حين نظن أن الحكاية انتهت... هل تكون قد بدأت فعلًا؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
حين نظن أن الحكاية انتهت... هل تكون قد بدأت فعلًا؟
هناك لحظات في الحياة نشعر فيها أن الستار قد أُسدل إلى الأبد. نغلق بابًا، أو نفقد فرصة، أو تنتهي علاقة، أو نودع حلمًا طالما اعتقدنا أنه سيبقى معنا حتى آخر الطريق. في تلك اللحظات، يبدو المشهد مكتملًا؛ فلا شيء بعد النهاية سوى الصمت، ولا شيء بعد الرحيل سوى الفراغ.
لكن الحياة لا تتعامل مع النهايات بالطريقة التي نتخيلها. فما نراه خاتمة، قد يكون في الحقيقة أول سطر في فصل جديد لم نكن نعلم بوجوده.
الإنسان بطبيعته يربط مصيره بما اعتاد عليه. فإذا انتهى أمرٌ أحبه، ظن أن جزءًا من حياته قد انتهى معه. غير أن الأيام تكشف لنا، بعد حين، أن ما فقدناه لم يكن دائمًا خسارة، بل كان أحيانًا مساحة خالية تنتظر أن يملأها شيء أفضل.
كم من شخص ظن أن خروجه من وظيفة هو نهاية استقراره، ثم وجد نفسه بعد سنوات في مكان لم يكن يحلم به؟ وكم من إنسان اعتقد أن فشل مشروعه هو سقوطه الأخير، فإذا بذلك الفشل يمنحه خبرة كانت مفتاح نجاحه الحقيقي؟ وكم من علاقة انتهت، فظن صاحبها أن الحياة توقفت، ثم اكتشف أن ما انكسر لم يكن قلبه، بل الصورة التي رسمها للمستقبل؟
إننا لا نخاف النهايات لأنها مؤلمة فحسب، بل لأننا لا نستطيع رؤية ما بعدها. الغد مجهول، والمجهول يثير القلق. لذلك يتمسك الإنسان أحيانًا بما يؤذيه، فقط لأنه يعرفه، ويخشى أن يتركه لما لا يعرفه.
ولعل أكثر ما يربك الإنسان أن الحياة لا تكشف له حكمتها دفعة واحدة. فهي لا تقول له: "اصبر، فما فقدته اليوم سيقودك إلى خير غدًا." بل تتركه يعيش التجربة بكل ما فيها من غموض، حتى إذا ابتعد عنها ونظر إليها من مسافة، رأى ما لم يكن يراه وهو في قلبها.
لهذا قال بعض الحكماء إن الإنسان لا يفهم كثيرًا من أحداث حياته إلا بعد أن تصبح جزءًا من ماضيه.
وليس معنى ذلك أن كل نهاية سعيدة، أو أن كل خسارة ستتحول إلى مكسب مباشر. فالحياة أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المبسطة. لكنها تمنح الإنسان دائمًا فرصة لإعادة تشكيل نفسه. وما دام الإنسان قادرًا على التعلم، فإن النهاية لا تكون نهاية كاملة.
من منظور علم النفس، يتحدث الباحثون عن قدرة الإنسان على التكيف النفسي، وهي القدرة التي تجعله يستعيد توازنه تدريجيًا بعد الصدمات والتغيرات الكبرى. وهذه القدرة لا تلغي الألم، لكنها تمنع الألم من أن يصبح الهوية الدائمة للإنسان. ومع مرور الوقت، يعيد العقل ترتيب أولوياته، وتبدأ المشاعر الحادة بالهدوء، فتظهر إمكانات لم تكن واضحة في البداية.
ولهذا نجد أن كثيرًا من أعظم الإنجازات الإنسانية خرجت من رحم الإخفاق، وأن كثيرًا من الشخصيات المؤثرة لم تبدأ قصص نجاحها إلا بعد أن أُغلقت في وجوهها أبواب كثيرة.
الفيلسوف لا ينظر إلى النهاية بوصفها توقفًا، بل تحولًا. والطبيعة نفسها تعلمنا ذلك؛ فالشجرة التي تفقد أوراقها في الخريف لا تموت، بل تستعد لربيع جديد. وغروب الشمس ليس إعلانًا بانتهاء النور، بل بداية ليوم آخر في مكان آخر من هذا العالم.
وربما تكون المشكلة أننا نبالغ في تقدير اللحظة الحاضرة، فنظن أنها ستبقى إلى الأبد. لكن الزمن يثبت لنا أن المشاعر تتغير، والظروف تتبدل، والإنسان نفسه لا يبقى كما كان قبل سنوات.
لذلك، حين تنتهي حكاية، لا تجعلها نهاية حياتك. اجعلها نهاية فصل واحد فقط. فما زال في الكتاب صفحات لم تُكتب، وأحداث لم تقع، وأشخاص لم تلتقِ بهم، وأفكار لم تخطر لك بعد.
إن أجمل ما في المستقبل أنه لا يخضع لتوقعاتنا. ولو عرف الإنسان كل ما ينتظره، لفقدت الحياة دهشتها، ولما كان للصبر معنى، ولا للأمل قيمة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا انتهت الحكاية؟ بل: ماذا ستصنع بعد انتهائها؟
فقد يكون ما انقضى قد أدى دوره كاملًا، ولم يعد بقاؤه يزيدك إلا تعلقًا بالماضي. أما القادم، فقد يحمل فرصًا لا تستطيع رؤيتها وأنت لا تزال تنظر إلى الوراء.
حين نظن أن الحكاية انتهت، نكون في الغالب قد وصلنا إلى نهاية ما اعتدناه، لا إلى نهاية الحياة نفسها. وما دام القلب ينبض، والعقل يتعلم، والروح قادرة على النهوض، فإن لكل نهاية احتمالًا صادقًا أن تكون بداية.
وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى ما ظننته يومًا أكبر خسائرك، فتبتسم في هدوء، لأنك أدركت أخيرًا أن الحياة لم تكن تغلق بابًا في وجهك، بل كانت تدعوك إلى باب آخر، لم تكن لتراه لو بقيت واقفًا أمام الأول.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق