن الذاكرة أقوى مما نظن...

بل لأن المشاعر لا تقيس الزمن بالطريقة التي تقيسه بها الساعات.

فقد تمر عشرة أعوام، ويبقى موقفٌ واحد حاضرًا بكل تفاصيله.

وقد تمضي أشهر على أحداثٍ أخرى، فلا يبقى منها شيء.

ليست السنوات هي التي تحدد ما يبقى...

بل الأثر.


ولعل أكثر الحكايات صمتًا، هي تلك التي لم يكن فيها مذنبٌ واضح.

قصصٌ انتهت لأن الظروف كانت أقوى من الرغبات.

وأحلامٌ توقفت لأن الحياة اختارت طريقًا آخر.

وأشخاصٌ افترقوا، لا لأنهم كرهوا بعضهم، بل لأن الزمن لم يمنحهم فرصة البقاء.

هذه القصص يصعب روايتها.

لأنها لا تنتهي بجملةٍ حاسمة.

تبقى معلقةً في الذاكرة، بلا خاتمةٍ كاملة.

ولهذا، كلما حاولنا أن نحكيها، شعرنا أن شيئًا منها ما زال ناقصًا.


ومع ذلك...

ليست كل الحكايات التي أخفيناها مصدر حزن.

بعضها جميلٌ إلى درجة أننا نخاف أن تفسده الكلمات.

ذكرياتٌ نحتفظ بها لأنفسنا، كما يحتفظ الإنسان برسالةٍ قديمة في درجٍ لا يفتحه إلا نادرًا.

لا يريد أن يقرأها كل يوم...

ولا يستطيع أن يتخلص منها.

لأنها تذكّره بشخصٍ كان، أو حلمٍ عاشه، أو نسخةٍ قديمة من نفسه، لم تعد موجودة اليوم.

وهكذا، نصبح مع الوقت مكتباتٍ تمشي على الأرض.

في داخل كل واحدٍ منا حكاياتٌ كاملة، لا يعرف عنها العالم شيئًا.



وربما لهذا السبب، لا ينبغي أن نحكم على الناس من ظاهر أيامهم.

فالابتسامة التي تراها قد تكون ثمرة معركةٍ طويلة لم يخبرك صاحبها عنها.

والهدوء الذي يبدو على أحدهم، قد جاء بعد سنواتٍ من الفوضى الداخلية.

والشخص الذي تظنه قويًا، قد تعلّم القوة لأنه لم يجد كتفًا يتكئ عليه يومًا.

إننا نعرف من الناس فصولًا قليلة...

بينما تبقى الرواية الحقيقية مطويةً في صدورهم.


ومع مرور العمر، لا تصبح الحكايات أقل عددًا.

بل نصبح أكثر انتقائية في روايتها.

ندرك أن ليس كل من اقترب منا، صار أهلًا لمعرفة ما في داخلنا.

وأن بعض الذكريات خُلقت لتكون بيننا وبين أنفسنا فقط.

ليس خوفًا من أحكام الآخرين...

بل احترامًا لقدسية ما عشناه.

فهناك مشاعر، إذا أُخرجت من القلب كثيرًا، فقدت شيئًا من معناها.

ولهذا، لا يكون الصمت دائمًا عجزًا عن الكلام.

أحيانًا يكون أرقى أشكال الوفاء.

وفاءً لذكرى لا نريد أن يعبث بها التفسير.

أو لتجربةٍ لا نريد أن تتحول إلى حكايةٍ تُروى على عجل.


ثم يأتي يومٌ، ننظر فيه إلى تلك الحكايات التي أخفيناها سنواتٍ طويلة، فلا نجد الألم الذي كان يسكنها.

لا لأننا نسينا...

بل لأن الزمن علّمنا أن بعض الأحداث لم تكن نهاية الطريق، وإنما كانت بداية الإنسان الذي أصبحناه اليوم.

ندرك أن كل ما ظننّاه كسرًا، ترك فينا أيضًا حكمة.

وأن كل ما أخفيناه، ساهم بطريقةٍ ما في تشكيل ملامحنا.

فالإنسان لا تصنعه الأحداث التي يعلنها للعالم...

بل تلك التي عاشها بصمت، وخرج منها مختلفًا.


وفي النهاية، قد لا يحتاج الإنسان إلى أن يروي كل شيء.

يكفي أن يتصالح مع قصته.

أن ينظر إلى ماضيه دون خصومة، وإلى أخطائه دون كراهية، وإلى ذكرياته دون أن يبقى أسيرًا لها.

فليست قيمة الحكاية في أن يعرفها الناس...

بل في أن تكون قد جعلتك أكثر نضجًا، وأرحب قلبًا، وأهدأ روحًا.

وهذا يكفي.


ومضة

أعمق الحكايات ليست تلك التي يصفق لها الناس، بل تلك التي غيّرتك بصمت، ولم يعلم بها أحد.


للتأمل

لو كُتب لكل إنسان أن يروي الحكاية التي لم يخبر بها أحدًا، فكم ستتغير نظرتنا إلى من نظن أننا نعرفهم؟




                                                                                تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة