الله الذي لا ينسى أحدًا
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
ليس هناك شعورٌ أشدُّ وطأةً على النفس من أن يظن الإنسان أنه قد أصبح منسيًّا.
منسيًّا بين الناس...
منسيًّا بين الأمنيات التي طال انتظارها...
منسيًّا تحت ركام الأيام التي تتشابه حتى لا يعود يفرّق بينها.
تمرُّ عليه ساعاتٌ يرفع فيها يديه إلى السماء، فلا يرى أثرًا عاجلًا لدعائه، ويطرق أبوابًا كثيرة فلا تُفتح، ويجاهد نفسه حتى يوشك أن يتسلل إليها سؤالٌ لم ينطقه لسانه، لكنه أثقل قلبه:
"هل ما زال الله يراني؟"
وليس هذا السؤال وليد ضعف الإيمان، بقدر ما هو أثرٌ من آثار الطبيعة البشرية التي خلقها الله فينا؛ فالقلوب إذا طال عليها الانتظار، أرهقها الصمت، وإذا تكاثرت عليها المحن، اشتاقت إلى علامةٍ تطمئنها أن الله معها.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها الإنسان في لحظات ضعفه، أن الله لا ينسى أحدًا...
وكيف ينسى سبحانه، وهو الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا؟
إن الذي يعلم عدد قطرات المطر قبل أن تلامس الأرض، وعدد أوراق الأشجار قبل أن تتساقط، وحركة النملة السوداء فوق الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لا يمكن أن يغيب عنه قلبٌ يدعوه في جوف الليل، ولا دمعةٌ يخفيها صاحبها عن الناس حياءً أو كتمانًا.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾(سورة مريم: 64).
آيةٌ قصيرة...
لكنها تكفي لتبدد أعظم مخاوف الإنسان.
إنها لا تخبرنا أن الله يعلم فقط، بل تخبرنا أن النسيان، الذي هو من صفات المخلوق الضعيف، منزَّهٌ عنه سبحانه.
فما من دعوةٍ ضاعت.
ولا دمعةٍ سقطت هباءً.
ولا تنهيدةٍ خرجت من صدرٍ مكلوم إلا أحاطها علم الله، قبل أن يسمعها الناس، وقبل أن يعجز صاحبها عن وصفها.
ولذلك كان اسم الله العليم من أكثر الأسماء التي تمنح القلب طمأنينة.
فالله يعلم ما تقوله...
ويعلم ما تعجز عن قوله...
ويعلم ما أخفيته عن أقرب الناس إليك...
بل يعلم ما لم تستطع أنت أن تفهمه عن نفسك.
إن الإنسان قد يحتار في تفسير مشاعره، ويقف عاجزًا أمام ما يضطرب في داخله، أما الله سبحانه فلا يخفى عليه شيء.
يعلم خوفك الذي تتظاهر بالقوة أمامه.
ويعلم حزنك الذي تغطيه بابتسامة.
ويعلم رجاءك الذي لم تخبر به أحدًا.
ويعلم أنك، رغم صبرك، تتمنى أن يأتي الفرج قريبًا.
ولذلك لم يقل سبحانه إنه يعلم أعمالكم فقط، بل قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾(سورة آل عمران: 154).
أي بما استقر في أعماق القلب، قبل أن يتحول إلى كلمة، أو دمعة، أو دعاء.
وكم هو مطمئنٌ أن يكون الذي يعلم خفايا قلبك هو نفسه الذي وسعت رحمته كل شيء.
فلو كان علمه مجرد علمٍ بلا رحمة، لارتعدت القلوب.
ولو كانت رحمته بلا علم، لما أحاطت بكل حاجاتنا.
لكن الله جمع لعباده بين كمال العلم، وكمال الرحمة، وكمال الحكمة.
ولذلك لا يغيب عبدٌ عن عنايته، ولو ظن أنه آخر الواقفين على باب الرجاء.
ولعل من أعظم الأخطاء التي يقع فيها الإنسان، أنه يربط عناية الله بسرعة تحقق ما يريد.
فإذا تأخر الرزق، قال في نفسه: لعل الله صرف وجهه عني.
وإذا طال المرض، ظن أن الدعاء لم يعد يُسمع.
وإذا تكررت الخيبات، توهم أن أبواب السماء قد أُغلقت.
وما علم أن الله لا يقيس عباده بمقاييسهم، ولا يجري تدبيره على استعجالهم.
إن الله لا ينسى عبده إذا تأخر عنه العطاء، كما أن الطبيب لا ينسى مريضه إذا أخّر عنه دواءً لا يناسب حاله بعد.
فكم من أمنيةٍ لو جاءت في وقتها لأفسدت حياة صاحبها.
وكم من نعمةٍ تأخر وصولها حتى جاء القلب قادرًا على شكرها، والعقل قادرًا على حسن استعمالها.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(سورة البقرة: 216).
إنها ليست آيةً عن الصبر فحسب، بل عن حدود الرؤية البشرية.
فالإنسان لا يرى من حياته إلا اللحظة التي يقف فيها، أما الله سبحانه فيرى البداية والنهاية، وما بينهما، وما بعدهما.
ولهذا قد يتألم العبد من تأخر أمرٍ كان يتمناه، بينما يكون الله يدفع عنه من البلاء ما لو كُشف له، لبكى شكرًا لا حزنًا.
ومن أعجب صور عناية الله، أنه يراك في اللحظات التي لا يراك فيها أحد.
قد تبتسم أمام الناس، بينما قلبك يوشك أن ينهار.
وقد تقول: "أنا بخير"، وأنت تحمل في صدرك من التعب ما تعجز اللغة عن وصفه.
وقد تنام والناس يظنون أن يومك كان عاديًا، بينما أنت تخوض معركةً كاملة بينك وبين نفسك.
في تلك اللحظات، قد لا يجد الإنسان من يفهمه، لكن الله لا يحتاج إلى شرح.
إنه يعلم اضطراب قلبك قبل أن ترتب كلماتك.
ويعلم دمعتك قبل أن تنزل.
ويعلم خوفك قبل أن تعترف به.
ولهذا قال تعالى:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾(سورة غافر: 19).
إذا كان سبحانه يعلم النظرة التي يسرقها الإنسان خفيةً، فكيف لا يعلم وجعًا يسكن قلب عبدٍ يناجيه؟
وكيف ينسى دعاءً خرج من قلبٍ موقن، ولو لم ينطق به اللسان؟
وتأمل قصة أم موسى عليها السلام.
أيُّ قلبٍ يحتمل أن يضع رضيعه في صندوق، ثم يُلقيه في نهرٍ لا يعلم إلى أين يمضي؟
كل الأسباب كانت تقول إن الفراق هلاك.
لكن الله كان يدبر أمرًا آخر.
قال تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾(سورة القصص: 7).
أيُّ وعدٍ أعظم من هذا؟
لقد كانت ترى الماء...
أما الله فكان يرى المستقبل.
وكان يعلم أن الطفل الذي تخشى عليه الغرق، سيعود إليها محفوظًا، بل سيدخل قصر فرعون نفسه، ثم يكون نبيًا من أولي العزم.
وهكذا هي حياة المؤمن.
قد يرى المشهد ناقصًا، فيظنه نهاية.
بينما يكون الله قد كتب له خاتمةً لم يبدأ في رؤيتها بعد.
فالله لا ينسى عباده...
بل نحن الذين ننسى، في زحام القلق، كم مرةً نجّانا، وكم مرةً جبرنا، وكم مرةً فتح لنا أبوابًا لم نكن نعلم بوجودها.
تعليقات
إرسال تعليق