حدود البشر في المعرفة الإلهية: أين ينتهي العقل وأين يبدأ الغيب؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


الله ليس مكينًا في مكان ولا يطوفه الزمان


قال كاتبُ لا أعرفه  :

قلت لله "لن أموت قبل أن أعرفك"

فأجابني الله "من يعرفني لن يموت أبدًا"     

سبحانه وتعالى عما يصفون وعما نصف

الحقوق محفوظة لصاحب هذه الجملة العظيمة لعدم معرفتي به

هناك أسئلة لا تكمن عظمتها في صعوبة الإجابة عنها فحسب، بل في أنها تكشف للإنسان شيئًا عن حدود قدرته على السؤال نفسه.

ومن أعمق هذه الأسئلة وأشدها حساسية: ماذا يستطيع الإنسان أن يعرف عن الله سبحانه وتعالى؟ وأين تنتهي قدرة العقل البشري حين يحاول أن يتأمل في علم الله وصفاته وأمر الغيب؟

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل في نفسه والكون من حوله، وهو يحاول أن يتجاوز الظاهر إلى ما وراءه. سأل عن أصل الوجود، وعن النفس، وعن الزمن، وعن المصير، وعن الحقيقة التي تقف خلف هذا العالم المشهود. وكلما اتسعت دائرة معرفته، بدا له أن وراء ما عرفه مساحة أكبر مما لم يعرفه.

لكن الإيمان لا يطلب من الإنسان أن يجعل عقله عاجزًا، كما أنه لا يمنحه حق الادعاء بأنه قادر على الإحاطة بكل شيء.

بل يضعه في موضع أكثر اتزانًا: أن يعقل ما يستطيع، ويؤمن بما جاء به الوحي، ويتوقف حيث تنتهي قدرته.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

الإنسان يعرف، لكنه لا يحيط

من السهل أن يظن الإنسان أن المعرفة تعني الوصول إلى الحقيقة كاملة. فإذا عرف شيئًا، شعر أنه امتلكه ذهنيًا، وإذا اكتشف قانونًا من قوانين الطبيعة، ظن أنه اقترب من فهم النظام كله.

لكن القرآن يضع أمام الإنسان حقيقة شديدة الوضوح:

﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

ليست الآية دعوة إلى ترك العلم، ولا تقليلًا من شأن المعرفة التي يستطيع الإنسان تحصيلها، وإنما تذكير بمحدودية الإنسان أمام سعة ما يجهله.

فالإنسان يستطيع أن يتعلم، ويبحث، ويستدل، ويكتشف، ويصحح أخطاءه، وينقل معرفته إلى من يأتي بعده؛ لكنه يظل مخلوقًا محدود الإدراك والقدرة.

وهذه المحدودية ليست عيبًا في الإنسان، وإنما جزء من طبيعته.

فنحن لا نرى كل شيء، ولا نسمع كل شيء، ولا ندرك كل شيء، ولا نملك معرفة جميع الأسباب والنتائج، فضلًا عن الإحاطة بحقائق الغيب.

ومن هنا يصبح الاعتراف بحدود المعرفة نوعًا من المعرفة نفسها.

أن تعرف أنك لا تعرف، في بعض المواطن، أكثر علمًا من أن تتحدث فيما لا علم لك به.

عندما نتحدث عن علم الله سبحانه وتعالى

هنا ينبغي أن تتغير لغة الإنسان.

فالله سبحانه وتعالى ليس موضوعًا يمكن للعقل أن يحيط به كما يحيط الإنسان بمسألة رياضية أو ظاهرة طبيعية.

إنما يخبرنا الله عن نفسه بما شاء، ويعرّف عباده من أسمائه وصفاته ما شاء، ويكشف لهم من الغيب ما شاء، ويبقى ما لم يخبر به داخلًا في علمه سبحانه.

قال تعالى:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255].

وهذه الآية من أعظم الآيات التي ترسم حدود المعرفة البشرية أمام العلم الإلهي.

لاحظ التعبير القرآني: «ولا يحيطون».

فالمسألة ليست أن الإنسان لا يعلم شيئًا مطلقًا، وإنما أنه لا يحيط بعلم الله.

وهناك فرق هائل بين أن يعلم الإنسان شيئًا، وبين أن يحيط به إحاطة كاملة.

قد يعرف الإنسان حقيقة من الحقائق، لكنه لا يعرف جميع وجوهها، ولا جميع أسبابها، ولا جميع آثارها، ولا موقعها في شبكة الوجود بأكملها.

أما الإحاطة فشيء آخر.

ولهذا فإن الخطأ يبدأ حين يتعامل الإنسان مع المعرفة التي أُتيح له شيء منها وكأنها تمنحه حق الإحاطة.

ما الذي نعرفه إذن؟

إذا كانت المعرفة البشرية محدودة، فهل يعني ذلك أننا لا نستطيع معرفة شيء عن الله سبحانه وتعالى؟

ليس هذا هو المقصود.

بل إن الله سبحانه وتعالى عرّف عباده بنفسه، وأخبرهم بأسمائه وصفاته، وأرسل رسله، وأنزل كتبه، وبيّن لهم من أمر الغيب ما تحتاج إليه هدايتهم.

فالإنسان يستطيع أن يعرف ما أخبر الله به عن نفسه، ويؤمن به كما جاء، دون أن يدّعي الإحاطة بحقيقة ذات الله سبحانه أو كيفية صفاته.

وهنا يظهر مبدأ عظيم:

هناك فرق بين المعرفة والإحاطة.

يمكن للإنسان أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى عليم، رحيم، حكيم، سميع، بصير، وأن علمه محيط بكل شيء، دون أن يعني ذلك أنه أحاط بحقيقة هذه الصفات وكيفيتها.

وهذه النقطة بالذات تحمي العقل من طرفين متناقضين:

طرف يريد أن ينكر كل ما لا يستطيع تصوره، وطرف يريد أن يخوض في كيفية ما لا سبيل إلى الإحاطة بكيفيته.

والمنهج الأقوم أن نؤمن بما جاء به الوحي، ونفهم معانيه على الوجه اللائق بالله سبحانه، مع نفي مماثلة صفاته لصفات خلقه، وعدم ادعاء الإحاطة بحقيقة ما لا نحيط به.

الغيب: المنطقة التي لا يفتح الإنسان بابها من تلقاء نفسه

من أكبر حدود المعرفة البشرية الغيب.

فالإنسان يعيش في عالم الشهادة؛ يرى ويسمع ويقيس ويستدل ويجرب. أما الغيب فليس مجالًا مفتوحًا للحواس والتجربة البشرية بالطريقة نفسها.

ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 26-27].

فالآية تضع أصلًا مهمًا: علم الغيب لله سبحانه وتعالى، وما أطلع عليه من شاء من رسله فمن فضله وإذنه.

وهذا يغيّر الطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها مع الأسئلة الغيبية.

فليس كل ما نستطيع صياغته في سؤال نملك حق الإجابة عنه.

العقل يستطيع أن يسأل:

كيف تكون الحياة بعد الموت؟

كيف تكون تفاصيل اليوم الآخر؟

كيف تجري بعض الأمور التي أخبر الله عنها؟

لكن السؤال شيء، وامتلاك القدرة على الوصول إلى الحقيقة الكاملة شيء آخر.

قد يكون السؤال مشروعًا للتدبر، بينما تكون الإجابة التفصيلية خارج حدود ما أُتيح للإنسان معرفته.

وهنا تظهر قيمة التوقف.

التوقف ليس هزيمة للعقل

في عصر يقدّس القدرة على الإجابة، يبدو الاعتراف بحدود المعرفة وكأنه ضعف.

لكن في الحقيقة، من علامات العقل الناضج أن يعرف متى يتقدم ومتى يتوقف.

العالِم لا يجيب عن كل سؤال لمجرد أنه يستطيع الكلام عنه، والفيلسوف الحقيقي يعرف أن بعض الأسئلة تحتاج إلى حدود منهجية قبل أن تحتاج إلى إجابات، والمؤمن يدرك أن الوحي ليس مادة خامًا ليعيد العقل تشكيلها وفق قدرته المحدودة.

هناك أشياء يمكن للعقل أن يستدل عليها.

وهناك أشياء يمكنه أن يفهم معناها دون أن يحيط بحقيقتها.

وهناك أشياء أخبر بها الوحي ولا سبيل للإنسان إلى إدراك كيفيتها.

وهناك أشياء لم يُخبر بها أصلًا، فتبقى في علم الله سبحانه وتعالى.

والحكمة أن نضع كل شيء في موضعه.

أخطر خطأ: تحويل التشبيه إلى حقيقة

حين يحاول الإنسان فهم صفات الله سبحانه وتعالى، قد يقع في خطأ خفي: أن يقيس الخالق على المخلوق.

فيقول في نفسه: أنا أعرف معنى السمع عند الإنسان، وأعرف معنى العلم عند الإنسان، وأعرف معنى القدرة عند الإنسان، فيحاول أن يجعل علم الله أو قدرته نسخة أعظم من صفات البشر.

وهذا قياس غير صحيح.

فالقرآن يقول:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

فالآية تجمع بين أصلين عظيمين: إثبات ما أثبته الله لنفسه، وتنزيهه عن مماثلة خلقه.

ولهذا فإن الحديث عن الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى لغة مختلفة عن الحديث عن المخلوقات.

ليس لأن العقل ممنوع من التفكير، وإنما لأن الموضوع نفسه أعظم من أن يُقاس بالمقاييس التي اعتاد الإنسان استخدامها في الأشياء المحدودة.

كلما اتسعت المعرفة، اتسع إدراك الجهل

المفارقة العجيبة أن الإنسان كلما ازداد علمًا، اكتشف أن مساحة المجهول أكبر مما كان يتصور.

وهذا لا يخص الدين وحده.

فالإنسان الذي كان يظن أنه فهم الكون اكتشف أن ما يراه ليس كل شيء، وأن المادة والطاقة والزمن والفضاء أسئلة ما زالت تحمل طبقات عميقة من التعقيد.

لكن ينبغي هنا أن نكون دقيقين: جهل الإنسان ببعض قوانين الكون لا يعني تلقائيًا أنه دليل على كل قضية غيبية.

هذه نقطة منهجية مهمة.

فلا يصح أن نحول كل مجهول علمي إلى دليل ديني، كما لا يصح أن نجعل عدم قدرة العلم التجريبي على اختبار قضية غيبية دليلًا على بطلانها.

لكل مجال أدواته وحدوده.

العلم التجريبي يبحث في العالم المشاهد والقابل للرصد والاختبار، بينما الوحي يخبر عن أمور تتجاوز نطاق التجربة الحسية.

والمشكلة تبدأ عندما نطلب من أداة أن تجيب عن سؤال يقع خارج مجالها.

أعظم حدود الإنسان: أنه لا يملك الحقيقة من ذاته

قد يملك الإنسان عقلًا، لكنه لم يخلق العقل.

وقد يملك علمًا، لكنه لم يخلق حقيقة الأشياء التي يعلمها.

وقد يكتشف قانونًا من قوانين الكون، لكنه لم ينشئ القانون الذي اكتشفه.

إنه يصل إلى المعرفة عبر ما أُتيح له من أدوات وقدرات وأسباب.

ولهذا فإن القرآن لا يجعل العلم البشري مستقلًا عن مشيئة الله سبحانه وتعالى، بل يقرر:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.

فما عند الإنسان من معرفة، مهما اتسعت، لا يخرجه من كونه عبدًا مخلوقًا محدودًا.

وهنا يتحول العلم من سبب للغرور إلى سبب للتواضع.

فالعالم الحقيقي ليس من يظن أنه امتلك كل الإجابات، وإنما من يعرف مقدار ما وصل إليه، ومقدار ما لم يصل إليه، ويفرق بين البرهان والظن، وبين النص والتأويل، وبين العلم والادعاء.

أين ينتهي العقل؟

لا توجد علامة واحدة يمكن وضعها على الخريطة فنقول: «هنا ينتهي العقل» وكأن العقل يتوقف فجأة.

الأدق أن نقول:

ينتهي العقل عن الإحاطة عندما يتجاوز موضوعُ البحث قدراته وأدواته، لكنه لا ينتهي عن التفكر.

يمكن للعقل أن يتأمل في آثار القدرة والحكمة والخلق، وأن يفهم دلالات الوحي، وأن يستنبط ويقارن ويستدل.

لكنه لا يستطيع أن يجعل نفسه محيطًا بما أخبر الله أنه لا يحيط به.

وهنا يكون التواضع العقلي فضيلة، لا عجزًا.

وبين العقل والغيب... يقف الإنسان

ربما كان أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من هذا الباب أنه ليس مطالبًا بأن يعرف كل شيء.

إنه مطالب بأن يعرف ما ينفعه، وأن يطلب العلم فيما يستطيع، وأن يتدبر فيما أذن له بالتدبر فيه، وأن يؤمن بالغيب الذي جاء به الوحي، وأن يتوقف عند حدود الله.

فالإنسان لا يصغر عندما يعترف بحدوده.

بل قد يكون في اعترافه بحدوده شيء من أعظم صور نضج العقل.

لأن العقل الذي يظن أنه قادر على الإحاطة بكل شيء يتحول إلى قيد على صاحبه، أما العقل الذي يعرف حدوده، فيصبح أكثر قدرة على التعلم، وأكثر إنصافًا، وأكثر تواضعًا.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم:

«إلى أي مدى نستطيع أن نعرف عن الله سبحانه وتعالى؟»

بل:

«هل نعرف أين يجب أن نتوقف؟»

فبين المعرفة والإحاطة مسافة.

وبين التفكر والتكلف حد.

وبين الإيمان بالغيب وادعاء كشف الغيب فرق عظيم.

وكلما اقترب الإنسان من هذه الحقيقة، أدرك أن بعض أعظم أبواب المعرفة لا تفتح للإنسان لكي يقتحمها، وإنما لكي يقف عندها متأملًا، مؤمنًا، متواضعًا أمام جلال من له العلم كله.

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].



                                                             تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة