لماذا يحبُّ الله عباده الصابرين؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| لو كان الصبر لكل الناس لصاروا جميعًا ذوي بأس |
ليس الصبر أن تكتم دمعتك...
ولا أن تتظاهر بالقوة بينما قلبك يئن.
وليس الصبر أن تنكر ألمك، أو تدّعي أن الحياة لا تؤلمك.
فالأنبياء بكوا، وحزنوا، وتألموا، وهم أكمل الناس إيمانًا.
إنما الصبر الحقيقي، أن يبقى قلبك متعلقًا بالله، حتى وهو يحمل أثقل الأوجاع.
ولهذا لم يجعل الله الصبر مجرد خلقٍ حسن، بل جعله منزلةً عظيمة، حتى قال سبحانه:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾(سورة آل عمران: 146).
تأمل هذه الآية.
لم يقل: يجازيهم فقط.
ولم يقل: يثيبهم فحسب.
بل أخبر أنه يحبهم.
وأي منزلةٍ أعظم من أن يكون العبد محبوبًا عند ربه؟
إن الإنسان يسعى في حياته كلها لينال محبة من حوله، وقد يخسر الكثير ليحافظ عليها.
فكيف إذا كانت المحبة من الله؟
إنها المحبة التي إذا نزلت على قلب عبدٍ، هان عليه ما فاته من الدنيا، لأن من أحبه الله، تولاه، وأعانه، وبارك له، وجعل له من كل ضيقٍ مخرجًا.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو:
لماذا كان الصابرون أهلًا لهذه المحبة؟
لأن الصبر ليس مجرد احتمالٍ للمصيبة.
بل هو إعلانٌ صامت، يرفعه القلب إلى السماء، يقول فيه:
"يا رب... لا أفهم كل ما تفعله، لكني أثق بك."
وهذه الثقة هي جوهر العبودية.
فالإنسان قد يعبد الله حين تأتيه النعم.
لكن الصادق حقًا، هو الذي يبقى على بابه حين تتأخر الأمنيات، وتشتد المحن، وتضيق عليه السبل.
هناك يظهر صدق الإيمان.
وهناك تتجلى حقيقة الصبر.
ولذلك، فإن القرآن كلما ذكر الصبر، قرنه بمعنى يملأ القلب قوة.
مرةً يقرنه بالمحبة.
ومرةً بالهداية.
ومرةً بالأجر.
وأعظمها جميعًا، أنه قرنه بمعية الله.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(سورة البقرة: 153).
إنها ليست معية المكان، فالله سبحانه منزه عن ذلك، وإنما هي معية النصر، والتأييد، والحفظ، والعون، والتوفيق.
وما أعظم أن يعلم الإنسان، وهو في أشد لحظات ضعفه، أنه ليس وحده.
قد يغيب الناس...
وقد تعجز الأسباب...
لكن معية الله لا تغيب عن قلبٍ صبر ابتغاء وجهه.
وليس الصبر منزلةً تُمنح لمن لا يتألم، وإنما تُمنح لمن يعرف كيف يحمل ألمه إلى الله.
فالإنسان بطبيعته يجزع إذا أصابه ما يكره، ويحزن إذا فقد من يحب، ويضيق إذا أغلقت في وجهه الطرق.
وهذا ليس نقصًا في الإيمان، فقد بكى رسول الله ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال:
«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.»رواه البخاري ومسلم.
تأمل هذا الميزان الدقيق.
لم يمنع الإسلام الدموع.
ولم يطلب من القلب أن يتجرد من مشاعره.
بل علّم الإنسان أن تكون مشاعره تحت سلطان الرضا، لا تحت سلطان الاعتراض.
فالصبر ليس غياب الحزن...
بل حسن التعامل معه.
ولهذا كان الصبر عبادةً قلبية قبل أن يكون سلوكًا ظاهرًا.
فقد يبدو شخصان متشابهين أمام الناس.
كلاهما فقد عزيزًا.
وكلاهما أصابه البلاء نفسه.
لكن أحدهما امتلأ قلبه بالسخط، والآخر امتلأ يقينًا بأن الله لا يختار لعباده إلا الخير.
الحدث واحد...
أما القلوب فبينها مسافات.
ومن هنا قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(سورة الزمر: 10).
إنها من أعجب آيات القرآن.
فكل الأعمال جاءت النصوص ببيان أجرها أو مضاعفته، إلا الصبر.
ترك الله أجره مفتوحًا، لا يحده عدد، ولا يحصره وصف.
وكأن الله سبحانه يقول لعباده: إن ما تحملتموه من أجلي، أعظم من أن يقدَّر بمقياسٍ يعرفه البشر.
وكان أيوب عليه السلام مثالًا خالدًا لهذا المعنى.
ابتُلي في صحته.
وفقد ماله.
ومات أولاده.
وطال عليه البلاء حتى انفضَّ عنه أكثر الناس.
ومع ذلك، لم يكن لسانه معترضًا، ولا قلبه سيئ الظن بربه.
فلما ضاقت به الأسباب كلها، رفع دعاءً لم يكن طويلًا، لكنه كان ممتلئًا بالأدب مع الله:
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(سورة الأنبياء: 83).
لم يطلب رفع البلاء صراحة.
ولم يقل: لماذا أنا؟
بل بدأ بوصف حاله، ثم أثنى على رحمة ربه.
فجاءه الجواب من السماء سريعًا:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾(سورة الأنبياء: 84).
وهكذا يعلمنا أيوب عليه السلام أن الصبر لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الدعاء، وإنما يعني ألا يفقد ثقته بالله وهو يدعو.
وقال ابن القيم رحمه الله:
"الصبر بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد، وكذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان."
ولهذا كان الصبر أساسًا لكل عبادة.
فأنت تحتاج إلى الصبر لتقيم الصلاة.
وتحتاج إليه لتجاهد نفسك عن المعصية.
وتحتاج إليه إذا تأخر الفرج.
وتحتاج إليه حتى تثبت على الحق حين يكثر المخالفون.
فالصبر ليس عبادةً لموسمٍ من الحياة...
بل هو رفيق المؤمن في كل مراحلها.
تعليقات
إرسال تعليق