فنُّ خسارة الأشياء

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


قدر التغيير يجري على كُل شي إلا هو مٌجري الرياح



ليست المشكلة في أن الأشياء ترحل...

بل في أننا نعيش وكأنها لن ترحل أبدًا.

نرتب حياتنا على افتراضٍ خفيّ، لا ننتبه إلى وجوده إلا عندما ينهار: أن ما نحب سيبقى، وأن الوجوه التي اعتدناها ستظل في أماكنها، وأن الأيام الجميلة تعرف طريق العودة.

لكن الحياة لا تقدّم مثل هذه الوعود.

إنها تعطي...

ثم تأخذ.

وتفتح...

ثم تغلق.

ولا تفعل ذلك ظلمًا، بل لأنها لا تعرف الثبات.


منذ ولادتنا، ونحن نتعلم كيف نكتسب الأشياء.

نتعلم كيف نمشي، وكيف نتكلم، وكيف نقرأ، وكيف نحقق أهدافنا، وكيف نحتفظ بما نملك.

لكن أحدًا لا يعلمنا كيف نخسر.

لا أحد يخبرنا كيف نودّع مرحلةً انتهت، أو حلمًا لم يكتمل، أو شخصًا أصبح جزءًا من الماضي.

وحين تأتي أول خسارةٍ حقيقية، نتعامل معها كما لو أنها خللٌ في نظام الحياة، مع أنها كانت جزءًا منه منذ البداية.


ولعل أصعب أنواع الخسارة ليست فقدان الأشياء نفسها...

بل فقدان الصورة التي رسمناها لأنفسنا بوجودها.

فحين يخسر الإنسان عملًا، لا يخسر راتبًا فقط، بل قد يخسر شعوره بالأمان.

وحين تنتهي علاقة، لا يرحل شخصٌ وحسب، بل ترحل معه حياةٌ كاملة كان يتخيلها.

وحين يغادر مكانًا عاش فيه سنوات، لا يترك جدرانًا خلفه، بل يترك نسخةً من نفسه لن تعود كما كانت.

لهذا، نحن لا نبكي الأشياء دائمًا...

بل نبكي ما كانت تمثله لنا.


وربما لهذا السبب، لا تقاس قوة الإنسان بعدد انتصاراته.

بل بقدرته على أن يخسر، ثم يعيد بناء نفسه دون أن يحمل مرارةً دائمة تجاه الحياة.

فبعض الناس يتوقفون عند أول خسارة، وكأن الزمن انتهى.

وبعضهم يتعلم أن الحياة لا تسألنا إن كنا مستعدين للوداع، بل تمضي، وتطلب منا أن نمضي معها.

وهنا يبدأ ما يمكن أن نسميه...

فنَّ خسارة الأشياء.



لكن خسارة الأشياء ليست كلها من النوع الذي نراه.

فهناك خسائر لا يصدر عنها صوت.

لا تُقام لها مراسم وداع، ولا يواسيك فيها أحد، لأنها تحدث ببطءٍ شديد حتى تبدو وكأنها لم تحدث أصلًا.

نخسر عفويتنا شيئًا فشيئًا.

ونخسر دهشتنا الأولى بالأماكن التي أحببناها.

ونخسر الوقت مع الذين كنا نظن أنهم سيبقون دائمًا.

ونخسر النسخة القديمة من أنفسنا، تلك التي كانت تضحك بسهولة، وتصدق بسرعة، وتحلم دون أن تحسب الاحتمالات.

هذه الخسائر لا تأتي دفعةً واحدة...

ولهذا لا ننتبه إليها إلا بعد اكتمالها.


ومن الغريب أن الإنسان لا يتعلّق بالأشياء لأنها ثمينة.

بل تصبح الأشياء ثمينة لأنه تعلّق بها.

فقد يكون كوبٌ قديم لا يساوي شيئًا في نظر العالم، لكنه عند صاحبه يحمل صباحاتٍ لا تُشترى.

وقد يكون شارعٌ عادي، لا يلتفت إليه أحد، لكنه يختصر سنواتٍ كاملة من عمر شخصٍ مرّ به كل يوم.

الأشياء لا تكتسب قيمتها من مادتها...

بل من القصص التي علقت بها.

ولهذا، فإن خسارتها تبدو أحيانًا أكبر من حجمها الحقيقي.


غير أن النضج لا يعني أن تتوقف عن التعلّق.

فالإنسان بلا تعلّق، يفقد جزءًا من إنسانيته.

النضج الحقيقي هو أن تُحب، وأنت تعرف أن الفقد ممكن.

أن تستمتع باللحظة، دون أن تطالبها بأن تدوم إلى الأبد.

أن تمسك الأشياء برفق...

لا بخوف.

لأن كل ما نقبض عليه بقوة، نخشى فقدانه أكثر.


ولعل أصعب درسٍ تمنحه الحياة، هو أن بعض الأشياء لا تُستعاد مهما طال الانتظار.

ليست كل النهايات مؤقتة.

وليست كل الأبواب تُفتح مرةً أخرى.

وهذا لا يدعونا إلى اليأس...

بل إلى أن نمنح ما نملكه اليوم حقه، قبل أن يتحول إلى ذكرى.

فاللحظات التي نؤجلها، والكلمات التي نكتمها، والأشخاص الذين نظن أن الوقت يتسع لهم دائمًا...

قد يغادرون قبل أن نجد الفرصة المناسبة.


وربما لا يكون فنُّ خسارة الأشياء في أن تتوقف عن الحزن.

بل في ألا تجعل الحزن يسرق منك ما بقي.

أن تعرف كيف تودّع دون أن تتحول إلى سجينٍ للماضي.

وكيف تتذكر دون أن تعيش في الذكرى.

وكيف تمضي، دون أن تنكر أن جزءًا منك بقي هناك، مع شيءٍ رحل.

فالخسارة لا تطلب منك أن تنسى...

بل أن تتعلّم كيف تُكمل الطريق.


ومع مرور العمر، يكتشف الإنسان أن الحياة ليست رحلةً لجمع الأشياء...

بل رحلةٌ في تعلّم مفارقتها.

فما من شيءٍ دخل حياتنا إلا وكان يحمل في داخله احتمال الرحيل.

الأماكن تتبدل.

والوجوه تتغير.

والأحلام تنضج، أو تتبدل، أو تنطفئ.

وحتى نحن...

لا نبقى الأشخاص أنفسهم.

ولهذا، فإن أعظم وهمٍ يعيشه الإنسان، هو اعتقاده أن بإمكانه تثبيت الزمن عند لحظةٍ يحبها.

لكن الزمن لا يعرف الوقوف.


ليس فنُّ خسارة الأشياء أن تصبح باردًا.

ولا أن تقنع نفسك بأن كل شيءٍ قابلٌ للاستبدال.

فبعض الأشياء لا بديل لها.

وبعض الأشخاص لا يملأ مكانهم أحد.

وبعض المراحل، إذا انتهت، فلن يمنحها العمر فرصةً ثانية.

لكن الحكمة ليست في إنكار هذه الحقيقة...

بل في القدرة على حملها دون أن تُثقلك إلى الأبد.

أن تعترف بأن ما رحل كان عزيزًا.

وأن تبكيه إن احتجت.

ثم تفتح النافذة في اليوم التالي، وتسمح للحياة أن تدخل مرةً أخرى.


إن الإنسان الذي لا يعرف كيف يخسر...

لن يعرف كيف يعيش.

لأنه سيقضي عمره يحرس ما يخاف فقدانه، بدلًا من أن يستمتع بوجوده.

وسيتحول الامتنان إلى قلق.

والحب إلى تملّك.

والذكريات إلى قيود.

وحينها، لن تكون الخسارة قد بدأت يوم الرحيل...

بل يوم أصبح الخوف من الرحيل أكبر من متعة البقاء.


ربما لهذا، لا تقاس قوة الإنسان بعدد ما احتفظ به.

بل بعدد الأشياء التي فقدها، ومع ذلك بقي قلبه قادرًا على أن يحب من جديد.

وقادرًا على أن يبدأ من جديد.

وقادرًا على أن يفتح أبوابًا جديدة، دون أن يُغلق أبواب الوفاء لما مضى.

فالحياة لا تطلب منا أن ننسى.

ولا أن نتظاهر بأن شيئًا لم يكن.

إنها تطلب منا فقط ألا نتوقف.

أن نحمل ما علمتنا إياه الخسارات، لا أن نحمل الخسارات نفسها.


وفي النهاية...

ليست المهارة في أن تمنع الأشياء من الرحيل، فذلك ليس في يد أحد.

المهارة الحقيقية أن تعرف كيف تودّعها بكرامة، وكيف تشكرها لأنها كانت جزءًا من قصتك، ثم تمضي دون أن تفقد نفسك في الطريق.

فبعض الناس يخسرون شيئًا، ويكسبون حكمة.

وبعضهم يخسرون شيئًا، ويخسرون معه قدرتهم على الحياة.

والفرق بينهما...

ليس في حجم ما فقدوه.

بل في الطريقة التي اختاروا أن يحملوا بها ذلك الفقد.


ومضة

لسنا نُختبر بما نملكه، بل بما يبقى فينا بعد أن نفقده.


للتأمل

ربما لا يكون السؤال الأهم: ما الذي خسرته؟

بل: ما الذي بقي منك بعد كل ما خسرته؟




                                                                                      تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة