الأبواب التي أغلقها الله رحمةً بك
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
هناك أبوابٌ لا تُغلق بالمفاتيح...
بل بالأقدار.
بابُ وظيفةٍ انتظرتها طويلًا.
وبابُ علاقةٍ ظننت أنها سترافقك حتى آخر العمر.
وبابُ حلمٍ بنيت عليه سنواتٍ من الأمل.
ثم، في لحظةٍ لم تخطط لها، يُغلق الباب.
فتبقى واقفًا أمامه، لا لأنك لا تعرف كيف تفتحه، بل لأنك لا تفهم لماذا أُغلق أصلًا.
ومن هنا يبدأ الألم.
فالإنسان لا يتعب دائمًا من الخسارة، وإنما يتعب من جهله بالحكمة.
إن النفس البشرية تميل بطبيعتها إلى تفسير المنع على أنه حرمان، والإغلاق على أنه نهاية، والتأخير على أنه نسيان.
لكنها تنسى أن الله لم يصف نفسه بالحكيم عبثًا، ولم يسمِّ نفسه اللطيف إلا لأن لطفه قد يأتي في صورٍ لا تبدو في ظاهرها لطفًا.
قال تعالى:
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾(سورة الشورى: 19).
تأمل هذا الاسم...
اللطيف.
ليس اللطف هو أن يعطيك كل ما تريد.
وليس أن يزيل من طريقك كل مشقة.
بل قد يكون لطفه أن يمنعك مما لو نلته لأتعب قلبك، أو أفسد دينك، أو بدّل وجهتك إلى ما لا خير فيه.
ولهذا كان بعض المنع عطاءً لا يتنبه إليه الإنسان إلا بعد سنوات.
كم من إنسانٍ أغلق الله أمامه بابًا، فبكى.
ثم فتح له بابًا آخر، فابتسم.
ثم مضت الأعوام، فعاد يتذكر الباب الأول، فإذا به يحمد الله أنه لم يُفتح يومًا.
ليس لأنه تغيّر رأيه...
بل لأنه رأى ما لم يكن يراه.
وربما هذه هي أعظم نعمة يمنحها الزمن للمؤمن:
أن يكشف له شيئًا من حكمة الله، بعد أن كان يظن أن ما حدث له لم يكن إلا خسارة.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
إن الآية لا تعدنا بأننا سنفهم كل شيء.
لكنها تدعونا إلى الثقة بأن وراء ما نكرهه خيرًا، وإن غاب عنا وجهه.
فالله لا يطلب منا أن نحيط بحكمته...
بل أن نطمئن إليها.
ولعل أكثر ما يرهق القلب، أنه لا يرى من القدر إلا الصفحة التي يقف عندها.
فإذا أُغلق بابٌ، ظن أن الحكاية انتهت.
وإذا تعثر طريقٌ، ظن أن الخير قد انصرف عنه.
ولو كُشف له ما أخفاه الله عنه، لعلم أن بعض الأبواب لم تُغلق لتمنعه من السعادة، بل لتمنعه من الشقاء.
فالإنسان يرى ما يحب...
أما الله فيرى ما يصلحه.
وهنا يكمن الفرق بين رغبة العبد، وحكمة الرب.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(سورة البقرة: 216).
إن هذه الآية لا تدعونا إلى إلغاء مشاعرنا، فالإنسان يتألم إذا فاته ما يحب، وهذا أمرٌ جبله الله عليه.
ولكنها تدعونا إلى أمرٍ أعظم:
أن لا نجعل شعورنا اللحظيَّ حكمًا على حكمة الله.
فكم من أمرٍ أبكانا يومًا، ثم أصبح بعد أعوام سببًا لأجمل ما مرّ في حياتنا.
وتأمل قصة موسى عليه السلام.
خرج من مصر خائفًا، لا يحمل مُلكًا، ولا جيشًا، ولا خطةً واضحة للمستقبل.
كان كل ما يراه أنه فقد وطنه، وأهله، واستقراره.
لكن الله كان يقوده إلى مدين، حيث سيجد الأمان، والزوجة الصالحة، والسنوات التي سيُعِدُّه فيها لحمل أعظم رسالة.
لقد كان موسى يرى بابًا أُغلق...
أما الله فكان يفتح له أبوابًا لم يكن يتخيل وجودها.
وهكذا شأن الأقدار.
إنها لا تُخبرك بما تصنعه الآن.
بل تكشف لك حكمتها عندما تكتمل الصورة.
ومن تأمل حياته بصدق، وجد فيها أبوابًا كان يبكي عندها، ثم حمد الله أنها لم تُفتح.
كم من وظيفةٍ لم تحصل عليها، ثم اكتشفت أنها كانت ستستهلك عمرك فيما لا ينفع.
وكم من علاقةٍ انتهت، فأنقذك الله بها من حزنٍ أطول.
وكم من سفرٍ تعطل، فإذا الخير في بقائك.
وكم من تجارةٍ خسرتها، فحفظ الله بها دينك أو أهلك أو صحتك.
وليس معنى هذا أن كل منعٍ ستعرف حكمته في الدنيا.
فهناك أبوابٌ لن نعرف سر إغلاقها إلا يوم نلقى الله.
لكن المؤمن لا يعيش على ما كشف له، بل يعيش مطمئنًا إلى ما غاب عنه؛ لأنه يعلم أن الذي دبر الأمر هو الحكيم اللطيف.
قال ابن القيم رحمه الله:
"فإن العبد قد يكره الشيء، ولا يعلم أن نجاته فيه، ويحب الشيء، ولا يعلم أن عطبه فيه، لأن نظره قاصر، وربه سبحانه أعلم بمصلحته."
ولهذا، فإن الإيمان لا يزيل الحيرة من كل حدث، لكنه يزيل سوء الظن بالله.
فتبقى تتألم...
لكنك لا تعترض.
وتبكي...
لكن قلبك لا يفقد ثقته بربه.
وتنتظر...
وأنت تعلم أن الله لا يغلق بابًا إلا وقد أحاط علمه بما وراءه.
تعليقات
إرسال تعليق