حين خذلتك الأسباب... احتواك ربُّ الأسباب

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




ليس أشدُّ على الإنسان من أن يرى الأبواب التي طرقها طويلًا تُغلق في وجهه بابًا بعد باب، حتى لا يبقى في يده إلا فراغٌ ثقيل، وصمتٌ يزداد اتساعًا كلما ازداد بحثه عن مخرج.

في تلك اللحظات، لا ينكسر الجسد، بل تنكسر الفكرة التي عاش الإنسان عمره يطمئن إليها؛ فكرة أن كل مشكلةٍ لها حلٌّ يراه، وكل طريقٍ له نهايةٌ يبلغها بجهده، وكل بابٍ مغلق لا بد أن يفتحه مفتاحٌ من مفاتيح الدنيا.

لكن الحياة، في بعض منعطفاتها، تُسقط هذا التصور كله.

تأتي أيامٌ لا ينفع فيها ذكاء، ولا تُجدي فيها خبرة، ولا يستطيع المال أن يشتري راحةً، ولا العلاقات أن تُبدّل قدرًا، ولا الحيلة أن تُغيّر ما كُتب.

وهنا يقف الإنسان أمام حقيقةٍ لم يكن يحب أن يراها:

أن الأسباب، مهما عظمت، ليست إلا وسائل، وليست هي التي تخلق النتائج.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى السبب، حتى كدنا ننسى مَن خلق السبب، ومنحه أثره، وسلبه أثره متى شاء.

ولهذا، فإن أعظم دروس الإيمان لا تبدأ عندما تتيسر الطرق، بل عندما تتعثر كلها، فلا يبقى في القلب إلا بابٌ واحد، لم يكن يلتفت إليه إلا قليلًا.

باب الله.

ولذلك قال سبحانه وتعالى:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
(سورة الطلاق: 3).

تأمل هذا الوعد.

لم يقل: فسيجد سببًا آخر.

ولم يقل: فسأجعل الناس يقفون معه.

بل قال: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وكأن الله يُعلِّم عباده أن الكفاية الحقيقية لا تأتي من كثرة الوسائل، وإنما من عظمة المتولي.

ولعل الإنسان لا يدرك معنى هذه الآية وهو في سعةٍ من أمره، لأن وفرة الأسباب قد تُوهمه أن نجاته جاءت منها.

أما إذا انقطعت الأسباب جميعًا، وانفضَّ الناس، وضاقت الأرض بما رحبت، ثم جاء الفرج من طريقٍ لم يخطر له على بال، أدرك أن الله لم يكن بعيدًا عنه يومًا، وإنما كان يدبّر له ما عجزت عيناه عن رؤيته.

إن لطف الله لا يجيء دائمًا على الصورة التي ننتظرها.

فقد تطلب بابًا، فيغلقه الله، لأنه يعلم أن خلفه شقاءً لا تراه.

وتتشبث بشخصٍ، فيأخذه الله من طريقك، لأنه يعلم أن بقاءه سيكسرك يومًا.

وتخطط لأمرٍ سنوات، ثم ينهار في لحظة، لتكتشف بعد أعوام أن انهياره كان النجاة التي تأخر فهمها.

ولذلك فإن لطف الله ليس دائمًا فيما يُعطي، بل قد يكون فيما يمنع، وليس فيما يُحقق، بل فيما يؤخر، وليس فيما يُقرب، بل فيما يُبعد.

وكم من دعوةٍ ظن صاحبها أنها لم تُستجب، بينما كانت الاستجابة تأتي في صورةٍ لم يتعرف إليها إلا بعد زمن.

فالإنسان يرى اللحظة...

أما الله فيرى كل شي سبحانه وتعالى عما يقولون وعما نقول له الملك وله الحمد يٌحيي ويميت وهو على كل شي قدير.


غير أن أعجب ما في لطف الله، أنه لا يأتي دائمًا ليغيّر الواقع أولًا، بل يأتي ليغيّر القلب الذي يواجه ذلك الواقع.

فالإنسان يدعو الله أن يرفع عنه البلاء، بينما يكون أول ما يرسله الله إليه هو السكينة.

ويدعوه أن يبدّل الظروف، بينما يبدأ الله بتبديل نظرته إليها.

ويسأله أن يفتح بابًا مغلقًا، فيفتح له باب الصبر، ثم باب الرضا، ثم باب اليقين، حتى إذا وصل الفرج، لم يعد هو الإنسان الذي كان ينتظره.

إن الله، في كثيرٍ من الأحيان، لا ينقذك من المحنة قبل أن يُنضجك بها.

ولهذا كان الابتلاء في القرآن مقترنًا بالبشارة، لا باليأس.

قال تعالى:

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
(سورة البقرة: 155-157).

تأمل هذا الترتيب الرباني.

لم يبدأ بالفرج...

بل بدأ بالرحمة.

ولم يبدأ بزوال الألم...

بل بمعية الله لعبده.

لأن القلب إذا امتلأ بالله، هانت عليه الدنيا بما فيها بمن فيها.


ومن أرقّ صور لطف الله، أنه يحجب عنك ما لو رأيته قبل أوانه لاضطرب قلبك.

كم من إنسانٍ بكى لأن أمرًا لم يكتمل، ثم اكتشف بعد سنوات أن اكتماله كان سيقوده إلى شقاءٍ طويل.

وكم من وظيفةٍ ضاعت، فكانت سببًا في رزقٍ أعظم.

وكم من سفرٍ تأخر، فكان في تأخره نجاة.

وكم من زواجٍ لم يتم، فكان في عدم اكتماله رحمةٌ لا تُقدّر بثمن.

إن الإنسان يحكم على الأحداث من نافذة اللحظة، أما الله سبحانه فيدبرها بعلمه الذي أحاط بكل شيء.

ولذلك قال سبحانه:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة البقرة: 216).

هذه ليست آيةً تُقال لتخفيف الألم فحسب، بل هي منهجٌ كامل في النظر إلى الحياة.

فليس كل تأخيرٍ حرمانًا.

وليس كل فقدٍ عقوبة.

وليس كل انكسارٍ هلاكًا.

بل قد تكون تلك الأحداث هي الطريق الذي اختاره الله ليقودك إلى ما لم تكن لتبلغه باختيارك.


وقد كان يوسف عليه السلام مثالًا خالدًا لهذا اللطف الخفي.

أُلقي في البئر، وبِيع عبدًا، وسُجن ظلمًا، واجتمعت عليه أسبابٌ لو نزلت بغيره لأورثته اليأس.

لكن الله لم يكن غائبًا عن شيءٍ من ذلك.

كان يدبر له المُلك وهو في ظلمة الجب.

ويهيئ له التمكين وهو خلف قضبان السجن.

فلما اكتملت الصورة، قال إخوته ما قالوا، ورأى هو ما لم يروه:

﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾
(سورة يوسف: 100).

لم يقل: إن ربي قوي.

ولم يقل: إن ربي قادر.

مع أن الله كذلك.

لكنه اختار اسم اللطيف؛ لأن ما مرّ به لم يكن سلسلة مصادفات، بل خيوطًا دقيقة نسجها لطف الله حتى انتهت إلى أجمل خاتمة.

وهكذا يفعل الله مع عباده.

قد لا يُريك الحكمة اليوم...

وقد لا يكشف لك السر غدًا...

لكن سيأتي يومٌ تنظر فيه إلى الوراء، فتبتسم في موضعٍ كنت تبكي فيه، وتحمد الله على بابٍ كنت ترجوه فلم يُفتح، وعلى طريقٍ كنت تتمناه فلم يُكتب لك.

عندها فقط ستدرك أن لطف الله كان يعمل بصمت، بينما كنت تظن أن السماء قد سكتت.


ثم تأتي لحظةٌ في حياة الإنسان، لا يغيّرها حدثٌ جديد، بل يغيّرها فهمٌ جديد.

لحظةٌ يلتفت فيها إلى الوراء، لا بعين الحسرة، وإنما بعين البصيرة.

يرى الأيام التي دعا فيها الله باكيًا، وظن أن دعاءه قد تأخر.

ويرى الليالي التي شعر فيها أن الدنيا قد ضاقت عليه حتى لم يعد يجد موضعًا لأملٍ صغير.

ويرى الأبواب التي أُغلقت، والطرق التي انقطعت، والوجوه التي رحلت، والأحلام التي تكسرت بين يديه.

ثم يسأل نفسه سؤالًا واحدًا:

ماذا لو أن كل ما تمنيته قد تحقق؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يحمل في طياته معنىً عظيمًا.

فلو أن كل بابٍ فُتح، هل كنت ستقف أمام الباب الذي قادك إلى خيرك؟

ولو أن كل شخصٍ بقي، هل كنت ستعرف قيمة من بقي بعده؟

ولو أن كل دعوةٍ استُجيبت على الصورة التي أردتها، هل كنت ستتعلم التسليم لحكمة الله؟

إن الإنسان كثيرًا ما يظن أن النجاة تعني أن تسير الحياة كما يريد، بينما النجاة الحقيقية أن تسير كما أراد الله، ثم يرزقه الله قلبًا يرضى بما اختاره له.

ولهذا قال سبحانه:

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(سورة هود: 88).

إنها ليست كلماتٍ تُتلى، بل منهج حياة.

فالتوفيق ليس ثمرة الذكاء وحده، ولا كثرة التخطيط، ولا قوة العلاقات، وإنما هو عطاءٌ يضعه الله حيث يشاء.

ولذلك قد ترى إنسانًا يملك كل الأسباب، ثم يعجز عن الوصول.

وترى آخر لا يملك إلا دعاءً صادقًا، فيفتح الله له من أبواب الخير ما لم يكن يتخيله.


إن أكبر خطأٍ يقع فيه الإنسان، أنه يربط طمأنينته بما في يده.

فإذا ضاع المال، اضطرب.

وإذا تغيرت الأحوال، خاف.

وإذا خذله الناس، شعر أنه أصبح وحيدًا.

أما إذا علّق قلبه بالله، فإنه يدرك أن كل ما في الدنيا قد يتبدل، إلا أن الله لا يتبدل.

فالناس تتغير.

والظروف تتغير.

والأجساد تضعف.

والأيام تدور.

لكن رحمة الله لا يعتريها نقص، ولطفه لا تحجبه كثرة الذنوب إذا صدقت التوبة، ولا تمنعه كثرة الأبواب المغلقة إذا صدق الرجاء.

وقد قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه:

«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني.»
(متفق عليه).

إنها من أعظم الأحاديث التي تُحيي القلب.

فكم من إنسانٍ لم يتغير واقعه في ليلةٍ واحدة، لكن الله غيّر قلبه، فصار يرى النعمة فيما كان يعدّه نقمة، ويرى الحكمة فيما كان يظنه عبثًا، ويرى الرحمة في موضعٍ كان يظنه قسوة.

وهذا هو لطف الله...

ليس دائمًا أن يُبدّل الطريق.

بل أن يُبدّل السائر.


ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان بعد رحلةٍ طويلة، أن الله لم يكن يؤخره ليحرمه، ولم يكن يمنعه ليعاقبه، ولم يكن يغلق الأبواب في وجهه ليتركه وحيدًا.

بل كان يربي قلبه على ألا يتعلق إلا بمن لا تزول خزائنه، ولا تنفد رحمته، ولا يغيب لطفه.

وحين يفهم هذه الحقيقة، يهدأ قلبه، ولو بقيت بعض أمنياته مؤجلة.

ويطمئن، ولو لم يجد لكل سؤالٍ جوابًا.

ويبتسم، ولو كانت الطريق لا تزال طويلة.

لأنه لم يعد يعتمد على الأسباب وحدها...

بل عرف ربَّ الأسباب.

وعندها فقط، يدرك أن أجمل ما في لطف الله أنه يعمل في الخفاء، وأن أكثر النعم تأثيرًا ليست تلك التي تُبهر العيون، بل تلك التي تُسكّن القلوب.

فإذا خذلتك الأسباب، فلا تظن أن الرحلة قد انتهت.

فلعلها اللحظة التي أراد الله فيها أن يُريك أن النجاة لم تكن يومًا في السبب، وإنما في مسبب الأسباب.


ومضة

إذا أغلقت الدنيا أبوابها في وجهك، فلا تجعل قلبك يُغلق بابه عن الله؛ فربُّ الأسباب لا يعجزه بابٌ أُوصد، ولا طريقٌ انقطع، ولا أمرٌ استعصى.


للتأمل

كم مرةً شكوت تأخر أمرٍ كنت تظنه خيرًا لك، ثم مضت الأيام، فإذا بك تحمد الله أنه لم يستجب لك على الصورة التي أردتها؟

فلعل أعظم صور لطف الله ليست فيما أعطاك... بل فيما صرفه عنك وأنت لا تعلم.


المصادر

  •  القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري.
  • صحيح مسلم.
  • ابن القيم، الفوائد، ومدارج السالكين.
  • الإمام ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم.
  • الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
  • أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال.




                                                                                       تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة