كيف يُربِّيك الله وأنت لا تشعر؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :





ليست كل تربيةٍ تأتي من والدٍ يُوجِّه، أو معلمٍ يشرح، أو كتابٍ يُقرأ.

فهناك تربيةٌ لا تُسمع فيها الكلمات، ولا تُكتب فيها الدروس، ولا تُعلَّق فيها الشهادات.

إنها التربية التي يتولاها الله بنفسه لعبده.

تربيةٌ تبدأ أحيانًا بخسارةٍ لم يفهمها، أو بانتظارٍ أثقل قلبه، أو ببابٍ أُغلق في وجهه، أو بدعوةٍ طال أمدها حتى ظن أن السماء قد صمتت.

وحين ينظر إلى تلك اللحظات بعين الإنسان، يراها متاعب متفرقة.

لكن حين ينظر إليها بعين الإيمان، يدرك أنها كانت فصولًا من مدرسةٍ ربانية، لم يكن ليتخرج منها إلا بعدما تغيّر قلبه.

إننا نحب أن تتغير حياتنا سريعًا...

أما الله، فيريد أن يتغير نحن أولًا.

وهنا يكمن الفرق بين ما نطلبه، وما يريده الله لنا.

فنحن ندعو:

"اللهم ارزقني."

"اللهم فرج همي."

"اللهم حقق أمنيتي."

أما الله، فقد يريد قبل ذلك أن يعلّمنا الصبر، ويزرع فينا التوكل، ويطهّر قلوبنا من التعلق بغيره.

ولذلك قد تتأخر النعمة...

لكن القلب، في أثناء الانتظار، يكون قد اقترب من الله أكثر مما كان عليه من قبل.

قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
(سورة آل عمران: 146).

تأمل...

لم يقل: يحب الناجحين.

ولا الأغنياء.

ولا أصحاب الأمنيات المتحققة.

بل قال: ﴿الصابرين﴾.

لأن الصبر ليس مجرد احتمال الألم، بل هو عبادةٌ يُعاد بها تشكيل القلب، حتى يصبح أقوى، وأهدأ، وأقرب إلى الله.

إن التربية الإلهية لا تهدف إلى أن تمر بالمحنة فقط...

بل إلى أن تخرج منها إنسانًا لم تكنه قبلها.


ومن أعجب ما في هذه التربية، أنها لا تُشعرك دائمًا أنها تربيك.

فقد تظن أن الله يؤخر عنك أمرًا...

وهو يعلّمك الرضا.

وقد يبتليك بشخصٍ صعب الطباع...

وهو يعلّمك الحلم.

وقد يضع في طريقك مسؤولياتٍ لم تخترها...

وهو يوسّع بها قلبك، ويصقل بها حكمتك.

وقد يحرمك من شيءٍ أحببته...

حتى تتعلم أن قلب المؤمن لا ينبغي أن يتعلق إلا بمن لا يفنى.

ولهذا كانت الحياة، في حقيقتها، ليست سلسلة أحداثٍ متفرقة...

بل سلسلة دروسٍ متصلة.

وكل موقفٍ فيها يحمل رسالة، وإن لم نفهمها في حينها.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

"إذا أراد الله بعبده خيرًا، فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجأ إليه، والافتقار بين يديه."

وليس المقصود بالذل هنا ذل المخلوق للمخلوق، وإنما انكسار القلب بين يدي خالقه.

فهذا الانكسار هو الذي يحرر الإنسان من الكبر، ومن الغرور، ومن وهم الاستغناء.

وما دام القلب يجد بابه إلى الله، فإنه لم يخسر شيئًا، مهما خسر من الدنيا.



وليس كل ما يرسله الله إلى عبده يكون ليغيّر واقعه، بل كثيرٌ منه يأتي ليغيّر قلبه.

وهذا ما يغيب عن الإنسان في بداية الطريق.

فنحن ننظر إلى الأحداث من خارجها، أما الله سبحانه فينظر إلى ما تُحدثه في أعماق النفوس.

قد يبتليك الله بخسارةٍ في مالك، فيخرج من قلبك التعلق بالدنيا.

وقد يبتليك بتأخر أمنية، فيتعلم قلبك الصبر بعد أن كان لا يعرف إلا العجلة.

وقد يبتليك بانكسارٍ أمام الناس، فيطهّرك من الكِبر الذي كان يتسلل إلى نفسك وأنت لا تشعر.

إن التربية الإلهية لا تعتمد على كثرة الكلمات، بل على صدق المواقف.

ولهذا كانت الحياة نفسها مدرسةً يتولى الله فيها تربية عباده.

قال تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾
(سورة التغابن: 11).

تأمل الآية...

لم يقل: يهدِ طريقه.

ولم يقل: يهدِ رزقه.

بل قال:

﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.

وكأن أعظم عطيةٍ بعد الابتلاء ليست زوال البلاء، وإنما هداية القلب أثناءه.

فقد يخرج إنسانان من المحنة نفسها...

أحدهما يخرج ساخطًا، ممتلئًا بالاعتراض.

والآخر يخرج أكثر معرفةً بالله، وأقرب إليه، وأهدأ نفسًا.

والفرق بينهما ليس في نوع البلاء...

بل في نوع القلب الذي خرج من البلاء.


وتأمل كيف ربّى الله يوسف عليه السلام.

لم يبدأ الله معه بالتمكين.

بل بدأ بالبئر.

ثم الغربة.

ثم الرق.

ثم الفتنة.

ثم السجن.

ولو أن يوسف عليه السلام وصل إلى خزائن مصر من أول الطريق، لما كان يوسف الذي نعرفه.

لقد كانت كل محنةٍ تهيئ فيه خلقًا جديدًا.

البئر علّمته أن النجاة من عند الله.

والغربة علّمته أن الأنس بالله لا بالمكان.

والسجن علّمه الصبر، والدعوة، والإحسان إلى الناس وهو في ضيقٍ من أمره.

وحين جاء يوم التمكين، لم يكن قد تغيّر منصبه فقط...

بل كان قلبه قد اكتمل نضجه.

ولهذا لم يقل بعد أن أصبح عزيز مصر:

"لقد انتصرت."

بل قال:

﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾
(سورة يوسف: 100).

فمن عرف لطف الله في أيام الشدة، لم تغره أيام السعة.


وقد يظن الإنسان أن الله يؤخر عنه الخير.

بينما يكون الخير الحقيقي قد بدأ بالفعل...

لكن في مكانٍ لا يراه.

بدأ في قلبه.

في صبره.

في تواضعه.

في تعلقه بالله.

في كثرة دعائه.

في انكساره بين يدي ربه.

وهذه الأعمال القلبية هي التي تبقى، حتى لو زالت الدنيا كلها.

قال ابن القيم رحمه الله:

"إن الله إذا أحب عبدًا سقاه دواءً من الابتلاء، على قدر حاله، حتى يطهره ويهذبه، فإذا هذبه صلُح لمجالسة ربه."

ولذلك فإن المؤمن لا يسأل نفسه دائمًا:

"متى ينتهي الابتلاء؟"

بل يسأل أيضًا:

"ماذا يريد الله أن يعلمني من خلاله؟"

فقد يكون انتهاء المحنة خيرًا...

لكن فهم رسالتها خيرٌ أعظم.



وحين يكتمل العمر بالإنسان، لا يندهش من النعم التي نالها بقدر ما يندهش من الابتلاءات التي غيّرته.

يكتشف أن الأيام التي كان يتمنى الهروب منها، كانت أكثر الأيام أثرًا في تكوين شخصيته.

وأن الدموع التي ظنها ضعفًا، كانت تغسل قلبه من تعلقٍ بغير الله.

وأن الانتظار الذي أثقله، كان يعلّمه الصبر، حتى إذا جاءه العطاء، استقبله بقلبٍ يعرف المنعم قبل أن يفرح بالنعمة.

إن الله لا يربي عباده ليكونوا أقوياء أمام الناس فحسب، بل ليكونوا صادقين معه سبحانه.

فقد يعيش الإنسان سنواتٍ وهو يظن أن قوته في علمه، أو ماله، أو مكانته، ثم يسلب الله منه شيئًا واحدًا، فيدرك أن القوة الحقيقية لم تكن فيما يملك، وإنما في صلته بربه.

ولهذا قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
(سورة الطور: 48).

ما أعظم هذه الآية.

لم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر فقط، بل قرن الصبر بمعنى يسكب الطمأنينة في القلب: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.

أي أنك تحت حفظنا، وعنايتنا، ورعايتنا، فلا يضيع منك صبر، ولا تغيب عنّا دمعة، ولا يخفى علينا وجع.

وهذا المعنى لا يختص بالأنبياء وحدهم، بل هو عزاءٌ لكل مؤمنٍ يعلم أن الله يراه، ويعلم حاله، ويدبر أمره بحكمةٍ ورحمة.


وكان رسول الله ﷺ إذا اشتدت به الكروب، ازداد إقبالًا على الله، ولم تكن الشدائد تزيده إلا يقينًا.

وهكذا يصنع الله بعباده الصالحين.

لا يخرجون من المحنة كما دخلوها.

بل يخرجون أكثر توكلًا، وأصدق يقينًا، وأعمق معرفةً بربهم.

فربما كانت النعمة التي تنتظرها خيرًا لك...

لكن القلب الذي يصنعه الله في طريق انتظارها، خيرٌ وأبقى.

لأن النعم قد تزول.

أما القلب الذي عرف الله، فلا يضيعه الله أبدًا.


فإذا وجدت نفسك اليوم في طريقٍ لم تختره، أو أمام ابتلاءٍ لم تتوقعه، فلا تسأل دائمًا:

"لماذا أنا؟"

واسأل سؤالًا آخر:

"ما الذي يريد الله أن يزرعه في قلبي من خلال هذا الطريق؟"

فلعل الله يريد أن يعلّمك الصبر.

أو يطهرك من الكبر.

أو يحررك من التعلق بالدنيا.

أو يقربك إليه بدعوةٍ ما كنت لترفعها لو بقيت حياتك كما كانت.

وكم من عبدٍ دخل الابتلاء وهو يعرف عن الله أسماءً يحفظها...

ثم خرج منه وهو يعرف الله معرفةً عاشها بقلبه.

وهذا هو الفرق بين العلم والتجربة.

فقد تسمع أن الله اللطيف، حتى ترى لطفه في أشد أيامك.

وتقرأ أنه الحكيم، حتى تنكشف لك بعد سنوات حكمةُ أمرٍ أبكاك طويلًا.

وتوقن أنه الوكيل، حين تسقط كل الأسباب، فلا يبقى لك إلا الله، فتجده كافيًا.


ومضة

قد لا يكون الابتلاء هو القصة التي يكتبها الله لحياتك، بل يكون القلم الذي يكتب به شخصيتك.


للتأمل

لو لم تمر بكل ما مررت به من محن، هل كنت ستعرف الله بالطريقة نفسها؟ أم أن كثيرًا من قربك إليه بدأ من لحظةٍ كنت تتمنى ألا تعيشها؟


المصادر

  • القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري.
  • صحيح مسلم.
  • سنن الترمذي.
  • ابن القيم: مدارج السالكين، الفوائد.
  • ابن تيمية: مجموع الفتاوى.
  • ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
  • الطبري: جامع البيان.




                                                                                             تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة