لكلِّ شيءٍ موعد... فلا تتعجّل انبهارك.
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| الوقت يُحدد الإتجاه أو العكس |
في الحياة، لا يخدعنا الكذب وحده...
بل يخدعنا أحيانًا الانبهار.
فأول ما يلمع، ليس بالضرورة أن يكون الأثمن.
وأول ما يجذب انتباهنا، ليس دائمًا ما يستحق أن يبقى في قلوبنا.
ولهذا، كانت البدايات أجمل الأماكن لصناعة الانطباعات... وأضعفها في كشف الحقائق.
ننبهر بالأشخاص من حديثٍ واحد، وبالأماكن من زيارةٍ واحدة، وبالأفكار من أول مرة نسمعها.
نظن أننا عرفنا، بينما نحن لم نرَ سوى الصفحة الأولى.
فالزمن وحده يقرأ الكتاب كاملًا.
ليست المشكلة في أن تنبهر.
فالانبهار شعورٌ إنساني جميل.
لكن المشكلة أن تحوّل هذا الشعور إلى حكمٍ نهائي.
أن تمنح الثقة قبل المعرفة.
أو ترفع التوقعات قبل أن يمنحك الواقع ما يكفي من الأسباب.
كل شيءٍ يحتاج إلى وقته.
الأشجار لا تُعرف من أول ورقة.
والبحر لا يُعرف من أول موجة.
والإنسان لا يُعرف من أول لقاء.
بل إن أجمل الأشياء، في الغالب، لا تكشف جمالها دفعةً واحدة.
إنها تترك الزمن يفعل عمله، ثم تُريك حقيقتها بهدوء.
ولهذا...
لكلِّ شيءٍ موعد، فلا تتعجّل انبهارك.
ليس كل ما يلفت النظر يستحق أن يبقى.
فالوهج سريع، أما القيمة فهادئة.
ولهذا، كثيرًا ما نخطئ حين نخلط بين ما يُبهرنا... وما يُشبهنا.
فقد يسرق شخصٌ إعجاب الجميع بحضوره، لكن الأيام تكشف أن حضوره كان أعلى من أثره.
وقد تمر بجوار إنسانٍ بسيط، لا يلفت الانتباه في أول لقاء، ثم تكتشف بعد سنوات أنه كان من أجمل الأشخاص الذين عرفتهم.
فالزمن لا يصنع القيمة...
لكنه يكشفها.
وينطبق الأمر على كل شيء.
هناك كتابٌ بهر الناس بغلافه، ثم نُسي بعد أيام.
وهناك كتابٌ لم يلتفت إليه كثيرون في البداية، لكنه بقي يُقرأ بعد عقود.
وهناك أماكن تدهشك في أول زيارة، ثم تكتشف أنها لا تمنحك سببًا للعودة.
وفي المقابل، أماكن بدت عادية، ثم أصبحت مع الوقت جزءًا من ذاكرتك.
إن الانبهار يحب السرعة...
أما المعنى، فيحب البقاء.
ولهذا، فإن التسرع في الانبهار يشبه التسرع في الحكم.
كلهما يولد من لحظةٍ قصيرة، بينما الحقيقة تحتاج إلى زمن.
فالإنسان لا يُعرف عندما تكون الظروف سهلة، بل عندما تتغير.
ولا تُعرف الأخلاق في الكلمات، بل في المواقف.
ولا تُعرف النيات من الوعود، بل من الوفاء بها.
إن الزمن لا يضيف الصفات إلى الناس...
بل يرفع الستار عنها.
ولعل أجمل الأشياء في الحياة، ليست تلك التي أبهرتنا من اللحظة الأولى.
بل تلك التي تعلّقنا بها ببطء.
الأشياء التي كبرت في قلوبنا يومًا بعد يوم، حتى أصبح غيابها يُشعرنا بأن شيئًا منّا قد رحل.
فما ينمو ببطء...
يبقى طويلًا.
ولهذا، لا تمنح انبهارك الكلمة الأخيرة.
دعه شعورًا جميلًا...
ثم انتظر.
فبعض الأشياء لا تُعرف في بدايتها، وإنما في استمرارها.
ومع مرور الأيام، يكتشف الإنسان أن أكثر ما يستحق الإعجاب... لا يسعى إليه.
فالأشياء العظيمة لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت قيمتها.
الشجرة لا تعلن عن ثمارها، والبحر لا يشرح عمقه، والذهب لا يرفع صوته بين المعادن.
قيمتها تظهر لمن يمنحها الوقت.
وكذلك الناس.
كم من شخصٍ أبهرنا في البداية، ثم تلاشى أثره مع أول اختبار.
وكم من إنسانٍ مرّ بهدوء، حتى كدنا لا نلتفت إليه، ثم أصبح مع الأيام أحد أثمن ما عرفناه.
فليست الروعة في أن تُحدث انطباعًا قويًا...
بل في أن يبقى أثرك جميلًا بعد أن يزول بريق البداية.
إن الزمن ليس عدوًا للأشياء الجميلة.
بل هو غربالها.
يفصل بين ما يلمع لأنه جديد، وما يضيء لأنه حقيقي.
ولهذا، لا تخف إن لم يُدهشك كل شيء من اللحظة الأولى.
فبعض القيم تحتاج إلى معاشرة، وبعض العقول تحتاج إلى حوار، وبعض القلوب لا تُفهم إلا بعد مواقف كثيرة.
أجمل الأشياء لا تطلب منك أن تنبهر بها سريعًا...
بل أن تكتشفها على مهل.
ولهذا، لا تجعل انبهارك يقود قراراتك.
ولا تجعل أول شعورٍ تملكه يصبح آخر حكمٍ تصدره.
امنح الأشخاص وقتًا.
وامنح الأفكار فرصة.
وامنح الحياة المسافة التي تكشف بها حقائقها.
فما يستحق البقاء...
لن يخشى الانتظار.
وفي النهاية...
ليست الحكمة أن تمنع نفسك من الانبهار، فالدهشة جزءٌ جميل من إنسانيتنا.
لكن الحكمة أن تعرف أن الانبهار بدايةٌ للرؤية، وليس نهايتها.
فدع الزمن يُكمل ما بدأته العين.
ودع الأيام تقول كلمتها قبل أن تقول أنت كلمتك الأخيرة.
لأن لكلِّ شيءٍ موعدًا...
حتى الحقيقة.
ومضة
ما يثبت مع الزمن، لا ما يلمع في البداية، هو ما يستحق أن تحتفظ به.
للتأمل
كم مرةً انبهرت بشيءٍ في أوله، ثم اكتشفت أن قيمته كانت أقل مما ظننت؟ وكم مرةً مررت بجانب شيءٍ عادي، فإذا به مع الأيام يصبح من أثمن ما في حياتك؟
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق