لماذا يجيب الله دعاءً... ويؤخر آخر؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| الدعاء ليس بالصوت فقط |
ما من عبادةٍ تكشف حقيقة القلب كما يكشفها الدعاء.
ففي الدعاء، يقف الإنسان مجردًا من كل ما يملكه.
لا ينفعه ماله.
ولا مكانته.
ولا قوته.
ولا كثرة معارفه.
يقف بين يدي الله، وليس معه إلا رجاءٌ يسكن قلبه، وكلماتٌ يرفعها إلى السماء.
ولهذا كان الدعاء من أعظم مظاهر العبودية.
لكن السؤال الذي يطرق قلوب كثير من الناس هو:
لماذا أرى دعواتٍ تتحقق سريعًا، بينما تبقى دعواتي معلقة سنوات؟
ولماذا يفتح الله لهذا الباب، ويؤخر فتحه لذاك؟
إن هذا السؤال ليس جديدًا.
لقد مرَّ بكل قلبٍ انتظر طويلًا.
وكل نفسٍ رفعت أكفها مراتٍ كثيرة، ثم عادت وهي لا ترى أثرًا ظاهرًا لما دعت به.
لكن الخطأ يبدأ حين نظن أن تأخر الإجابة يعني أن الدعاء لم يُسمع.
فالقرآن يعلّمنا غير ذلك.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾(سورة البقرة: 186).
تأمل جمال الآية.
لم يقل الله لنبيه: قل لهم.
بل تولى الجواب بنفسه.
وكأن الله يريد أن يشعر كل داعٍ أنه ليس بينه وبين ربه واسطة.
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾.
قبل أن يخبرك بالإجابة...
أخبرك بالقرب.
لأن أعظم ما يحتاجه الداعي، ليس أن يعلم أن طلبه سيصل...
بل أن يطمئن أن ربه قريبٌ منه.
لكن القرب لا يعني أن تتحقق كل الدعوات بالصورة التي نتخيلها.
فنحن ندعو بعلمنا المحدود...
أما الله فيجيب بعلمه الكامل.
قد تطلب أمرًا، لأنك ترى فيه الخير.
بينما يعلم الله أن الخير في غيره.
وقد تدعو بتعجيل شيءٍ، بينما يعلم سبحانه أن تعجيله يضرك أكثر مما ينفعك.
ولهذا كانت الإجابة أنواعًا.
قال رسول الله ﷺ:
«ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.»
رواه الإمام أحمد، وصححه أهل العلم.
بهذا الحديث تتغير نظرتنا إلى الدعاء.
فليس هناك دعاءٌ صادق يضيع.
إنما تختلف صورة الإجابة.
قد تراها الآن.
وقد تراها بعد حين.
وقد لا تراها في الدنيا أصلًا، لأنها ادُّخرت لك عند الله، حيث لا يضيع شيء.
ومن أكثر ما يُتعب القلب، أنه يربط الاستجابة بصورةٍ واحدة.
فإذا دعا الله بالشفاء، ظن أن الإجابة لا تكون إلا بزوال المرض.
وإذا دعا بالرزق، ظن أن الإجابة لا تكون إلا بزيادة المال.
وإذا دعا بأمرٍ معين، ظن أن الخير لا يمكن أن يأتي إلا من خلاله.
لكن الله، في حكمته، لا يجيب الدعاء على قدر تصورنا، بل على قدر علمه.
فنحن نرى اللحظة...
أما الله فيرى العمر كله.
ونحن نرى الباب الذي نطرقه...
أما الله فيرى الطريق الذي سينتهي إليه ذلك الباب.
ولهذا قد يمنعك ما طلبت، لأنه يعلم أن قلبك سيُبتلى به.
وقد يؤخره، لأنه يعلم أنك لو نلته الآن، ما أحسنت الانتفاع به.
وقد يعطيك غيره، لأنه خيرٌ لك مما دعوت.
وهذا ليس حرمانًا...
بل هو رحمةٌ جاءت في صورةٍ لم تتوقعها.
وتأمل دعاء زكريا عليه السلام.
لقد دعا ربه سنين طويلة أن يرزقه ولدًا.
وكانت الأسباب كلها تقول إن ذلك مستحيل.
كبر سنه.
وامرأته كانت عاقرًا.
ومع ذلك، لم يتوقف عن الدعاء.
قال تعالى:
﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾(سورة الأنبياء: 89).
لم يكن زكريا يدعو لأنه يرى الأسباب.
بل لأنه يعرف رب الأسباب.
فلما شاء الله، جاء الجواب في الوقت الذي اختاره الله، لا في الوقت الذي اختاره زكريا.
وكان في ذلك درسٌ لكل مؤمن:
أن تأخر الإجابة لا يعني غيابها.
بل قد يكون الله يهيئ لها زمانًا يكون خيرًا من كل ما تمنيته.
وكذلك يعقوب عليه السلام.
لم يفقد يوسف أيامًا أو أشهرًا...
بل سنوات طويلة.
ومع ذلك لم يغلق باب الدعاء.
ولم يقل: دعوت كثيرًا ولم أُستجب.
بل بقي قلبه معلقًا بالله، حتى قال:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾(سورة يوسف: 86).
ما أجمل هذا الأدب.
لم يشكُ من الله...
بل شكا إلى الله.
وهناك فرقٌ عظيم.
فالشكوى إلى الله عبادة.
أما الشكوى من الله، فهي سوء أدبٍ مع رب العالمين.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمةً من أجمل ما قيل في الدعاء:
"إني لا أحمل همَّ الإجابة، ولكن أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء، فإن الإجابة معه."
أي أن توفيق الله لك لتقف بين يديه، وترفع يديك، وتسأله، هو في ذاته نعمة عظيمة.
فليس كل الناس يُوفَّقون للدعاء.
وليس كل قلبٍ يعرف إلى من يهرب حين تضيق به الدنيا.
ولهذا، إذا وجدت نفسك تكثر من الدعاء، فلا تقلق من تأخر الإجابة.
بل احمد الله أولًا أنه فتح لك باب مناجاته.
فإن الذي دعاك إلى بابه، لا يردك خائبًا.
لكن كرمه يأتي في الوقت، والصورة، والحكمة التي يعلمها سبحانه.
تعليقات
إرسال تعليق