الطريق الذي يقودك إلى الله... دون أن تخطط له

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


إذهب إليه بثقل طينك ولا تعتقد أنك لا تستطيع الذهاب إليه سبحانه وأنت مليء بالذنوب



نحن نخطط كثيرًا...

نرسم لأنفسنا مستقبلًا، ونحدد الطرق التي نريد أن نسير فيها، ونحسب أن الحياة تمضي وفق ما نرسمه على الورق.

لكننا ننسى أن لله طريقًا آخر...

طريقًا لا يشبه خرائطنا، ولا يخضع لحساباتنا، ولا يبدأ دائمًا بما نحب.

كم من إنسانٍ خرج يبحث عن رزق، فعثر على الهداية.

وكم من آخر ظن أنه يسير نحو نجاحٍ دنيوي، فإذا به يجد في منتصف الطريق معرفةً بالله كانت أعظم من كل نجاح.

بل كم من محنةٍ ظن صاحبها أنها نهاية كل شيء، فإذا بها أول خطوةٍ في رحلة العودة إلى ربه.

وهكذا تعمل الهداية.

إنها لا تأتي دائمًا في صورة درسٍ تسمعه، أو كتابٍ تقرؤه.

بل كثيرًا ما تأتي في صورة حدثٍ يغيّر قلبك.

قال تعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾
(سورة القصص: 56).

هذه الآية تعلمنا أن الهداية ليست ثمرة الذكاء، ولا كثرة التجارب، ولا قوة الشخصية.

إنها فضلٌ من الله.

ولو كانت تُنال بالقدرة البشرية وحدها، لكان أحق الناس بها من ملكوا أعظم العقول.

لكن الله جعلها هبةً يمنحها لمن صدق في طلبه، وأقبل عليه بقلبٍ متجرد.


ومن أعجب ما في الهداية، أنها قد تبدأ من شيءٍ كنت تتمنى ألا يحدث.

قد تبدأ من مرض.

أو فقد.

أو خيبة.

أو وحدة.

فما أكثر الذين عرفوا الله حين سقطت كل الأسباب التي كانوا يعتمدون عليها.

ولم يكن سقوط الأسباب شرًا في ذاته...

بل كان إزالةً لكل ما كان يحجب القلب عن ربه.

ولهذا قال سبحانه:

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
(سورة الذاريات: 50).

ولم يقل: فروا من البلاء.

أو من الناس.

أو من الدنيا.

بل قال: إلى الله.

لأن النهاية التي يبحث عنها القلب ليست زوال المشكلة فقط...

بل الوصول إلى الله.


وتأمل قصة إبراهيم عليه السلام.

لم يولد في بيئةٍ تعرف التوحيد.

بل نشأ بين قومٍ يعبدون الأصنام.

وكان يستطيع أن يستسلم لما اعتاده الناس.

لكنه كان يبحث عن الحقيقة.

ينظر في الكواكب، ثم في القمر، ثم في الشمس، حتى انتهى إلى يقينٍ لا يتغير:

﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾
(سورة الأنعام: 79).

لم تكن الهداية طريقًا سهلًا.

لكنها كانت الطريق الذي استحق أن يُسلك.

وهكذا هي كل رحلةٍ إلى الله.

قد تكون أطول مما توقعت...

لكنها أجمل مما تخيلت.



ومن لطف الله بعباده، أن الهداية لا تكون دائمًا انتقالًا من الكفر إلى الإيمان.

فكم من مؤمنٍ يصلي، ويصوم، ويقرأ القرآن، ثم يهديه الله إلى منزلةٍ لم يكن يعرفها من قبل.

الهداية درجات.

وهذا ما نردده كل يوم في صلاتنا حين نقول:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
(سورة الفاتحة: 6).

ولو كانت الهداية تُطلب مرةً واحدة، لما أمرنا الله أن نسأله إياها في كل ركعة.

لكن القلب يحتاج إلى هدايةٍ متجددة.

هدايةٍ في القرار.

وهدايةٍ في الفتنة.

وهدايةٍ عند الغضب.

وهدايةٍ عند الرخاء، كما يحتاجها عند الشدة.

فالإنسان قد يعرف الحق، لكنه يحتاج إلى توفيق الله حتى يثبت عليه.

ولهذا كان النبي ﷺ يكثر أن يقول:

«يا مُقَلِّبَ القلوب، ثبِّت قلبي على دينك.»
رواه الترمذي.

إذا كان رسول الله ﷺ، وهو خير البشر، يسأل الله الثبات كل يوم، فكيف بنا نحن، وقلوبنا تتقلب مع الأحداث، وتضعف أمام الشهوات، وتنسى في زحمة الحياة؟


ولعل أجمل ما في طريق الهداية، أنه لا يشترط أن تبدأه قويًا.

فالله لا ينتظر منك أن تصل إليه كاملًا.

بل يريد منك أن تبدأ.

وتأتيه بثقل طينك,

كم من إنسانٍ دخل المسجد وهو يحمل ذنوب سنوات.

وكم من عبدٍ رفع يديه بالدعاء لأول مرة، ولم يكن يعرف كيف يناجي ربه.

وكم من قلبٍ عاد إلى القرآن بعد طول هجر.

كل هؤلاء لم يصلوا إلى الله لأنهم كانوا كاملين...

بل لأن الله فتح لهم باب العودة.

قال تعالى:

﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
(سورة البلد: 10).

أي بيّن الله للإنسان طريق الخير وطريق الشر، ثم ترك له حرية الاختيار، وأعانه إذا صدق في طلب الهداية.

ولهذا قال سبحانه:

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾
(سورة محمد: 17).

تأمل هذا الوعد.

لم يقل: أعطاهم الهداية مرةً واحدة.

بل قال: زادهم هدى.

فكل خطوةٍ إلى الله، يتبعها الله بخطواتٍ من التوفيق.

وكل توبةٍ صادقة، يفتح الله بعدها أبوابًا من النور لم يكن العبد يتوقعها.


ولهذا لا تحتقر بدايةً صغيرة.

فقد تبدأ رحلتك إلى الله بآيةٍ سمعتها صدفة.

أو بدعوةٍ خرجت منك في ليلة ضعف.

أو بدمعةٍ نزلت في سجدةٍ لم يرك فيها أحد.

وربما تكون تلك اللحظة، التي ظننتها عابرة، هي اللحظة التي غيّرت اتجاه حياتك كله.

قال ابن القيم رحمه الله:

"من علامات السعادة أن يوفَّق العبد للطاعة، ثم يُوفَّق للإخلاص فيها، ثم يُوفَّق للثبات عليها."

فالهداية ليست محطةً تصل إليها...

بل طريقٌ تمشي فيه ما دمت حيًا.

وكلما ظننت أنك اقتربت من نهايته، اكتشفت أن معرفة الله أوسع، وأن فضله أعظم، وأن الطريق إليه لا ينتهي.



وحين تنظر إلى حياتك بعد أعوام، قد تكتشف أن أعظم نعمةٍ ساقها الله إليك، لم تكن الشيء الذي حصلت عليه...

بل الطريق الذي سلكته حتى وصلت إليه.

فكم من طريقٍ دخلته باحثًا عن الدنيا، فخرجت منه وأنت أقرب إلى الله.

وكم من بابٍ طرقته طمعًا في رزق، فإذا الله يرزقك يقينًا.

وكم من محنةٍ تمنيت أن تنتهي سريعًا، فإذا بها تُخرج منك إنسانًا لم تكن تعرفه.

وهكذا تصنع الهداية.

إنها لا تغيّر وجهتك فقط...

بل تغيّر قلبك.

ولهذا كان أعظم ما امتن الله به على عباده، ليس المال، ولا الصحة، ولا السلطان، بل الهداية.

قال سبحانه:

﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
(سورة الحجرات: 17).

فكل نعمةٍ في الدنيا قد تزول.

أما الهداية، فهي النعمة التي إن بقيت، هان ما سواها.

وإن ضاعت، لم يغنِ عنها شيء.


ولهذا لم يكن السلف يخافون على أنفسهم من الفقر كما كانوا يخافون من قسوة القلب.

وكانوا يسألون الله الثبات أكثر مما يسألونه سعة الدنيا.

لأنهم أدركوا أن القلب إذا استقام على معرفة الله، استقامت الحياة كلها، وإن بقي فيها شيءٌ من البلاء.

أما إذا ضل القلب، فلن تُغنيه كثرة النعم.

قال ابن تيمية رحمه الله:

"إن في الدنيا جنةً، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة."

وسُئل عنها، فقال:

"هي الأنس بالله، ومحبته، والطمأنينة بذكره."

وهذه الجنة لا يصل إليها الإنسان بخطوات قدميه...

بل بخطوات قلبه.

كلما اقترب من الله، شعر أن شيئًا في داخله قد عاد إلى موطنه الأول.


وربما كنت اليوم تسير في طريقٍ لا تفهمه.

وتتساءل:

لماذا تغيرت حياتي بهذه الصورة؟

ولماذا أُغلقت أبوابٌ كنت أظنها مستقبلي؟

ولماذا جاءتني هذه التجربة التي لم أخطط لها؟

وربما يكون الجواب كله في كلمةٍ واحدة:

الهداية.

فقد يكون الله يصرفك عن طريقٍ تحبه، لأنه يريد أن يقودك إلى طريقٍ يحبه هو لك.

وقد يؤخر عنك ما تريد، حتى لا تنشغل بالعطية عن المعطي.

وقد يبتليك، لا ليعذبك، بل ليوقظ في قلبك شوقًا إليه، لم تكن تعرفه من قبل.

فليس كل طريقٍ شاقٍ علامة ضياع...

فبعض الطرق الوعرة تنتهي عند أبواب الرحمة.


فإذا وجدت نفسك يومًا في مكانٍ لم تخطط للوصول إليه، فلا تستعجل بالحكم عليه.

فربما كانت يد الله تقودك، بينما كنت تظن أن الأحداث تقودك.

وربما كان المنع الذي أحزنك، هو أول خطوةٍ في طريقٍ لو رأيت نهايته اليوم، لسجدت لله شكرًا.

فاطلب الهداية كل يوم، كما أمرك الله.

لا لأنك ضال...

بل لأن القلوب لا تثبت إلا إذا ثبّتها الله.

ولا تسأل ربك أن يفتح لك كل الطرق...

بل اسأله أن يفتح لك الطريق الذي يقودك إليه.

فمن وصل إلى الله...

فقد وصل إلى كل شيء.


ومضة

قد لا يكون أجمل طريقٍ في حياتك هو الذي اخترته، بل الذي اختاره الله لك، ثم قادك إليه بلطفٍ لم تدركه إلا بعد أن وصلت.


للتأمل

لو عدت بذاكرتك إلى أكثر الأحداث التي غيّرت حياتك، فكم منها كان ضمن خطتك؟ وكم منها كان تدبيرًا إلهيًا فتح لك بابًا لم تكن تعرف أنه موجود؟


المصادر

  • القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري.
  • صحيح مسلم.
  • سنن الترمذي.
  • ابن القيم: مدارج السالكين، الفوائد.
  • ابن تيمية: مجموع الفتاوى.
  • ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
  • الطبري: جامع البيان.





                                                                                                       تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة