حين تشعر أن الله يبعد عنك ما تُحب...

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


عِلم الله ليس كعِلمك



ليس أصعب على القلب من أن يرى ما يتمناه قريبًا منه...

ثم يُحال بينه وبينه.

أن يجتهد الإنسان، ثم لا يصل.

أن يدعو طويلًا، ثم لا يرى ما انتظره.

أن يحب شيئًا، ثم يُنتزع من بين يديه، وكأنه لم يكن.

وفي تلك اللحظات، يهمس الشيطان في القلب:

"لو أن الله أراد بك خيرًا، لأعطاك ما تحب."

لكن الإيمان يجيب:

"ولو أن الله منعه عني، فلأنه يعلم ما لا أعلم."

وهنا يبدأ الفرق بين من ينظر بعينيه...

ومن ينظر بقلبه.


نحن بطبيعتنا نربط الخير بما نرغبه.

لكن الله يربط الخير بما ينفعنا.

وشتان بين الأمرين.

كم من أمرٍ تمنيته بإلحاح، ولو حصل لك، لكان بداية شقائك.

وكم من بابٍ بكيت لأنه أُغلق، ثم شكرت الله بعد سنوات أنه لم يُفتح.

ولهذا قال سبحانه:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة البقرة: 216).

إنها آيةٌ لو استقرت في القلب، لخففت كثيرًا من أثقال الحياة.

لأنها تنقل الإنسان من ضيق الرؤية إلى سعة الثقة بالله.


وليس المنع دائمًا علامة غضب.

بل قد يكون من أعظم علامات العناية.

فالطبيب الرحيم قد يمنع مريضه من طعامٍ يحبه، لا لأنه يبخل عليه، بل لأنه يريد له العافية.

والأب الشفيق قد يمنع ابنه من أمرٍ يريده، لأنه يرى من العواقب ما لا يراه الابن.

فكيف برب العالمين، وهو أرحم بنا من أنفسنا؟

إذا منع، فمن رحمته.

وإذا أعطى، فمن رحمته.

وإذا أخّر، فمن رحمته.

ورحمته سبحانه ليست دائمًا فيما نشتهي...

بل فيما يصلحنا.


ومن أجمل ما نتأمله في قصة موسى عليه السلام، أنه خرج من مصر خائفًا، لا يحمل إلا يقينه بالله.

لم يكن يعلم أن الطريق الذي ظنه هروبًا، سيقوده إلى النبوة.

ولو بقي حيث أراد هو، لما وصل إلى حيث أراد الله.

وهكذا كثير من طرق الحياة.

قد تظن أنك ابتعدت عن حلمك...

بينما أنت تقترب من قدرك.



ومن أكثر ما يرهق القلب، أنه يظن أن المنع نهاية الطريق.

فإذا أُغلق بابٌ، وقف طويلًا أمامه، يبكي ما فاته، وينسى أن الله لم يخلق الحياة بابًا واحدًا.

إننا نرى ما أُخذ منا...

أما الله فيرى ما سيُعطينا.

ونحن نحزن على اللحظة...

أما الله فيدبر العمر كله.

ولهذا كان المنع في حياة المؤمن ليس انقطاعًا للعطاء، بل تغييرًا في صورته.

قد يمنعك الله وظيفةً كنت تراها حلمًا، لأنه يدخر لك عملًا يحفظ دينك ويبارك في رزقك.

وقد يمنعك ارتباطًا تمنيته، لأنه يعلم أن فيه شقاء قلبك، بينما ينتظرك خيرٌ لم تره بعد.

وقد يحول بينك وبين أمنيةٍ أحببتها، لأنه يريد أن يمنحك ما هو أبقى منها.

ولذلك قال سبحانه:

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة البقرة: 216).

وكأن هذه الآية تأتي بعد كل سؤالٍ لا نجد له جوابًا.

لماذا لم يحدث ما تمنيت؟

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

لماذا أُغلق هذا الباب؟

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

لماذا تأخر الفرج؟

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

إنها ليست إجابةً عن سؤالٍ واحد...

بل عن الحياة كلها.


وتأمل قصة الخضر مع موسى عليهما السلام.

خرق السفينة.

وقتل الغلام.

وأقام الجدار في قريةٍ رفض أهلها ضيافتهما.

كل هذه الأحداث بدت لموسى مخالفةً لما يعرفه من ظاهر الأمور.

لكن حين كشف الخضر الحكمة، تغيرت الصورة كلها.

فالسفينة خُرقت لتُحفظ.

والغلام قُبض رحمةً بوالديه.

والجدار أُقيم حفظًا لمال يتيمين.

كم يشبه هذا حياتنا.

نرى الحدث في بدايته، فنحكم عليه.

بينما الله يعلم آخره قبل أوله.

ولو كشف لنا الحكمة منذ البداية، لما حزنّا كما نحزن.

لكن من تمام العبودية أن نؤمن بحكمة الله، حتى حين تخفى علينا.


وقال ابن القيم رحمه الله:

"فإن الله سبحانه إذا منع عبده المؤمن شيئًا يحبُّه، فإنما يمنعه ليعطيه ما هو خيرٌ له، أو ليصرف عنه ما هو أشد ضررًا."

ولذلك، فإن المؤمن لا يقيس رحمة الله بما ناله فقط.

بل يقيسها أيضًا بما صُرف عنه ولم يكن يعلم خطره.

فكم من شرٍ لم يقع، لأن الله حال بينك وبينه، وأنت لا تشعر.

وكم من بلاءٍ لم ينزل، لأن لطف الله سبق إليه.

ولو كشف الله لك ما دفعه عنك في كل يوم، لبكيت شكرًا أكثر مما بكيت حزنًا على ما فاتك.


ولهذا، إذا أغلق الله بابًا، فلا تجعل قلبك سجين الباب المغلق.

ارفع بصرك إلى من أغلقه.

فهو وحده القادر على أن يفتح لك بابًا لم يخطر لك على بال.

وربما كان الباب الذي تنتظره صغيرًا...

بينما يريد الله أن يفتح لك أبوابًا أعظم منه.



وحين يمضي بك العمر، ستكتشف أن أكثر الأشياء التي شكرت الله عليها، لم تكن تلك التي أعطاك إياها فورًا...

بل تلك التي منعك منها.

ستنظر إلى أمنياتٍ قديمة، كنت تظن أن سعادتك لن تكتمل إلا بها، ثم ترى اليوم كيف أن الله أنقذك منها بلطفه.

وستتذكر أبوابًا أُغلقت في وجهك، فأبكتك أيامًا، ثم أدركت أنها لو فُتحت، لما وصلت إلى الخير الذي تعيشه الآن.

وهكذا يُربّي الله عباده على الثقة.

لا على رؤية الحكمة في كل لحظة، بل على الإيمان بأنها موجودة، وإن غابت عن أبصارهم.

قال تعالى:

﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾
(سورة يوسف: 100).

لم يقل يوسف عليه السلام هذه الكلمة وهو في البئر.

ولا وهو في السجن.

بل قالها بعد أن اكتملت القصة.

بعد أن رأى كيف جمع الله شتات الأحداث، وكيف تحولت المحن إلى أسبابٍ للتمكين.

وهذا يعلمنا أن بعض أقدار الله لا تُفهم في بدايتها...

بل تُفهم عند نهايتها.

وربما لا نفهم بعضها إلا يوم نلقى الله.


ومن هنا، فإن الرضا ليس أن تعرف الحكمة دائمًا.

بل أن تثق بحكمة الله، حتى عندما لا تعرفها.

فالطفل يسلّم يده للطبيب، وهو لا يفهم لماذا تؤلمه الإبرة.

لكنه يطمئن لأن من أحضره إليها، يحبه.

فكيف برب العالمين، الذي يعلم خفايا النفوس، ويرى ما لا نرى، ويرحمنا رحمةً لا يبلغها وصف؟

إذا منعك، فلا تظن أنه أغلق أبواب فضله.

بل ربما كان يحفظك من بابٍ لو دخلته، لخرجت منه بقلبٍ مثقل، أو دينٍ ضعيف، أو ندمٍ طويل.


وقد قال ابن تيمية رحمه الله:

"ما يصنع أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي."

وهذه الكلمات لا تصدر إلا عن قلبٍ عرف أن النعيم الحقيقي ليس فيما يملكه الإنسان، بل فيما يحمله في قلبه من يقينٍ بالله.

فإذا امتلأ القلب بهذا اليقين، لم يعد يقيس النعم بكثرتها، ولا البلايا بشدتها، وإنما يقيس كل شيء بقربه من الله.


فإذا شعرت يومًا أن الله أبعد عنك شيئًا تحبه، فلا تجعل أول خاطرٍ يمر بقلبك هو الحرمان.

بل اجعل أول ما يخطر ببالك:

"لعل الله يدخر لي خيرًا لا أراه."

ولعل أعظم العطاء، ليس أن تنال كل ما تريد...

بل أن يمنع الله عنك ما كان سيؤذي قلبك، ثم يرزقك الرضا حتى لا تلتفت إليه بعد ذلك.

فالله لا يختار لعبده المؤمن إلا ما يقربه منه، وإن خالف ذلك هوى النفس في أول الأمر.

وما دام الذي يدبر أمرك هو الحكيم واللطيف والرحيم، فلا تخشَ ما فاتك.

فربُّك لا يأخذ منك شيئًا إلا ليمنحك ما هو خير، في الدنيا أو الآخرة، عاجلًا أو آجلًا.

ولهذا، إذا ضاق بك الأمر، ووجدت بابًا قد أُغلق في وجهك، فقل بقلبٍ مطمئن:

"اللهم اختر لي، فإني لا أحسن الاختيار."

فمن رضي باختيار الله، عاش مطمئنًا، ولو لم تتحقق كل أمانيه.

ومن تعلّق بحكمة الله، علم أن المنع قد يكون أعظم وجوه العطاء.


ومضة

ليس كل ما خرج من حياتك خسارة، فقد يكون بعض ما فقدته هو الشيء الذي حفظ الله به بقية عمرك.


للتأمل

لو كُشف لك اليوم ما صرفه الله عنك من شرور، وما أخفاه عنك من ألطاف، فكم بابًا كنت ستشكر الله لأنه أغلقه، بدل أن تبكي على فواته؟


المصادر

  •  القرآن الكريم.
  • صحيح البخاري.
  • صحيح مسلم.
  • ابن القيم: مدارج السالكين، الفوائد، شفاء العليل.
  • ابن تيمية: مجموع الفتاوى.
  • ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
  • الطبري: جامع البيان.





                                                                                                        تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة