هل تندم لأنك فعلت... أم تندم لأنك لم تفعل؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


ستتعلم أن تقول نعم للندم يومًا ما ....



كيفية الندم وتفاعل الوعي


هناك نوعان من الندم يعيشان في الإنسان بطريقة مختلفة.

الأول يأتي بعد أن نفعل شيئًا نتمنى لو لم نفعله.

كلمة قلناها في لحظة غضب، قرار اتخذناه على عجل، علاقة تمسكنا بها أكثر مما ينبغي، أو فرصة دخلناها ثم اكتشفنا أنها لم تكن لنا.

أما النوع الآخر، فهو أكثر هدوءًا في بدايته، لكنه قد يكون أكثر إلحاحًا مع مرور السنوات:

ماذا لو أنني فعلت؟

ماذا لو تقدمت؟

ماذا لو قلت ما أشعر به؟

ماذا لو قبلت تلك الفرصة؟

ماذا لو سافرت؟

ماذا لو بدأت المشروع؟

ماذا لو لم أخف؟

وهنا يظهر سؤال يصعب الهروب منه:

أيهما يؤلم أكثر: ندم ما فعلناه، أم ندم ما لم نفعله؟

ندم الفعل... وندم عدم الفعل

في علم النفس، يُنظر إلى الندم بوصفه تجربة انفعالية مرتبطة بمقارنة ما حدث بما كان يمكن أن يحدث لو اتخذ الإنسان قرارًا مختلفًا.

وعندما نقول: "ليتني لم أفعل"، فإننا نقارن الواقع بمسار بديل نتخيله.

لكن عندما نقول: "ليتني فعلت"، يحدث شيء أكثر تعقيدًا؛ لأننا لا نقارن واقعًا حقيقيًا بواقع آخر، بل نقارن الواقع بمستقبل افتراضي لم يحدث أصلًا.

وهنا تكمن قوة ندم عدم الفعل.

فما فعلناه يمكن أن نعرف نتيجته.

أما ما لم نفعله، فلا نعرف نهايته.

ولهذا يستطيع الخيال أن يمنحه عشرات النهايات المثالية.

لماذا يطاردنا "ماذا لو؟"

لأن العقل البشري لا يعيش في الواقع وحده.

إنه قادر على بناء سيناريوهات بديلة باستمرار.

قد تنتهي علاقة، وبعد سنوات يتساءل الإنسان:

"ماذا لو بقيت؟"

وقد يرفض وظيفة، ثم يتخيل كيف كانت حياته ستصبح لو قبلها.

وقد يتردد في الاعتراف بمشاعره، ثم يقضي سنوات يتساءل:

"ماذا كان سيحدث لو تكلمت؟"

المشكلة أن السيناريو البديل غالبًا لا يحتوي على مشكلاته الخاصة.

نحن نعرف عيوب حياتنا الحالية لأننا نعيشها، لكننا لا نعرف عيوب الحياة التي لم نخترها.

ولهذا قد يبدو الطريق الذي لم نسلكه أجمل من الطريق الذي مشيناه، لا لأنه كان أفضل بالضرورة، بل لأنه لم يُختبر بعد.

نندم أحيانًا على الفرصة... لا على نتيجتها

قد يظن الإنسان أنه نادم لأنه لم يحقق شيئًا، بينما يكون ندمه الحقيقي متعلقًا بأنه لم يمنح نفسه فرصة المحاولة.

وهذا فرق مهم.

فالفشل بعد المحاولة يقول:

حاولت، ولم تنجح هذه المرة.

أما عدم المحاولة فيترك سؤالًا مفتوحًا:

هل كنت سأستطيع؟

والأسئلة المفتوحة قد تعيش في الذاكرة أطول من الإجابات.

لذلك قد ينسى الإنسان أحيانًا تجربة فاشلة، لكنه لا ينسى فرصة لم يجرؤ على اختبارها.

لكن هل عدم الفعل دائمًا خطأ؟

هنا يجب أن نتوقف.

ليس كل شيء لم نفعله فرصة ضائعة.

وليس كل تردد جبنًا.

أحيانًا يكون عدم اتخاذ القرار هو القرار الأكثر عقلانية.

قد يرفض الإنسان مشروعًا لأنه غير مستعد.

وقد ينسحب من علاقة لأنها مؤذية.

وقد لا يخوض مخاطرة لأن تكلفة الفشل أكبر من قدرته على تحملها.

لذلك لا ينبغي أن يتحول المقال عن الندم إلى دعوة رومانسية للمخاطرة في كل شيء.

الحكمة ليست أن تفعل كل ما يخطر ببالك خوفًا من الندم.

الحكمة أن تعرف أي الندم يستحق أن تتحمله، وأي قرار يستحق أن تتركه.

لماذا يتغير الندم مع مرور الزمن؟

الزمن لا يغير الماضي، لكنه يغير الطريقة التي ننظر بها إليه.

عندما نكون صغارًا، قد يبدو أمامنا عدد هائل من الاحتمالات.

لكن مع مرور السنوات، تصبح بعض الأبواب مغلقة فعلًا، أو تصبح تكلفة الدخول إليها أكبر.

وهنا قد يبدأ الإنسان في إعادة النظر في قراراته القديمة.

ليس بالضرورة لأنه اتخذ قرارًا خاطئًا، بل لأن تجربته تغيرت.

فالإنسان في العشرين ليس هو الإنسان نفسه في الأربعين.

ولهذا قد ينظر شخص بعد سنوات إلى قرار قديم بعين مختلفة تمامًا.

الندم لا يخبرنا دائمًا أن قرارنا كان خاطئًا

هذه نقطة تستحق التأمل.

الشعور بالندم ليس دليلًا قاطعًا على أن القرار كان سيئًا.

قد تتخذ أفضل قرار ممكن بناءً على المعلومات التي كانت لديك آنذاك، ثم تأتي النتائج بعكس ما توقعت.

هل هذا يعني أنك أخطأت؟

ليس بالضرورة.

نحن نحكم على قرارات الماضي باستخدام معلومات نملكها اليوم، بينما الشخص الذي اتخذ القرار لم يكن يعرف المستقبل.

وهذا ما يجعل جلد الذات بسبب القرارات القديمة غير عادل أحيانًا.

لقد اتخذت قرارك بشخصية الأمس، ومعرفة الأمس، وظروف الأمس.

فلا تحاكم ذلك الإنسان كما لو كان يمتلك علم الغيب.

ماذا يقول المتخصصون عن الندم؟

تشير أبحاث عالم النفس دانيال غيلبرت وزملائه إلى أن الإنسان ليس دائمًا دقيقًا في توقع مشاعره المستقبلية؛ فنحن قد نبالغ في تقدير مقدار السعادة أو الحزن الذي سيجلبه لنا حدث مستقبلي.

وهذا مهم عند التفكير في القرارات.

فنحن لا نختار فقط بناءً على النتائج المتوقعة، بل بناءً على كيف نتخيل أننا سنشعر تجاه هذه النتائج، وقد تكون توقعاتنا غير دقيقة.

كما درس الباحثون في علم النفس موضوع "البدائل الممكنة" أو التفكير المضاد للواقع، أي الطريقة التي يتخيل بها الإنسان ما كان يمكن أن يحدث لو تغير شيء في الماضي.

وهذا النوع من التفكير قد يكون مؤلمًا، لكنه ليس سلبيًا دائمًا؛ فقد يساعد الإنسان على التعلم من الماضي واتخاذ قرارات أفضل مستقبلًا.

إذن، المشكلة ليست في سؤال:

ماذا لو؟

بل في أن يتحول السؤال إلى منزل دائم نسكن فيه.

ماذا نفعل بالندم إذن؟

لا تحاول محوه.

فالندم شعور إستمراري، إذا فُهم جيدًا، يمكن أن يتحول إلى معلّم.

إذا ندمت لأنك فعلت شيئًا، اسأل:

ما الذي تعلمته؟

وإذا ندمت لأنك لم تفعل، اسأل:

هل ما زالت هناك فرصة لأفعل شيئًا مختلفًا الآن؟

فقد لا تستطيع العودة إلى الماضي، لكنك تستطيع أحيانًا أن تمنع الماضي من تكرار نفسه.

وربما هذه هي الفائدة الحقيقية من الندم.

ليس أن يعاقبك، بل أن يعلمك.

في النهاية... أيهما أقسى؟

ربما لا توجد إجابة واحدة.

فبعض الأفعال تترك جروحًا لا ينساها الإنسان.

وبعض الأشياء التي لم نفعلها تترك سؤالًا لا يموت بسهولة.

لكن هناك حقيقة تستحق أن نتذكرها:

ما فعلته أصبح جزءًا من ماضيك، أما ما لم تفعله فقد يتحول إلى قصة يكتبها خيالك بالطريقة التي يريدها.

ولهذا قد يبدو أحيانًا أن الطريق الذي لم نسلكه كان أجمل.

لكننا لا نعرف ذلك.

ربما كان رائعًا.

وربما كان كارثيًا.

وربما كان عاديًا مثل الطريق الذي اخترناه.

لذلك لا تجعل "ماذا لو؟" يمحو قيمة "ما حدث".

فالحياة ليست مجموعة قرارات صحيحة وأخرى خاطئة فقط، بل رحلة نتعلم فيها كيف نختار، وكيف نتحمل نتائج اختياراتنا، وكيف نترك بعض الأبواب خلفنا دون أن نقضي العمر واقفين أمامها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:

هل تندم لأنك فعلت أم لأنك لم تفعل؟

بل:

ماذا ستفعل الآن حتى لا يصبح قرار اليوم ندم الغد؟

فالماضي لا يحتاج منك قرارًا جديدًا.

أما المستقبل... فما زال ينتظر.


مراجع مقترحة للمقال

  1. Gilovich, T., & Medvec, V. H. (1995). The Experience of Regret: What, When, and Why. Psychological Review, 102(2), 379–395.
  2. Roese, N. J. (1997). Counterfactual Thinking. Psychological Bulletin, 121(1), 133–148.
  3. Sanna, L. J., Stocker, S. L., & Clarke, J. A. (2003). Rumination, Counterfactual Thinking, and the Perception of Threat. Journal of Personality and Social Psychology.
  4. Gilbert, D. T., Pinel, E. C., Wilson, T. D., Blumberg, S. J., & Wheatley, T. P. (1998). Immune Neglect: A Source of Durability Bias in Affective Forecasting. Journal of Personality and Social Psychology, 75(3), 617–638.
  5. Kahneman, D. (2011). Thinking, Fast and Slow. Farrar, Straus and Giroux



                                                                                            تليد..
                                                              

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة