الحُكم يزن الفعل والغفران يزن ما بعده | فلسفة التسامح والندم

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


تخيل أن مُستقبلك يقبع ما بين خشبتين



الحُكم ينظر إلى الخطأ، لكن الغفران ينظر إلى الإنسان بعد خطئه. تأملٌ عميق في معنى التسامح والندم والتغيير، والفرق بين أن تغفر لشخص وأن تعيده إلى حياتك.


ثمة فرقٌ دقيق بين أن تحكم على إنسان، وأن تغفر له. فرقٌ قد لا يظهر في اللحظة التي يقع فيها الخطأ، لأن الألم حين يكون طازجًا لا يجيد الفلسفة، ولا يملك ترف النظر إلى الأشياء من جميع جهاتها. إنه يعرف شيئًا واحدًا فقط: لقد حدث ما كان ينبغي ألّا يحدث.

ومن هنا يبدأ الحُكم.

نحن نحكم لأن فعلًا وقع، وكلمةً قيلت، وعهدًا نُقض، وثقةً كُسرت. والحُكم، في جوهره، ينظر إلى الخلف؛ يعود إلى الواقعة، يفتش في أسبابها، ويسأل عن المسؤولية والقصد والنتيجة. ولهذا تستطيع أن تحكم على الفعل بمجرد اكتمال صورته، لكنك لا تستطيع دائمًا أن تحكم على الإنسان بالصورة نفسها.

فالإنسان أطول عمرًا من خطئه.

وهنا يبدأ الغفران.

الفعل انتهى... لكن صاحبه لم ينتهِ

من السهل أن نقول: أخطأ إذن هو مخطئ، خان إذن هو خائن، كذب إذن هو كاذب. غير أن اللغة حين تفعل ذلك ترتكب اختصارًا خطيرًا؛ إنها تنقل الإنسان من كونه فاعلًا لشيء إلى أن يصبح هو الشيء نفسه.

هناك فرق شاسع بين إنسانٍ كذب، وإنسانٍ أصبحت حياته قائمة على الكذب. وبين من خان مرةً ثم عاش بقية عمره خجلًا من تلك اللحظة، وبين من جعل الخيانة أسلوبًا ثم طالب الآخرين بأن يتفهموه.

الحُكم يحتاج إلى معرفة ما حدث.

أما الغفران فيحتاج إلى معرفة ما حدث بعد ما حدث.

هل اعتذر؟

هل أدرك حجم ما صنع؟

هل حاول إصلاح ما أفسده؟

هل تغيّر؟

أم أنه اكتفى بكلمة «آسف» ثم عاد إلى الخطأ نفسه وكأن الاعتذار ممحاةٌ أخلاقية تُستخدم كلما امتلأت الصفحة؟

لهذا لا ينبغي أن يكون الغفران رد فعل آليًا. فالزمن الذي يلي الخطأ جزء من حقيقة الخطأ نفسه؛ لأن بعض الناس يكشفون بعد سقوطهم أنهم أكبر من سقطتهم، وبعضهم يكشفون أن السقوط لم يكن حادثةً عابرة، بل كان تعريفًا مؤجلًا لشخصياتهم.

ليس الغفران إعلانًا للبراءة

واحدة من أكثر الأفكار التباسًا أن الغفران يعني أن ما حدث لم يعد مهمًا.

وهذا غير صحيح.

يمكن أن تغفر ولا تنسى.

يمكن أن تغفر ولا تعيد العلاقة.

يمكن أن تغفر وتبقي المسافة.

ويمكن أن تقول في داخلك: لم أعد أحمل عليك ما كنت أحمله، لكنني أيضًا لن أعيدك إلى المكان الذي كنت فيه.

فالغفران ليس محكمة استئناف تُلغي الواقعة، ولا وثيقةً تعلن أن المذنب أصبح بريئًا بأثر رجعي.

ما حدث قد حدث.

والندبة لا تختفي لمجرد أن صاحب الجرح قرر ألّا يكره من سبّبها.

وهنا تكمن واحدة من أنضج صور الغفران: أن تحرر قلبك دون أن تُعطّل ذاكرتك.

فالذاكرة ليست دائمًا حقدًا. أحيانًا تكون خبرة.

والحدود ليست دائمًا انتقامًا. أحيانًا تكون حكمة.

وعدم العودة ليس دائمًا قسوة. أحيانًا يكون احترامًا لما تعلمته متأخرًا.

إننا نظلم مفهوم الغفران حين نربطه بالعودة. بعض الذين غفرنا لهم لا ينبغي أن يعودوا، لا عقابًا لهم، بل لأن بعض الأبواب حين تُغلق تكون قد أدت وظيفتها الأخيرة.

لكن... من نحن لِنغفر؟

هنا يصبح السؤال أكثر صعوبة.

حين نقول لإنسان: «لقد غفرت لك»، قد يختبئ داخل العبارة شيء من الاستعلاء دون أن نشعر؛ كأننا جلسنا على منصةٍ أخلاقية مرتفعة، ووضعنا الآخر أمامنا، ثم أصدرنا قرار العفو.

ولكن هل نملك الحقيقة كاملة؟

نحن نعرف ما فعله الآخر بنا، نعم، لكننا لا نعرف دائمًا كل ما كان يحدث داخله. وهذا لا يبرر أذاه، لكنه يذكّرنا بأن الحكم على الفعل أسهل كثيرًا من الحكم على الإنسان كله.

وربما لهذا ينبغي أن يكون الغفران متواضعًا.

لا تقول في داخلك: أنا أفضل منك ولذلك غفرت لك.

بل: أنا أعرف أنك أخطأت، وأعرف أنني أيضًا كائن قابل للخطأ، ولذلك اخترت ألّا أجعل خطأك سجنًا أبديًا لك، ولا ألمك سجنًا أبديًا لي.

وهذا فرق هائل.

فالغفران الحقيقي لا يحتاج إلى عرش.

الحُكم لحظة... والغفران رحلة

القانون يستطيع أن يحدد لحظة الجريمة، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يقيس رحلة الندم.

والناس يستطيعون أن يشاهدوا السقوط، لكنهم لا يشاهدون بالضرورة السنوات التي يقضيها الإنسان وهو يحاول أن يصبح شخصًا لا يكرر ذلك السقوط.

لهذا يبدو الحُكم أكثر وضوحًا من الغفران.

الحُكم يسأل:

ماذا فعلت؟

أما الغفران فيسأل:

ماذا أصبحت بعد ما فعلت؟

وهذا ربما هو السؤال الأعدل.

لأن الإنسان الذي أخطأ بالأمس ثم قاوم خطأه ألف مرة بعد ذلك، ليس تمامًا الإنسان نفسه الذي ارتكب الخطأ أول مرة. وفي المقابل، من يعتذر كل يوم ثم يعيد الأذى كل ليلة، لا ينبغي أن يحصل على غفران مجاني لمجرد أنه أتقن لغة الاعتذار.

فالندم الحقيقي له أثر.

والتوبة الأخلاقية، حتى خارج معناها الديني، لا تُقاس بجمال الكلمات، وإنما بتغيّر السلوك.

ولهذا قد يكون الزمن أعظم شاهد في محكمة الإنسان.

إنه يكشف من اعتذر لأنه خاف خسارتك، ومن اعتذر لأنه أدرك فعلًا أنه أخطأ.

يكشف من تغيّر، ومن تعلم فقط كيف يخفي عيوبه بصورة أفضل.

ويكشف، قبل كل ذلك، إن كان ما ظننته لحظة ضعفٍ عابرة... مجرد لحظة، أم كان حقيقةً لم تكن قد رأيتها بعد.

وأحيانًا عليك أن تغفر لنفسك

نحن بارعون بصورة غريبة في منح الآخرين فرصًا لا نمنحها لأنفسنا.

نقول لمن نحب: كنت صغيرًا، لم تكن تعرف، تعلمت الآن، الجميع يخطئ.

ثم نعود إلى أنفسنا ونستخرج خطأً عمره عشر سنوات ونحاكمها عليه بالمعلومات التي نملكها اليوم.

وهذا ظلم من نوع آخر.

لا يجوز أن تحاكم نسختك القديمة بوعي نسختك الحالية دون أن تتذكر أن ذلك الوعي نفسه ربما وُلد من الخطأ.

بعض أخطائنا لم تكن جيدة، لكنها كانت معلّمين قساة.

ولولاها لما عرفنا الحدود، ولا الناس، ولا أنفسنا.

أن تغفر لنفسك لا يعني أن تقول إنك كنت محقًا.

بل أن تقول:

كنت مخطئًا، وفهمت، وتغيّرت، ولن أقضي ما بقي من عمري في معاقبة إنسانٍ لم يعد موجودًا بالصورة نفسها.

وهنا تكتمل الفكرة.

الحُكم يزن الفعل... والغفران يزن ما بعده.

فلا تجعل لحظةً واحدة تمحو تاريخ إنسان، ولا تجعل تاريخًا جميلًا يبرر لحظةً لا ينبغي تبريرها.

احكم على الخطأ بما يستحقه.

وانظر إلى الندم بما يستحقه.

وانظر إلى التغيير بما يستحقه.

ثم تذكّر أن الغفران لا يعني دائمًا أن تقول للآخر: عُد.

أحيانًا أعظم صور الغفران أن تقول:

لقد انتهى ما بيننا، لكنني لن أحملك معي عدوًا إلى بقية الطريق.


الغفران لا يليق إلا بجلال قدر الله سبحانه وتعالى عما يقولون وعما نقول :


﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران 133

﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ النساء 96 




                                                                            تليد..




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة