الأشياء التي لم تُخلق لتُفهم

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


الجهل والموت وجهان لعملة واحدة



هناك وهمٌ يرافق الإنسان منذ بدايات وعيه؛ أنه إذا فهم كل شيء، سيطمئن.

ولذلك يقضي جزءًا كبيرًا من حياته باحثًا عن تفسيرٍ لما يحدث حوله. يسأل: لماذا وقع هذا؟ ولماذا انتهى ذاك؟ ولماذا تغيّر الناس؟ ولماذا جاءت هذه اللحظة دون غيرها؟

ويظن أن الإجابة، متى وجدها، ستُسكت قلقه إلى الأبد.

لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.

فليست كل الأبواب تُفتح بالمفاتيح، وليست كل الأسئلة خُلقت لتجد جوابًا.

هناك أشياء لا ينقصها التفسير...

بل ينقصنا الاتساع لنقبل وجودها كما هي.


انظر إلى السماء في ليلةٍ صافية.

كلما عرفت عنها أكثر، ازداد إدراكك لاتساع ما تجهله.

وهكذا الحياة.

كل جوابٍ تصل إليه، يفتح بابًا لسؤالٍ جديد.

وكل حقيقةٍ تكتشفها، تكشف لك أن الحقيقة أكبر منها.

ولهذا لم يكن الجهل دائمًا هو المشكلة...

بل الاعتقاد بأن كل شيء قابلٌ للفهم.


بعض المشاعر، على سبيل المثال، لا يمكن ترجمتها إلى كلمات.

كيف تشرح شعور العودة إلى مكانٍ لم تزره منذ سنوات؟

أو الإحساس الذي يسبق البكاء بلحظة؟

أو ذلك الصمت الذي يسكن الإنسان بعد خبرٍ غيّر حياته؟

الكلمات تصف...

لكنها لا تنقل التجربة.

ولهذا تختلف قراءة الناس للقصة نفسها، لأن كل واحدٍ منهم يملأ الفراغات بما عاشه هو، لا بما كتبه الكاتب.

فالإنسان لا يفهم الأشياء بعقله وحده...

بل بذكرياته أيضًا.


وربما لهذا السبب، تبقى بعض الأسئلة معنا سنواتٍ طويلة.

لا لأنها بلا جواب...

بل لأن الجواب ليس هو ما نحتاج إليه.

أحيانًا نحتاج إلى وقتٍ أطول، أو إلى تجربةٍ أخرى، أو إلى نسخةٍ جديدة من أنفسنا، حتى نفهم ما عجزنا عن فهمه بالأمس.

وأحيانًا...

لن نفهم أبدًا.

وليس في ذلك نقص.

بل جزءٌ من طبيعة الحياة.



هناك فرقٌ كبير بين أن تجهل شيئًا... وبين أن يكون الشيء أكبر من أن يُحاط به.

فالجهل يمكن أن يزول بالتعلّم.

أما بعض حقائق الحياة، فليست ناقصةً حتى نُكملها، ولا غامضةً حتى نكشفها، بل هي أوسع من قدرتنا على الإحاطة بها.

ولهذا، لا تكمن الحكمة دائمًا في العثور على الإجابة، بل في معرفة متى نتوقف عن مطاردتها.


كم من إنسانٍ أضاع سنواتٍ من عمره وهو يحاول أن يفهم سبب رحيل شخصٍ أحبه.

وكأن تفسير الرحيل سيعيد الراحل.

وكم من آخر ظل يبحث عن السبب الذي جعل فرصةً عظيمة تفلت من بين يديه، حتى نسي أن الحياة كانت تمضي من حوله.

إن بعض الأسئلة، كلما أطعمتها التفكير، ازداد جوعها.

إنها لا تريد جوابًا...

بل تريد أن تستحوذ على عقلك.


ومن غرائب النفس البشرية أنها لا تكتفي بما تعرف.

إنها تريد أن تعرف لماذا.

ولماذا جاءت اللماذا على هذه الصورة.

ثم تبحث عن سبب السبب، حتى تدخل في متاهةٍ لا نهاية لها.

ولهذا، فإن العقل الذي لا يعرف متى يتوقف عن التحليل، قد يتحول من نعمةٍ إلى عبء.

فليس كل بابٍ مغلقٍ يحتاج إلى أن يُكسر.

بعض الأبواب أُغلقت لأن ما وراءها ليس لنا.


ولعل أكثر ما يرهق الإنسان، أنه يظن أن الغموض عيبٌ يجب التخلص منه.

مع أن أجمل ما في الحياة قائمٌ على شيءٍ من الغموض.

نحن لا نعرف ما يخبئه الغد، ومع ذلك نستيقظ كل صباح ونخطط له.

ولا نعرف من سنلتقي بعد عام، ولا كيف ستتبدل أفكارنا، ولا أي كتابٍ سيغيّر نظرتنا إلى العالم، ولا أي كلمةٍ عابرة ستبقى معنا حتى آخر العمر.

ولو كُشف لنا كل شيءٍ قبل وقوعه، لفقدت الحياة دهشتها.

ولما بقي للاكتشاف لذته.


ربما لهذا لا تُقاس الحكمة بكثرة الإجابات التي يملكها الإنسان.

بل بعدد الأسئلة التي تعلّم أن يتعايش معها دون أن يفقد سلامه.

فالطمأنينة لا تأتي دائمًا من المعرفة...

بل أحيانًا تأتي من قبول حدودها.

وحين يدرك الإنسان أن ليس كل ما يعجز عن فهمه خطأ، يصبح أكثر هدوءًا، وأكثر تسامحًا مع الحياة، ومع الناس، ومع نفسه أيضًا.

لأنه يتوقف عن مطالبة العالم بأن يكون واضحًا في كل لحظة.

ويبدأ في تقبّل أن بعض الأشياء...

لم تُخلق لتُفهم.


ولعل أكثر ما ينضج الإنسان، ليس كثرة ما عرف...

بل كثرة ما تعلّم أن يتقبله دون أن يعرفه.

ففي بداية العمر، نعتقد أن الفهم سيمنحنا السيطرة.

نظن أننا إذا عرفنا أسباب كل حدث، فلن نفاجأ مرةً أخرى، ولن نتألم، ولن نضل الطريق.

لكن السنوات تكشف لنا حقيقةً مختلفة.

إن الحياة ليست معادلةً رياضية، ولا روايةً تُفهم من قراءتها الأولى.

إنها أقرب إلى البحر؛ كلما غصت فيه، اكتشفت أن ما تجهله أوسع مما تعرفه.


وحين ينظر الإنسان إلى حياته بعد أعوام، يكتشف أن أكثر اللحظات تأثيرًا فيه لم تكن تلك التي فهمها فور وقوعها.

بل تلك التي بقيت غامضةً زمنًا طويلًا.

قرارٌ ظنه خطأ، ثم أدرك بعد سنوات أنه أنقذه.

وكلمةٌ مرّت عابرة، ثم اكتشف أنها غيّرت طريقة تفكيره.

وشخصٌ ظن أن وجوده مؤقت، فإذا بأثره يبقى بعد غيابه.

وكأن الحياة لا تمنح المعنى دفعةً واحدة...

بل تكشفه على مهل، بقدر ما ينضج الإنسان.


ومع ذلك، ستبقى هناك أمورٌ لا يكتمل تفسيرها أبدًا.

ليس لأن الحقيقة ناقصة...

بل لأن الإنسان محدود.

وربما كان في هذا الحدّ شيءٌ من الرحمة.

فلو عرفنا كل شيء، لفقدنا فضيلة الدهشة.

ولو انكشف لنا كل الغيب، لما بقي للانتظار طعمه، ولا للأمل معناه، ولا للمفاجآت مكان.

إن الغموض ليس دائمًا نقصًا في المعرفة.

أحيانًا يكون جزءًا من جمال الوجود.


لذلك، لا تُرهق قلبك بمحاولة تفسير كل ما مررت به.

ليس كل صمتٍ يحمل رسالة.

وليس كل غيابٍ يحتاج إلى سبب.

وليس كل نهايةٍ خُلقت لتشرح نفسها.

هناك أشياء لا تطلب منك أن تفهمها...

بل أن تعيشها، ثم تمضي.

وحين تتوقف عن مطاردة الإجابات المستحيلة، ستجد أن ذهنك أصبح أخف، وقلبك أكثر اتساعًا، وحياتك أقل صراعًا مع ما لا يمكن تغييره.

فالحكمة ليست أن تمتلك جوابًا لكل سؤال.

الحكمة أن تعرف أيَّ الأسئلة يستحق أن تبحث له عن جواب، وأيَّها يكفي أن تبتسم له، وتمضي.


ومضة

ليست كل الألغاز وُجدت لتُحل؛ بعضها وُجد ليُذكّر الإنسان بأن العالم أكبر من إدراكه.


للتأمل

كم سؤالًا حملته معك سنواتٍ طويلة، ثم اكتشفت أن السلام لم يأتِ عندما وجدت إجابته، بل عندما توقفت عن البحث عنها؟





                                                                                        تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة