حين ينكسر القلب... إلى أين يذهب؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| إذا كانت الوجهة صحيحة فلا تُبالي بطول الطريق |
ليس كل انكسارٍ يُرى.
فهناك كسورٌ لا تظهر في صورة جرح، ولا يكشفها طبيب، ولا تلتقطها عين.
كسورٌ تسكن القلب...
وتُغيِّر نظرة الإنسان إلى الحياة، دون أن يتبدل شيءٌ في ملامحه.
قد يمشي بين الناس مبتسمًا، ويجيب عن أسئلتهم بهدوء، ويؤدي ما عليه من أعمال، بينما في داخله شيءٌ انهار، ولم يجد من يرممه.
ولعل هذا هو أصعب أنواع الألم...
أن تنكسر في موضعٍ لا يراه أحد.
فاليد المكسورة يلتف الناس حولها.
والجرح الظاهر يجد من يداويه.
أما القلب، فكثيرًا ما يُترك وحيدًا، لأنه لا يتكلم بلغةٍ يفهمها الناس.
ولهذا كان أول من يقصده المؤمن حين ينكسر قلبه...
هو الله.
ليس لأن الناس لا يرحمون دائمًا، بل لأنهم مهما رحموا، لا يستطيعون أن يبلغوا أعماق القلب كما يبلغها خالقه.
قال تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾(سورة النمل: 62).
تأمل اختيار القرآن لكلمة المضطر.
فالمضطر ليس مجرد الحزين.
بل هو الذي انتهت أمامه كل الحيل، فلم يبق له إلا باب الله.
وهنا تبدأ رحلة الجبر.
ومن أسماء الله الحسنى التي ربما لا يتأملها كثير من الناس، اسمه الجبار.
وحين يسمع البعض هذا الاسم، يتبادر إلى أذهانهم معنى العظمة والقهر، وهو معنى صحيح من معانيه.
لكن من أعظم معانيه أيضًا...
أنه سبحانه يجبر كسر عباده.
يجبر القلب إذا أثقلته الخيبة.
ويجبر الروح إذا أرهقها الفقد.
ويجبر النفس إذا ضاقت بها الدنيا.
وليس جبر الله كجبر البشر.
فالناس قد يواسونك بكلمة.
أو يخففون عنك بحضورهم.
أما الله، فيبدّل قلبك من الداخل.
يجعل بعد الوحشة أُنسًا.
وبعد الخوف أمنًا.
وبعد الحيرة سكينة.
وهذا الجبر قد يأتي بطريقةٍ لا يشعر بها الإنسان إلا بعد زمن.
فقد تستيقظ يومًا، فتكتشف أن الوجع الذي كان يخنقك، لم يعد كما كان.
وأن الأمر الذي كنت تظنه نهاية حياتك، أصبح ذكرى تستخرج منها الحكمة، لا الدموع.
حينها فقط...
تعرف أن الله كان يجبرك، بينما كنت تظن أنك ما زلت مكسورًا.
ولعل أعظم ما يميز جبر الله، أنه لا يكون دائمًا بإرجاع ما فقدته.
فنحن، إذا انكسر قلب أحدٍ أمامنا، نظن أن جبره يكون بإعادة ما ضاع منه.
إن فقد عملًا، قلنا: سيُجبر حين يجد عملًا آخر.
وإن فقد شخصًا يحبه، قلنا: سيُجبر حين يعوضه الله بمن يشبهه.
لكن الله لا يجبر القلوب دائمًا بهذه الطريقة.
بل قد يترك الأمر كما هو...
ويغيّر القلب نفسه.
فيصبح الإنسان قادرًا على العيش بعد أن كان يظن أنه لن يقدر.
ويصبح قادرًا على الابتسام بعد أن كان يظن أن الحزن لن يفارقه.
ويصبح قادرًا على النظر إلى الماضي دون أن ينزف مع كل ذكرى.
وهذا هو الجبر الحقيقي.
أن يتغير القلب، لا أن تتغير الظروف فقط.
ولذلك لم يكن يعقوب عليه السلام يطلب من الله أن يمحو حبه ليوسف.
بل بقي يحبه، وبقي يشتاق إليه، حتى قال الله تعالى:
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾(سورة يوسف: 84).
ومع كل ذلك، لم يفقد يقينه بالله.
بل قال لأبنائه:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾(سورة يوسف: 18).
ثم قال بعد سنواتٍ طويلة:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾(سورة يوسف: 87).
أي قلبٍ هذا؟
قلبٌ أثقله الفقد، لكنه لم يسمح لليأس أن يسكنه.
وهنا يظهر الفرق بين القلب المنكسر بالله، والقلب المنكسر بعيدًا عن الله.
الأول يبكي...
لكنه لا ييأس.
ويتألم...
لكنه لا يعترض.
وينتظر...
لكنه لا يسيء الظن بربه.
وتأمل دعاء النبي ﷺ بعد خروجه من الطائف، حين اشتد عليه الأذى، حتى سال الدم من قدميه.
لم يبدأ بالشكوى من الناس.
ولم يطلب الانتقام منهم.
بل قال:
«اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس...»
لقد حمل انكساره كله إلى الله.
وهذا ما يفعله المؤمن.
فهو يعلم أن الناس قد يخففون ألمه...
أما الله، فهو وحده القادر على أن يرفع ذلك الألم من جذوره.
وقال ابن القيم رحمه الله كلامًا يلامس القلوب:
"ما ضُرب عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب، وما ضُرب عبدٌ بعطاءٍ أعظم من قلبٍ أقبل على الله."
ولهذا، قد يكون الانكسار في بدايته مؤلمًا...
لكنه إذا قاد القلب إلى باب الله، كان نعمةً خفية.
فكم من إنسانٍ عرف ربه في سجدةٍ خرجت من قلبٍ مكسور.
وكم من دعاءٍ وُلد من دمعةٍ لم يرها أحد.
وكم من قربٍ إلى الله، بدأ من لحظةٍ ظن صاحبها أنها نهاية كل شيء.
ولهذا قال بعض السلف:
"ربَّ منحةٍ جاءت في ثوب محنة."
فليس كل ما يكسر القلب شرًّا...
فبعض الكسور يفتح منها الله أبوابًا لم تكن لتُفتح لو بقي القلب معتمدًا على قوته.
تعليقات
إرسال تعليق