الأشياء التي دفعت ثمن معرفتها من عمري

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




الأشياء التي دفعت ثمن معرفتها من عمري

هناك أشياء عرفتها من الكتب، وأشياء أخبرني بها الآخرون، وأشياء كنت أعرفها نظريًا ثم اكتشفت، بعد سنوات، أنني لم أكن أعرفها حقًا.

فالفرق كبير بين أن تعرف أن النار تحرق، وبين أن تحمل أثرها في يدك.

بعض المعرفة لا تدخل العقل من باب القراءة، بل تدخل الإنسان من أبواب أخرى: تجربة، خسارة، انتظار طويل، قرار خاطئ، ثقة وُضعت في غير مكانها، أو سنوات كاملة احتاجها المرء كي يفهم حقيقة كان يمكن اختصارها في جملة.

هذه ليست الأشياء التي تعلمتها.

هذه الأشياء التي دفعت ثمن معرفتها من عمري.

ولا أكتبها لأنني أصبحت أكثر حكمة من غيري، ولا لأنني وصلت إلى المرحلة التي أستطيع فيها توزيع النصائح على الناس.

بل لأنني اكتشفت أن بعض ما نعرفه متأخرين كان موجودًا أمامنا طوال الوقت، لكننا لم نكن نملك العمر الكافي لفهمه.

ليس كل ما تستطيع إصلاحه يستحق أن تصلحه

احتجت وقتًا طويلًا كي أفهم هذه الحقيقة.

كنت أظن أن الإصرار فضيلة في كل الأحوال.

إذا تعطل شيء، أصلحه.

إذا أُغلق باب، أطرقه مرة أخرى.

إذا تعثرت محاولة، أعيدها.

وهذه صفة صنعت أشياء جيدة في حياتي، لكنها جعلتني أيضًا أستهلك وقتًا في أشياء كان ينبغي أن أتركها قبل ذلك بكثير.

فالاستمرار ليس شجاعة دائمًا.

أحيانًا تكون الشجاعة في أن تقول:

يكفي.

هناك أبواب لا تحتاج إلى مفتاح آخر، بل تحتاج منك أن تستدير عنها.

وهناك معارك تستطيع الفوز بها، لكن الثمن الذي ستدفعه مقابل الانتصار أكبر من قيمة ما ستربحه.

استغرق مني الأمر وقتًا لأفهم أن السؤال ليس دائمًا:

هل أستطيع؟

بل أحيانًا:

هل يستحق؟

والفرق بين السؤالين وفّر عليّ لاحقًا كثيرًا من نفسي.

الناس لا يرونك كما ترى نفسك

كنت أعتقد أن النية الواضحة تكفي.

أنك إذا كنت صادقًا فسيعرف الناس أنك صادق.

وإذا أحسنت النية سيُفهم فعلك كما قصدته.

ثم اكتشفت أن كل إنسان يستقبلك من داخل تجربته هو، لا من داخل نيتك أنت.

قد تفعل الشيء نفسه أمام عشرة أشخاص، فيراك كل واحد بطريقة مختلفة.

أحدهم يرى ثقة.

والآخر يراها غرورًا.

أحدهم يرى صمتك احترامًا.

والآخر يراه ضعفًا.

وأحدهم يفهم ابتعادك كرامة، بينما يفسره آخر على أنه عدم اهتمام.

في مرحلة ما، يصبح الدفاع المستمر عن صورتك أمام الناس وظيفة تستنزف العمر.

وتعلمت ألا أمارسها.

أوضح نفسي حين يستحق الأمر.

أعتذر حين أخطئ.

أصحح ما يمكن تصحيحه.

ثم أترك للناس حقهم في أن يفهموني كما يريدون.

ليس مطلوبًا مني أن أعيش عمري محاميًا عن نفسي.

الوقت لا يضيع دفعة واحدة

لم أسرق من عمري عشر سنوات في يوم واحد.

لا أحد يفعل ذلك.

العمر يضيع بطريقة أكثر هدوءًا.

ساعة هنا.

أسبوع هناك.

شهر في انتظار شيء تعرف في داخلك أنه انتهى.

سنة تؤجل فيها قرارًا لأنك تخاف مما بعده.

وقت طويل في نقاش لن يغير شيئًا.

ووقت أطول في التفكير في أشياء حدثت وانتهت بينما الحياة أمامك تتحرك.

لهذا أصبحت أخاف من الهدر الصغير أكثر من الهدر الكبير.

الهدر الكبير نراه.

أما الصغير فيتنكر في هيئة يوم عادي.

ثم تتجمع الأيام.

وننظر خلفنا فجأة فنجد أن ما حسبناه «قليلًا من الوقت» أصبح قطعة من العمر.

تعلمت أن المال الذي أخسره قد يعود.

والفرصة قد تأتي غيرها.

أما يوم الأمس، فلا توجد قوة في العالم تستطيع إعادته إليّ.

ليس كل فقدٍ خسارة

هذه من الأشياء التي يصعب تصديقها قبل أن تعيشها.

كنت أظن أن كل شيء يغادر حياتي يتركها أقل مما كانت.

ثم اكتشفت أن بعض الأشياء حين تغادر تترك لك مساحة.

هناك خسارات تؤلمك أولًا، ثم تفهم بعد زمن أنها أخرجتك من مكان لم تكن ستغادره بإرادتك.

وهناك أشخاص يبتعدون فتشعر بالفراغ، ثم تكتشف أن جزءًا من ذلك الفراغ كان راحة لم تعرف أنك تحتاج إليها.

وهناك خطط تفشل، وبعد سنوات تنظر إليها وتسأل نفسك:

ماذا لو نجحت فعلًا؟

ربما كنت سأبقى في طريق لم يعد يشبهني.

لا أقول إن كل خسارة خير مخفي، فبعض الخسارات خسارات فعلًا، وبعضها لا يحتاج إلى فلسفة كي يصبح مؤلمًا.

لكنني تعلمت ألا أحكم على كل ما أفقده في اللحظة التي أفقده فيها.

فالزمن يكشف أحيانًا قيمة الأشياء التي أخذها منا، كما يكشف قيمة الأشياء التي تركها لنا.

لا تتخذ قرارًا دائمًا بسبب شعور مؤقت

دفعت ثمن هذه المعرفة أكثر من مرة.

الغضب مقنع جدًا عندما نكون غاضبين.

والحزن يجعل العالم يبدو نهائيًا.

والحماس يجعل المخاطرة تبدو أبسط مما هي.

والخوف يستطيع إقناعك بأن أسوأ الاحتمالات هو الاحتمال الوحيد.

لكن المشاعر، مهما كانت حقيقية، ليست دائمًا مستشارًا جيدًا للقرارات طويلة الأجل.

تعلمت أن أترك مسافة بين الشعور والقرار.

ليلة.

يومًا.

أسبوعًا إذا استطعت.

فبعض الكلمات التي لم أقلها وأنا غاضب أحمد نفسي اليوم لأنني لم أقلها.

وبعض القرارات التي أخرتها حتى هدأت أصبحت مختلفة تمامًا عندما نظرت إليها بعقل أكثر هدوءًا.

ليست الحكمة ألا تغضب.

ولا ألا تحزن.

ولا ألا تخاف.

الحكمة أحيانًا أن تعرف أن الشعور ضيف، فلا تسلمه مفاتيح البيت.

بعض الناس درس… وليسوا قدرًا

هناك أشخاص يدخلون حياتنا فنظن أن وجودهم يجب أن يستمر لأن أثرهم كان كبيرًا.

لكن كِبَر الأثر لا يعني دوام العلاقة.

بعض البشر جاءوا في مرحلة محددة.

علمونا شيئًا.

كشفوا لنا شيئًا عن أنفسنا.

ربما أحببناهم.

وربما اختلفنا معهم.

وربما خرجنا من التجربة بصورة لم نتوقعها.

لكنني تعلمت أن نهاية العلاقة لا تلغي قيمة ما كان فيها.

ولا يلزم أن أكره الماضي كي أقبل نهايته.

يمكن للإنسان أن يقول:

كان لهذا الشخص مكان.

وكان لهذه التجربة معنى.

لكن مكانها أصبح خلفي.

دون انتقام.

دون تشويه.

ودون محاولة لإعادة شيء انتهى فقط لأننا نخاف الاعتراف بأنه انتهى.

لا أحد سيأتي لينقذك من كل شيء

هذه الحقيقة قاسية إذا قُرئت خطأ.

فالإنسان يحتاج إلى الناس، ويحتاج إلى من يحبه ويسنده، ولا يستطيع أن يعيش وحده.

لكن هناك جزءًا من الحياة لا يستطيع أحد أن يقطعه عنك.

يمكن لشخص أن ينصحك، لكنه لا يستطيع اتخاذ كل قراراتك.

يمكن أن يقف بجانبك، لكنه لا يستطيع خوض معركتك الداخلية بدلًا منك.

يمكن أن يفتح لك بابًا، لكنه لا يستطيع إجبارك على الدخول.

في مرحلة ما، يجب أن تتحمل مسؤولية حياتك.

لا لأن الظروف عادلة دائمًا.

فهي ليست كذلك.

ولا لأن كل ما حدث لك كان باختيارك.

بالتأكيد ليس كذلك.

بل لأن السؤال بعد كل ما حدث يصبح:

ماذا سأفعل أنا الآن؟

هذا السؤال أعاد إليّ شيئًا مهمًا.

القدرة على الحركة.

النجاح الذي يأخذك منك ليس نجاحًا كاملًا

كنت أنظر إلى النجاح قديمًا بطريقة أبسط.

هدف.

تصل إليه.

انتهى الأمر.

لكن العمر يجعل المعادلات أقل بساطة.

ماذا لو وصلت وخسرت نفسك في الطريق؟

ماذا لو حصلت على الشيء الذي أردته ثم اكتشفت أنك لم تعد تريد الحياة التي يتطلبها؟

ماذا لو صفّق لك الجميع وأنت في داخلك تعرف أن الثمن كان أكبر مما ينبغي؟

أصبحت أعتقد أن النجاح لا يُقاس بما حصلت عليه فقط.

بل بما لم تضطر إلى خسارته كي تحصل عليه.

راحة بالك لها ثمن.

وقتك له ثمن.

كرامتك لها ثمن.

والأشخاص الذين تحبهم لهم ثمن.

ولا توجد نتيجة تستحق كل الأثمان.

ليس كل تأخير فشلًا

هناك أوقات نظرت فيها إلى حياتي وكأنني متأخر.

فالإنسان يقارن نفسه بسهولة.

هذا وصل.

وهذا سبق.

وهذا حقق.

وأنا أين؟

لكنني أدركت أن المقارنة تخفي عنا نصف الحقيقة.

فنحن نرى نتائج الآخرين ولا نعرف دائمًا أثمانها.

ونقارن الفصل الذي نعيشه الآن بفصل مختلف تمامًا من حياة شخص آخر.

الحياة ليست سباقًا له خط بداية واحد.

بعض الأشياء تأخرت عندي.

وبعضها ربما لن يحدث أصلًا.

وتعلمت أن أقبل الاحتمالين دون أن أعتبر نفسي مشروعًا فاشلًا.

ليس مطلوبًا مني أن أصل في الموعد الذي حدده شخص آخر لحياته.

لدي طريقي، وله توقيته الذي لا أعرفه كاملًا بعد.

أكثر ما غيّرني لم يكن ما حصلت عليه

حين أراجع السنوات الماضية، أجد مفارقة غريبة.

الأشياء التي صنعت أكبر تغيير في داخلي لم تكن دائمًا الإنجازات.

كانت أحيانًا الأشياء التي لم أحصل عليها.

باب أغلق.

انتظار طال.

ثقة تغيرت.

خطة انهارت.

حقيقة ظهرت متأخرة.

هذه الأشياء لا أطلب تكرارها، ولا أجمّل ألمها بعد مرورها.

لكنني لا أستطيع إنكار ما صنعت.

لقد أجبرتني على إعادة ترتيب أشياء كثيرة داخلي.

أشياء كنت أعتقد أنها ثوابت أصبحت أسئلة.

وأشياء كنت أراها ضرورية اكتشفت أنني أستطيع العيش دونها.

وأشياء صغيرة لم أكن أقدرها أصبحت كبيرة في عيني.

ربما الإنسان لا ينضج فقط بما يجمعه.

ينضج أيضًا بما يسقط منه في الطريق.

وما زلت أدفع ثمن المعرفة

لا أكتب هذه الكلمات من قمة جبل.

لست الرجل الذي انتهت تجاربه وأصبح الآن يعرف كيف تعمل الحياة.

ما زلت أخطئ.

وأحيانًا أعرف الصواب وأفعل عكسه.

وأكرر بعض الأخطاء التي ظننت أنني تجاوزتها.

وأكتشف في نفسي أشياء لم أكن أعرفها.

وهناك بالتأكيد حقائق أؤمن بها اليوم وسأكتشف بعد سنوات أنني كنت مخطئًا بشأنها.

وهذا لا يخيفني كما كان يفعل سابقًا.

لأنني تعلمت أن الإنسان الذي لا يغير شيئًا من أفكاره طوال حياته ربما لم يمنح الحياة فرصة كافية لتعلمه.

أنا لست النسخة النهائية مني.

ولا أريد أن أكون.

لو استطعت استعادة عمري… هل كنت سأختصر الطريق؟

سؤال فكرت فيه كثيرًا.

لو استطعت العودة إلى نفسي القديمة، هل سأخبرها بكل ما أعرفه الآن؟

جزء مني يقول نعم.

سأحذرها.

سأوفر عليها وقتًا.

سأقول لها: لا تذهب من هنا، لا تثق بهذا، لا تنتظر ذلك، لا تعطِ هذا الأمر أكبر من حجمه.

لكن جزءًا آخر مني يعرف الحقيقة:

ربما لو أخبرتها بكل شيء، لما صدقتني.

لأن بعض المعرفة لا ينقصها الشرح.

ينقصها العمر.

كنت أسمع بعض النصائح قديمًا وأفهم كلماتها، لكنني لم أفهم معناها إلا بعدما أصبحت لدي تجربة أضع الكلمات داخلها.

ولهذا لا أندم على كل الثمن.

أندم على بعضه، بالتأكيد.

لكنني أعرف أن جزءًا من الرجل الذي يكتب هذه الكلمات اليوم صُنع تحديدًا في الأماكن التي كان يتمنى وقتها ألا يدخلها.

الخاتمة

لو طلب مني أحد أن ألخص ما تعلمته، فلن أعطيه قائمة من الحكم.

سأقول له شيئًا أبسط:

ستعرف أشياء كثيرة.

بعضها سيعلمك إياها كتاب.

وبعضها سيخبرك بها إنسان يحبك.

وبعضها ستفهمه من أول مرة.

لكن ستبقى هناك معرفة لا تقبل أن تدخل حياتك مجانًا.

ستأخذ منك وقتًا.

أو خطأ.

أو انتظارًا.

أو شيئًا كنت تتمسك به.

وحين تصل إليها أخيرًا ستقول العبارة التي قالها البشر قبلك آلاف المرات:

ليتني عرفت هذا من قبل.

لكن ربما لم يكن بإمكانك أن تعرفه من قبل.

ربما كان عليك أن تصبح الإنسان القادر على فهمه أولًا.

ولهذا حين أنظر اليوم إلى بعض ما مضى، لا أراه كله خسارة.

بعضه كان رسومًا دفعتها للحياة مقابل دروس لم أكن سأفهمها بطريقة أخرى.

كانت باهظة أحيانًا.

وكان بعضها أغلى مما يستحق.

لكن الفاتورة دُفعت بالفعل.

ولذلك لن أخرج منها خالي اليدين.

سآخذ المعرفة معي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة