حين يؤخر الله أمنيتك... ماذا يُعِدُّ لك؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
ليس هناك ما يرهق القلب أكثر من أمنيةٍ طال انتظارها.
تمر الأيام...
ثم الشهور...
وربما الأعوام.
وأنت ترفع الدعاء نفسه، بالكلمات نفسها، والرجاء نفسه، حتى تكاد تحفظ نبرة صوتك وأنت تناجي ربك.
ثم تنظر حولك، فترى أمنيات غيرك تتحقق، بينما أمنيتك لا تزال معلقة بين الأرض والسماء.
في تلك اللحظات، يبدأ القلب بمصارعة الأسئلة.
لماذا تأخر الأمر؟
هل لأنني قصرت؟
هل لأن دعائي لم يكن كافيًا؟
أم لأن ما أريده لن يكون أبدًا؟
غير أن الإنسان، في لحظات الانتظار، ينسى حقيقةً عظيمة؛ وهي أن الله لا يقيس الزمن كما نقيسه نحن.
فنحن نرى اليوم طويلًا إذا حمل همًّا.
ونرى السنة عمرًا إذا امتلأت بالانتظار.
أما عند الله، فكل شيء يجري بميزان الحكمة، لا بميزان العجلة.
ولهذا قال سبحانه:
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
جمع بين الحكمة والعلم؛ لأن العلم وحده لا يكفي ليطمئن القلب، بل يحتاج الإنسان أن يعلم أن الذي يعلم حاله هو أيضًا أحكم الحاكمين، فلا يضع شيئًا في غير موضعه، ولا يؤخر أمرًا عبثًا، ولا يقدم أمرًا إلا لحكمة.
إننا كثيرًا ما ننظر إلى التأخير على أنه حرمان.
لكننا نادرًا ما نسأل أنفسنا:
ماذا لو كان التأخير هو الرحمة نفسها؟
فقد يؤخر الله الرزق حتى لا يطغى القلب.
ويؤخر الزواج حتى ينضج الإنسان.
ويؤخر النجاح حتى يتعلم الصبر.
ويؤخر الفرج حتى يصبح العبد أقرب إلى ربه من أي وقت مضى.
ولعل أعظم ما يفعله الانتظار، أنه يكشف حقيقة تعلق الإنسان.
هل كان يريد النعمة لأنها تقربه من الله...
أم لأنه ظن أنها وحدها ستمنحه السعادة؟
وهنا يبدأ القلب في اكتشاف معنى جديد للإيمان.
فالإيمان ليس أن تثق بالله حين تأتيك عطاياه سريعًا.
بل أن تثق به حتى حين يصمت القدر، ويطول الطريق، وتبقى واثقًا أن الله لا يؤخر خيرًا إلا ليأتي به في الوقت الذي يعلم أنه الأصلح.
قال ابن القيم رحمه الله:
"تدبير العبد لنفسه، وتدبير الله له، لا يجتمعان في قلبٍ واحد على الكمال؛ فكلما سلَّم العبد لربه، رأى من حسن تدبيره ما يملأ قلبه يقينًا."
كم من إنسانٍ بكى لأنه لم يحصل على ما أراد...
ثم بكى بعد سنوات شكرًا لأنه لم يحصل عليه.
فالفرق بين الدموع الأولى والدموع الثانية...
أن الأولى كانت بعين الرغبة.
أما الثانية، فكانت بعين البصيرة.
وليس التأخير في حياة المؤمن فراغًا بين دعوةٍ واستجابة، بل قد يكون مرحلةً كاملة يصنع الله فيها إنسانًا جديدًا.
فنحن نظن أن الله يؤخر ما نطلبه...
بينما يكون الله يعجل في إصلاح قلوبنا.
وهذا هو الفرق بين ما نريده نحن، وما يريده الله لنا.
فنحن ننظر إلى النتيجة...
أما الله فينظر إلى الإنسان الذي سيصل إليها.
ولذلك قد يمنحك الله النعمة بعد سنوات، لا لأنه لم يكن قادرًا على إعطائها منذ البداية، وإنما لأنه أراد أن تصل إليها بقلبٍ يعرف قيمتها، ويحسن شكرها، ولا يجعلها سببًا في غفلته.
ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾(سورة الشورى: 27).
تأمل كيف ختم الله الآية بقوله: ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
فالخبير هو الذي يعلم خفايا النفوس، وما يصلحها وما يفسدها.
والبصير هو الذي لا تخفى عليه عواقب الأمور.
فقد تتمنى أمرًا لأنك ترى جمال بدايته، بينما يعلم الله مرارة نهايته.
وقد تحزن على تأخر رزقٍ، بينما يعلم الله أن مجيئه الآن سيحملك إلى موضعٍ يبعدك عنه.
إن الإنسان يطلب الخير بعلمه القاصر...
أما الله فيقدره بعلمه الكامل.
ومن أجمل ما نتأمله في القرآن، قصة يوسف عليه السلام.
لقد رأى في صغره رؤيا تبشره بمكانة عظيمة.
لكن تحقيق تلك الرؤيا لم يكن في العام التالي، ولا بعد سنوات قليلة.
بل سبقها بئر...
ثم رقٌّ وعبودية...
ثم فتنة...
ثم سجن...
ثم انتظار.
ولو نظر يوسف إلى كل مرحلةٍ وحدها، لظن أن الطريق يبتعد عن الرؤيا.
لكن الحقيقة أن كل مرحلةٍ كانت تقرّبه منها.
فالبئر لم تكن نهاية.
والسجن لم يكن نسيانًا.
والتأخير لم يكن حرمانًا.
بل كانت تلك الأحداث جميعها أجزاءً من حكمةٍ لم تظهر إلا في آخر القصة.
ولهذا، عندما اكتملت الصورة، لم يقل يوسف عليه السلام: لقد انتصرت.
ولم يقل: لقد عرفت كيف أدبر أمري.
بل قال:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾(سورة يوسف: 100).
وكأن هذه الآية تختصر رحلة كل مؤمن.
فاللطف قد يكون في أمرٍ لا نفهمه اليوم.
والعلم يحيط بما غاب عنا.
والحكمة تضع كل حدثٍ في موضعه، وإن بدا لنا في حينه مؤلمًا أو غير مفهوم.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
"لا أبالي على أي حالٍ أصبحت؛ على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره."
وهذه ليست عبارةً تُقال لتخفيف الحزن، بل ثمرة يقينٍ طويل.
فكلما ازداد العبد معرفةً بالله، قلَّ اعتراضه على أقداره.
وليس لأنه لا يتألم...
بل لأنه يعلم أن الألم نفسه قد يكون رسولًا يحمل إليه خيرًا لم يكن ليصل إليه بغير هذا الطريق.
ولهذا فإن الانتظار ليس دائمًا امتحانًا للصبر فقط...
بل هو امتحانٌ للثقة.
هل تثق بالله إذا لم يمنحك ما تريد في الوقت الذي تريد؟
أم أن ثقتك مرتبطة بسرعة الإجابة؟
إن المؤمن لا يقيس رحمة الله بسرعة تحقق أمنيته، بل يقيسها بيقينه أن الله لا يختار له إلا ما فيه خيره، وإن خفي عليه وجه ذلك الخير.
وربما يكون أعظم ما يمنحه الانتظار للإنسان، أنه يعيده إلى حجمه الحقيقي.
فنحن، في أيام الرخاء، نظن أننا نمسك بخيوط حياتنا، ونحسب أن حسن التخطيط، وكثرة السعي، ودقة الحسابات هي التي تصنع المستقبل.
ثم تأتي أمنيةٌ واحدة تتأخر...
فنكتشف أن بين أيدينا أسبابًا، لكن النتائج بيد الله وحده.
وهنا يبدأ القلب في تعلم معنى لم يكن ليتعلمه في أوقات السعة:
أن الرضا ليس أن تنال كل ما تريد، بل أن تثق بمن بيده كل ما تريد.
ولهذا لم يكن الأنبياء أكثر الناس راحةً في الدنيا، بل كانوا أكثرهم يقينًا.
انتظر نوحٌ عليه السلام سنواتٍ طويلة وهو يدعو قومه، ولم يرَ الثمرة التي كان يرجوها في زمنٍ قصير.
وانتظر يعقوب عليه السلام حتى ابيضت عيناه من الحزن، لكنه لم يسمح لليأس أن يجد طريقًا إلى قلبه، بل قال:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾(سورة يوسف: 18).
ولم يكن الصبر الجميل هو الصبر الخالي من الألم، وإنما الصبر الذي لا يصاحبه اعتراضٌ على حكمة الله، ولا سوء ظنٍّ برحمته.
إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس تأخر الأمنية نفسها، بل خوفه من ألا تأتي أبدًا.
وهذا الخوف لا يزول بكثرة الاحتمالات، ولا بكثرة النصائح، وإنما يزول حين يمتلئ القلب بمعرفة الله.
فإذا عرفت أن الله الحكيم، أيقنت أن كل تأخيرٍ عنده له موضع.
وإذا عرفت أنه الرحيم، اطمأننت أن رحمته لا تنفصل عن حكمته.
وإذا عرفت أنه اللطيف، أدركت أن تدبيره قد يسير في طرقٍ لا تراها عينك، لكنه يصل بك إلى خيرٍ لم تكن لتصل إليه بنفسك.
ولهذا قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:
"ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين."
أما الله سبحانه، فحكمته كاملة، لا يشوبها نقص، ولا يعتريها تردد، ولذلك يختار لعباده ما يصلحهم، ولو خالف ذلك رغباتهم في حينها.
وقد يأتي اليوم الذي تنظر فيه إلى أمنيةٍ طال انتظارها، فتقول:
"الحمد لله أنها لم تتحقق يوم طلبتها."
لا لأنك زهدت فيها...
بل لأنك أدركت أن الله كان يهيئ لك قلبًا، أو ظرفًا، أو طريقًا، لم تكن تراه آنذاك.
وحينها ستفهم أن بعض الدعوات لم تتأخر...
بل كانت تسير إليك بالطريق الذي اختاره الله لها.
فإذا طال انتظارك، فلا تجعل الشيطان يقنعك أن الله حرمك.
بل سل نفسك سؤالًا آخر:
أيُّ شيءٍ يعدّه الله لي الآن، وأنا لا أراه؟
فلعل الله يؤخر أمنيةً صغيرة، ليمنحك حياةً أكبر.
ويؤخر بابًا واحدًا، ليفتح لك أبوابًا لم تكن تعرفها.
ويؤخر فرحةً عاجلة، ليهبك سكينةً تبقى معك ما بقيت حياتك.
فما دام الذي يدبر أمرك هو الحكيم الرحيم، فلا تخشَ تأخيرًا لا تعرف حكمته.
فكم من نعمةٍ جاءت متأخرة...
فكانت أجمل لأنها جاءت في الوقت الذي اختاره الله، لا في الوقت الذي استعجله الإنسان.
ومضة
قد يؤخر الله ما تحب، لا لأنه يمنعك، بل لأنه يُعِدُّ لك من الخير ما لا يكتمل إلا إذا جاء في وقته. فليس كل تأخيرٍ حرمانًا، كما أن ليس كل تعجيلٍ نعمة.
للتأمل
لو كشف الله لك اليوم حكمة كل ما تأخر عنك، فهل كنت ستجزع كما جزعت؟ أم كنت ستنتظر بقلبٍ أكثر طمأنينة؟
المصادر
- القرآن الكريم.
- صحيح البخاري.
- صحيح مسلم.
- ابن القيم، مدارج السالكين، والفوائد.
- ابن تيمية، مجموع الفتاوى.
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
- الطبري، جامع البيان.
تعليقات
إرسال تعليق