كيف يغيّر الامتلاك قيمة الأشياء؟ | لماذا نفقد دهشتنا بعد الحصول على ما نريد؟

 أنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


كل مُر سيمُر




(لماذا تبدو الأشياء أجمل قبل أن نمتلكها؟ مقال تأملي يناقش كيف يغيّر الامتلاك نظرتنا إلى الأشياء، ولماذا تتراجع الدهشة بعد الوصول)


كيف يغيّر الامتلاك قيمة الأشياء؟

ليست المشكلة دائمًا في الأشياء...

بل في الطريقة التي ننظر بها إليها.

فالإنسان كثيرًا ما يُعجب بما لا يملك، ويشتاق إلى ما هو بعيد، ويمنح الأشياء التي لم يصل إليها قيمةً تكاد تكون مطلقة.

ثم يحدث ما كان ينتظره طويلًا...

ويمتلكها.

وفجأة، لا تعود كما كانت في خياله.

ليس لأنها تغيّرت...

بل لأن الامتلاك غيّر طريقة رؤيته لها.


تأمل طفلاً يقف أمام لعبةٍ خلف واجهة متجر.

قد يقضي أيامًا وهو يحلم بها.

ويعتقد أن امتلاكها سيمنحه سعادةً لا تنتهي.

لكن بعد أن تصبح بين يديه، يبدأ بتركها شيئًا فشيئًا، حتى تصبح لعبةً عادية بين عشرات الألعاب.

ما الذي تغيّر؟

اللعبة نفسها لم تتغير.

الذي تغيّر هو المسافة بين الرغبة والامتلاك.


وهذا لا يحدث مع الأطفال وحدهم.

بل يرافق الإنسان في معظم مراحل حياته.

ينتظر وظيفةً معينة، فإذا حصل عليها، بدأ يفكر في وظيفةٍ أفضل.

ويحلم بمنزل، فإذا سكنه، انشغل بمنزلٍ أكبر.

ويسعى إلى هدفٍ سنوات، فإذا بلغه، لم يمنحه الشعور الذي كان يتخيله.

وكأن الإنسان لا يطارد الأشياء...

بل يطارد الصورة التي رسمها عنها قبل أن يمتلكها.


إن الرغبة تمنح الأشياء بريقًا.

أما الاعتياد، فيسحب منها ذلك البريق بهدوء.

ولهذا، لا يكفي أن تمتلك الشيء...

بل أن تعرف كيف تراه بعد أن يصبح جزءًا من حياتك.

فكم من نعمةٍ تحولت إلى عادة، وكم من عادةٍ فقدت قيمتها، لا لأنها أصبحت أقل جمالًا، بل لأن العين اعتادت وجودها.



ولعل أكثر ما يغيّره الامتلاك، ليس الأشياء...

بل الإنسان نفسه.

فالشيء الذي كان يراه حلمًا، يصبح بعد فترة جزءًا من الروتين.

والنعمة التي كان يدعو الله أن ينالها، تتحول مع الأيام إلى أمرٍ يظنه طبيعيًا.

وهكذا، لا تفقد الأشياء قيمتها الحقيقية...

بل نفقد نحن قدرتنا على ملاحظتها.


إن الاعتياد من أغرب ما خُلق في النفس البشرية.

فهو يمنحنا الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يسرق دهشتنا.

ولهذا، لا نتوقف كثيرًا عند صحةٍ نعيش بها كل يوم، حتى يزورنا المرض.

ولا نفكر في قيمة الوقت، حتى يمتلئ بالانشغال.

ولا نلتفت إلى وجود من نحب، حتى يغيّبهم سفرٌ أو فراق.

فنحن لا نحتقر ما نملك...

لكننا نعتاده، حتى يصبح حضوره صامتًا.


ولا يقتصر هذا على الأشياء المادية.

بل يمتد إلى العلاقات أيضًا.

فالإنسان قد يبذل جهدًا كبيرًا ليكسب قلبًا، فإذا اطمأن إلى بقائه، قلّ اهتمامه بالتفاصيل التي أوصلته إليه.

ليس لأنه لم يعد يحب...

بل لأن الامتلاك يُشعره، أحيانًا، بأن ما كان يخشى فقده أصبح مضمونًا.

وهنا يبدأ الخطر.

فبعض الأشياء لا تحتاج إلى أن نفقدها حتى تضيع.

يكفي أن نتوقف عن تقديرها.


ولهذا، فإن أجمل ما يفعله الإنسان مع ما يملك، أن يحافظ على دهشته الأولى.

أن يرى النعمة كما رآها يوم تمناها.

وأن يشكرها كما شكرها يوم جاءت.

فالامتنان ليس شعورًا يظهر عند الحصول على الشيء فقط...

بل مهارةٌ تُبقي قيمته حيّة في القلب.


وربما لا تكمن المشكلة في أن نمتلك الأشياء.

بل في أن نسمح للاعتياد أن يقنعنا بأنها أصبحت أمرًا عاديًا.

فما كان يومًا أمنيةً...

لا ينبغي أن يتحول إلى شيءٍ لا نلتفت إليه.

ولهذا، قبل أن تبحث عن المزيد...

تأمل قليلًا فيما بين يديك.

فقد يكون ما تبحث عنه اليوم، هو نفسه ما كنت تحلم به بالأمس.



ومع مرور العمر، يكتشف الإنسان أن الأشياء لم تكن تتغير بالقدر الذي كان يظنه...

بل هو الذي كان يتغير.

فحين كان ينظر إليها بعين الرغبة، كانت تبدو بعيدة، ومثالية، وكاملة.

وحين أصبحت بين يديه، بدأ ينظر إليها بعين الاعتياد.

والفرق بين العينين...

هو الذي غيّر القيمة.


إن المشكلة ليست في الامتلاك.

فالإنسان خُلق ليسعى، ويبني، ويحقق، ويتمتع بما رزقه الله.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الامتلاك إلى نهاية الشعور.

حين يصبح الوصول سببًا في توقف الامتنان.

وحين تتحول النعمة إلى أمرٍ لا يستحق الالتفات.

فما أكثر الأشياء التي تمنيناها سنوات...

ثم مررنا بجانبها بعد امتلاكها، وكأنها كانت معنا منذ البداية.


ولهذا، فإن أغنى الناس ليس من يملك أكثر.

بل من يستطيع أن يرى قيمة ما يملك كل يوم.

أن يستيقظ وهو لا يعتبر صحته أمرًا مضمونًا.

وأن ينظر إلى أهله كنعمة، لا كجزءٍ عادي من المشهد.

وأن يشكر الله على الأشياء الصغيرة، قبل الكبيرة.

فالامتنان لا يزيد النعم عددًا...

لكنه يزيدها حضورًا في القلب.


وربما لهذا السبب، لا تكمن السعادة في الحصول على المزيد دائمًا.

لأن الرغبة لا تعرف الاكتفاء.

فكلما حصل الإنسان على شيء، ظهر له شيءٌ آخر يريد الوصول إليه.

ولو كانت السعادة في الامتلاك وحده، لما وجدنا من يملك الكثير وما زال يشعر بالنقص.

إن السعادة الحقيقية تبدأ حين يتوقف الإنسان بين الحين والآخر، وينظر إلى ما بين يديه بعينٍ جديدة، لا بعينٍ اعتادت كل شيء.


وفي النهاية...

لا تُغيّر الأشياء قيمتها عندما نمتلكها.

الذي يتغيّر هو نحن.

ولهذا، فإن أجمل عادةٍ يمكن أن يتعلمها الإنسان، هي أن ينظر إلى نعمه بين حينٍ وآخر، كما لو أنه يراها للمرة الأولى.

فربما لم تكن المشكلة يومًا في قلة ما نملك...

بل في كثرة ما اعتدناه.


ومضة

ليس كل ما فقد قيمته قد تغيّر... أحيانًا، الذي تغيّر هو طريقة نظرنا إليه، مع اعتقادي أنك تستطيع أن تجعل انبهارك مُستمرًا بالإدراك أن كل شي زائل يومًا ما ..


للتأمل

كم نعمةً تعيش معها اليوم، كنت تدعو الله بها يومًا، ثم جعلها الاعتياد تمر أمام عينيك دون أن تراها؟





                                                                                                تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة