هل تموت المعرفة عندما لا تجد من يرثها؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


هل آلت إليك ما أعهد




يموت الإنسان مرة، لكن معرفته قد تموت مرتين.

المرة الأولى حين يتوقف عقله عن إنتاجها، والثانية حين لا يجد من يحملها بعده.

منذ آلاف السنين، لم تتقدم البشرية لأن كل جيل كان أكثر ذكاءً بالضرورة من الجيل الذي سبقه، بل لأنها اكتشفت شيئًا أكثر أهمية: كيف تجعل المعرفة تعيش أطول من صاحبها.

فالإنسان الأول الذي عرف طريقة نافعة ثم علّمها لابنه لم ينقل معلومة فحسب؛ لقد اختصر على إنسان آخر سنوات من التجربة. والذي كتب فكرة في كتاب، أو نقش معرفة على حجر، أو علّم تلميذًا صنعةً أتقنها، كان يفعل شيئًا بالغ الغرابة والجمال: كان يسمح لجزء من عقله بأن يستمر في العالم بعد رحيله.

لكن ماذا يحدث عندما تنقطع هذه السلسلة؟

هل تموت المعرفة فعلًا؟

نحن نعيش داخل عقول أناس ماتوا منذ زمن

انظر حولك.

الكلمات التي تقرأ بها هذه الجملة لم تخترعها أنت.

الأرقام التي تستخدمها، والطرق التي تُبنى بها المنازل، وأساليب الزراعة والملاحة والطب والحساب والكتابة، وحتى أبسط الأشياء التي نفعلها دون تفكير، تقف خلفها سلسلة طويلة من البشر الذين تعلموا شيئًا ثم نقلوه إلى غيرهم.

نحن لا نبدأ الحياة من النقطة التي بدأ منها الإنسان الأول.

وهذه ربما أعظم ميزة تمتلكها الحضارة.

يولد الطفل بلا معرفة تقريبًا بالعالم، ومع ذلك يستطيع خلال سنوات قليلة أن يتعلم أشياء احتاجت البشرية آلاف السنين للوصول إليها.

لماذا؟

لأن المعرفة تتراكم.

لا يحتاج طالب الفيزياء اليوم إلى إعادة تجارب غاليليو ونيوتن كلها بنفسه حتى يعرف ما توصلا إليه. ولا يحتاج الطبيب إلى إعادة اكتشاف تاريخ التشريح والجراثيم والأدوية من الصفر.

لقد ترك السابقون السلم قائمًا، فجاء اللاحقون وبدأوا الصعود من الدرجة التي وصل إليها من سبقهم.

لهذا فإن الكتابة لم تكن مجرد وسيلة للتعبير.

كانت انتصارًا على النسيان.

قبل الكتابة كان موت الإنسان أكثر تكلفة

تخيّل عالمًا لا توجد فيه كتب ولا تسجيلات ولا قواعد بيانات ولا صور ولا فيديو.

هناك الذاكرة البشرية فقط.

في مثل هذا العالم، إذا مات الرجل الوحيد الذي يعرف طريقة صناعة أداة معينة دون أن يعلّمها لأحد، فقد انتهت المعرفة معه.

قد يضطر إنسان آخر بعد عشرات أو مئات السنين إلى اكتشافها من جديد.

ولهذا اعتمدت المجتمعات القديمة اعتمادًا هائلًا على النقل الشفهي والتدريب المباشر.

كان الأب يعلّم ابنه، والحرفي يعلّم المتدرّب، والشيخ يروي للجيل الأصغر، والمعلم ينقل ما يعرفه إلى تلاميذه.

لم يكن التعليم ترفًا.

كان أحد أنظمة بقاء المجتمع.

ثم جاءت الكتابة وغيرت قواعد اللعبة.

أصبح الإنسان قادرًا على التحدث إلى شخص لم يولد بعد.

وهذه، إذا تأملناها، قدرة مذهلة.

قد يموت مؤلف منذ ألفي عام، ثم يفتح إنسان في القرن الحادي والعشرين كتابه، فيتحرك فكر رجل مات قبل قرون داخل عقل إنسان حي.

الكتاب في جوهره رسالة تتحدى الزمن.

لكن هل كل معرفة يمكن أن تُكتب؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ليس كل ما يعرفه الإنسان يستطيع شرحه.

هناك فرق بين المعرفة الصريحة التي يمكن تدوينها، وبين ما يُعرف في دراسات المعرفة بـ المعرفة الضمنية؛ أي تلك التي تتكون من الخبرة والممارسة والإحساس المتراكم.

يمكنك أن تكتب ألف صفحة عن صناعة الخبز، لكن يد الخباز الذي مارس المهنة أربعين عامًا قد تعرف من ملمس العجين شيئًا يصعب تحويله إلى جملة.

ويمكنك كتابة دليل كامل عن النجارة، لكن النجار المخضرم قد يسمع صوت آلة فيعرف أن هناك خطأ قبل أن يراه.

الطبيب صاحب الخبرة قد يلاحظ تفصيلًا صغيرًا لا ينتبه إليه المبتدئ.

والمزارع القديم قد ينظر إلى الأرض والسماء والنبات فيستنتج شيئًا تعلمه عبر عشرات المواسم.

هذه المعرفة خطيرة من ناحية بقائها؛ لأنها تسكن الإنسان أكثر مما تسكن الكتب.

فإذا رحل صاحبها قبل أن يدرّب غيره، قد يختفي جزء منها فعلًا.

وهنا يصبح السؤال أكثر جدية:

كم إنسانًا مات وفي داخله مكتبة لم تُكتب؟

الحضارات تستطيع أن تنسى

قد يبدو لنا أن المعرفة البشرية تتحرك دائمًا إلى الأمام.

لكن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.

هناك معارف ونصوص وتقنيات ولغات اندثرت أو فُقدت أجزاء كبيرة منها بسبب الحروب والكوارث وانهيار المؤسسات وتغير المجتمعات.

وضياع المعرفة لا يعني دائمًا أن الأوراق احترقت.

أحيانًا يبقى النص، لكننا نفقد القدرة على فهمه.

فبعض أنظمة الكتابة القديمة ظلت لقرون رموزًا صامتة لأن الناس فقدوا مفتاح قراءتها.

وهنا تظهر حقيقة مثيرة:

حفظ المعلومة لا يكفي؛ يجب أيضًا حفظ القدرة على فهمها.

يمكنك أن تترك كتابًا كاملًا للأجيال القادمة، لكن إذا اختفت اللغة التي كُتب بها ولم يبق من يستطيع تفسيرها، فقد تصبح المعرفة موجودة ماديًا وغائبة إنسانيًا.

كأنها كنز نعرف مكانه ولا نملك مفتاحه.

هل نقل المعرفة واجب؟

نصل إلى السؤال الأخلاقي.

إذا أمضى إنسان أربعين عامًا يتعلم ويجرب ويخطئ ويصحح، فهل عليه مسؤولية أن ينقل ما عرفه؟

لا يمكن القول إن كل معلومة يجب أن تُنشر بلا قيد؛ فهناك معرفة خاصة، ومعرفة قد يكون نشرها ضارًا، وأسرار مشروعة يجب احترامها.

لكن المعرفة النافعة تحمل وضعًا مختلفًا.

فالمعلم الذي ينقل خبرته لا يعطي تلميذه معلومة فقط؛ إنه يعطيه زمنًا.

يقول له بطريقة غير مباشرة:

هذه الأخطاء ارتكبتها أنا، فلا تحتاج أنت إلى ارتكابها كلها.

وهذه إحدى أجمل وظائف المعرفة.

أن يعاني جيل في فهم شيء، ثم يجعل فهمه أسهل على الجيل الذي يليه.

إذا اضطر كل إنسان إلى اكتشاف العالم من الصفر، لما قامت حضارة.

الحضارة في جانب كبير منها هي اتفاق غير مكتوب بين الأجيال:

نحن نبدأ حيث انتهيتم، ونترك لمن بعدنا مكانًا أبعد مما وجدناه.

الإنترنت لا يعني أن المعرفة أصبحت خالدة

قد نقول اليوم: لم يعد هناك خوف، فنحن نسجل كل شيء.

لدينا مليارات الصفحات والملفات والصور والفيديوهات.

لكن كثرة المعلومات ليست ضمانًا لبقاء المعرفة.

الملفات يمكن أن تتلف.

الصيغ الرقمية تصبح قديمة.

المواقع تختفي.

الخدمات تتوقف.

والأخطر أن المعلومة قد تبقى وسط بحر هائل من المحتوى بحيث يصبح العثور عليها أصعب من فقدانها.

لقد انتقل الإنسان من مشكلة ندرة المعلومات إلى مشكلة مختلفة:

كيف نميز المعرفة وسط فائض المعلومات؟

وربما سيواجه مؤرخو المستقبل مشكلة غريبة معنا.

نحن أكثر حضارة أنتجت بيانات في التاريخ، لكن السؤال ليس كم تركنا لهم، بل: كم مما تركناه سيكون مفهومًا، قابلًا للوصول، وجديرًا بالحفظ؟

الإنسان الذي يعلّم يضاعف عمر تجربته

هناك طريقة مختلفة للنظر إلى التعليم.

حين تعلم شخصًا شيئًا احتاج منك عشر سنوات لتفهمه، فإنك لا تنقل إليه عشر سنوات حرفيًا، لكنك تمنحه خلاصة طريق طويل.

أنت تختصر عليه بعض المنعطفات.

تحذره من بعض الحفر.

وتضع أمامه نقطة بداية أفضل من نقطتك.

ولهذا فإن أفضل تلميذ ليس بالضرورة من يكرر أستاذه.

ربما أعظم نجاح للمعلم أن يصل تلميذه إلى مكان لم يستطع هو الوصول إليه.

فإذا نقل كل جيل معرفته بأمانة، ثم أضاف الجيل التالي إليها شيئًا جديدًا، يحدث التراكم الذي صنع العلم والحضارة.

أما إذا احتفظ كل جيل بكل شيء لنفسه، فإن البشرية ستظل تعيد البدايات.

ماذا ستترك أنت؟

لسنا جميعًا علماء ولا مؤلفين ولا مخترعين.

لكن لكل إنسان معرفة لا يمتلكها بالطريقة نفسها أي شخص آخر.

تجربة مهنية.

صنعة.

طريقة في حل مشكلة.

خطأ دفع ثمنه.

حكمة تعلمها متأخرًا.

قصة عائلية لا يعرفها إلا هو.

تفصيل عن مكان تغير مع الزمن.

خبرة صغيرة قد تبدو لصاحبها عادية لأنها أصبحت جزءًا منه.

وهنا نقع في خطأ شائع:

نعتقد أن ما نعرفه يعرفه الجميع.

لكن كثيرًا مما يبدو لك بديهيًا أصبح بديهيًا لأنك قضيت سنوات تتعلمه.

اسأل شخصًا في بداية الطريق، وستكتشف مقدار المسافة التي قطعتها.

لهذا ربما لا ينبغي أن يكون السؤال:

هل لدي معرفة عظيمة تستحق أن أتركها؟

بل:

ما الشيء الذي أعرفه اليوم وكان سيوفر عليّ سنوات لو أخبرني به أحد في البداية؟

ابدأ من هناك.

الخاتمة

المعرفة لا تموت بالطريقة التي يموت بها الإنسان.

إنها أكثر غرابة من ذلك.

قد يبقى كتاب آلاف السنين، وقد تختفي خبرة كاملة في لحظة وفاة صاحبها.

قد تعبر فكرة القارات والعصور، وقد تضيع صنعة داخل قرية صغيرة لأن آخر من أتقنها لم يجد تلميذًا.

لهذا لم تكن الحضارة مجرد ما بناه الإنسان من حجارة ومدن وطرق.

الحضارة أيضًا ذاكرة طويلة.

كل جيل يستلم شيئًا لم يصنعه وحده، يضيف إليه، ثم يسلمه لمن يأتي بعده.

وربما يكون من أجمل أشكال الوفاء لمن سبقونا ألا نكتفي باستخدام المعرفة التي تركوها لنا، بل أن نواصل السلسلة.

أن نتعلم.

أن نضيف.

ثم أن نترك شيئًا.

لأن الإنسان حين يرحل لا يستطيع أن يأخذ معرفته معه إلى المستقبل.

لكنه يستطيع، قبل أن يرحل، أن يضعها في عقل إنسان آخر.

وحين تجد المعرفة من يرثها، لا يعود عمرها هو عمر صاحبها… بل عمر السلسلة كلها.


المراجع

  1. Michael Polanyi — The Tacit Dimension. من الأعمال الأساسية في مفهوم المعرفة الضمنية، وفكرة أن الإنسان قد يعرف أكثر مما يستطيع التعبير عنه بصورة مباشرة.
  2. UNESCO — Intangible Cultural Heritage. مواد وبرامج اليونسكو المتعلقة بصون المعارف والمهارات والممارسات الثقافية ونقلها بين الأجيال.
  3. Encyclopaedia Britannica — Writing. حول نشأة الكتابة وتطورها ودورها التاريخي في تسجيل المعرفة ونقلها.
  4. Peter Burke — A Social History of Knowledge. يتناول تاريخ إنتاج المعرفة وتنظيمها وانتقالها داخل المجتمعات.




                                                                              تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة