لا أريد حياة مثالية... كيف تعيش حياة تشبهك أنت؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
لا أريد حياةً مثالية... أريد حياةً تشبهني
لم أعد أريد حياةً تثير إعجاب الجميع.
لا أريد أن أقضي عمري أجمع الأشياء التي قيل لي إنها دليل النجاح، ثم أضعها أمام الناس واحدًا تلو الآخر كي أثبت أنني وصلت.
لا أريد منزلًا لأن الآخرين يرونه أجمل، ولا طريقًا لأن الجميع يسيرون فيه، ولا قرارًا أحتاج بعد اتخاذه إلى تصفيق الآخرين كي أقتنع بأنه كان صحيحًا.
أريد شيئًا أبسط من ذلك كله...
وأصعب.
أريد حياةً تشبهني.
حياة إذا استيقظت فيها صباحًا لم أشعر أنني أمثل دورًا كتبه شخص آخر.
حياة أستطيع أن أقول عنها، حتى لو لم تكن كاملة:
هذه اختياراتي. وهذه أخطائي. وهذا طريقي. وأنا الذي اخترته.
ربما يبدو هذا الكلام بسيطًا.
لكنه ليس كذلك.
لأن أحد أصعب الأشياء التي يمكن أن يفعلها الإنسان في حياته أن يكتشف الفرق بين ما يريده فعلًا وما تعلّم طوال سنوات أن عليه أن يريده.
من أخبرنا أصلًا كيف يجب أن تبدو الحياة الناجحة؟
منذ سنواتنا الأولى، تصل إلينا قائمة غير مكتوبة.
ادرس.
تفوق.
احصل على وظيفة جيدة.
اجمع المال.
امتلك منزلًا.
تزوج.
اشترِ سيارة أفضل.
اصعد درجة أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
ولا مشكلة في أي شيء من هذه الأشياء.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الممكن إلى واجب، وعندما يصبح الطريق الذي اختاره الآخرون لأنفسهم الطريق الوحيد الذي نسمح لأنفسنا بالسير فيه.
ننظر حولنا فنجد أشخاصًا يركضون، فنركض معهم.
ولا نسأل:
إلى أين؟
يكفي أنهم يركضون حتى نشعر أن الوقوف خطأ.
يكفي أن يمتلك أحدهم شيئًا حتى نشعر أننا نفتقده.
يكفي أن يحقق شخص إنجازًا حتى يتحول إنجازه، بطريقة غريبة، إلى اتهام صامت لحياتنا.
وهكذا قد يمضي الإنسان سنوات لا يطارد رغباته...
بل يطارد صورة الحياة التي تعلم أنها تستحق الاحترام.
وهنا تكمن الخدعة.
قد تنجح فيها.
قد تصل فعلًا.
وقد يقف الناس حولك ويقولون:
«لقد فعلها.»
بينما تقف أنت في منتصف كل ما حققته وتسأل في سرك:
وماذا أفعل الآن بكل هذا الذي لا يشبهني؟
ليس كل نجاح انتصارًا
هناك نجاحات ندفع ثمنها أكثر مما تستحق.
قد تنجح في وظيفة تكره الإنسان الذي تصبحه داخلها.
وقد تكسب مالًا كثيرًا وتخسر الوقت الذي كنت تريد أن تعيش فيه.
وقد تحافظ على علاقة تبدو مثالية أمام الآخرين بينما تنطفئ فيها يومًا بعد يوم.
وقد تبني صورة رائعة لنفسك إلى درجة أنك تصبح أسيرًا لها.
فالنجاح لا يمكن قياسه دائمًا بما حصلت عليه.
أحيانًا يجب أن تسأل أيضًا:
ماذا خسرت كي أحصل عليه؟
لأن الحياة لا تقدم الأشياء منفصلة عن أثمانها.
كل اختيار يفتح بابًا ويغلق أبوابًا أخرى.
وكل «نعم» تقولها لطريق ما، هي في مكان آخر «لا» لطريق مختلف.
لهذا لا يكفي أن تسأل:
هل أستطيع الوصول؟
بل اسأل:
إذا وصلت... هل سأحب الإنسان الذي أصبحت عليه في الطريق؟
ذلك سؤال أصعب بكثير من سؤال النجاح.
هناك أشياء جميلة... لكنها ليست لك
ليس كل ما تعجب به يجب أن تمتلكه.
وليس كل إنسان ناجح يجب أن تصبح مثله.
وليس كل طريق جميل مناسبًا لقدميك.
قد تنظر إلى حياة شخص وتراها رائعة.
لكنها رائعة له.
وهذه الكلمة الصغيرة تغيّر كل شيء.
نحن ننسى أحيانًا أن البشر لا يريدون الأشياء نفسها.
هناك من يجد نفسه في الضجيج، وهناك من لا يستطيع أن يسمع نفسه إلا في الهدوء.
هناك من يريد أن يبني شركة ضخمة، وهناك من يريد عملًا بسيطًا يمنحه وقتًا لأطفاله.
هناك من يريد السفر طوال حياته، وهناك من يرى السعادة في بيت يعرف تفاصيله الصغيرة.
هناك من يحب المنافسة.
وهناك من لا يريد أن ينافس أحدًا أصلًا.
أيهم على حق؟
جميعهم، إذا كانوا يعرفون لماذا اختاروا ما اختاروه.
الحياة لا تفشل لأنها مختلفة عن حياة شخص آخر.
تفشل عندما تكون غريبة عن صاحبها.
كم قرارًا اتخذته لأنك كنت تخشى نظرة الآخرين؟
هذا سؤال لا يحتاج إلى إجابة سريعة.
فكر فيه.
كم مرة قلت «نعم» بينما كنت تريد أن تقول «لا»؟
كم طريقًا أكملته لأن العودة كانت ستبدو للآخرين فشلًا؟
كم شيئًا اشتريته لا لأنك احتجته، بل لأن امتلاكه سيقول شيئًا عنك؟
كم علاقة حافظت عليها لأنك كنت تخشى تفسير الناس لنهايتها؟
كم مرة أخفيت رأيًا، رغبة، حلمًا أو قرارًا لأنك لم تكن مستعدًا لتحمل السؤال الشهير:
«وماذا سيقول الناس؟»
الحقيقة التي نعرفها جميعًا ولا نعيش وفقها هي أن الناس سيقولون شيئًا في كل الأحوال.
إذا نجحت، سيتحدثون.
إذا فشلت، سيتحدثون.
إذا تزوجت، سيتحدثون.
إذا لم تتزوج، سيتحدثون.
إذا كنت غنيًا، سيجدون تفسيرًا.
وإذا كنت فقيرًا، سيجدون تفسيرًا آخر.
ثم ماذا؟
يعود كل واحد منهم إلى منزله...
وتبقى أنت داخل حياتك.
وهذا وحده سبب كافٍ لأن يكون لك رأي أكبر فيها منهم.
أن تعيش كما تريد لا يعني أن تفعل كل ما تريد
وهنا يجب ألا نخدع أنفسنا.
«حياة تشبهني» لا تعني حياة بلا مسؤوليات.
ولا تعني أن نتخذ كل رغبة عابرة دليلًا على حقيقتنا.
ولا أن نهرب من الالتزام كلما أصبح ثقيلًا ثم نقول: «هذا لا يشبهني».
النضج ليس أن تفعل كل ما تشتهي.
النضج أن تعرف أي الأثمان تستحق أن تدفعها.
قد تختار عملًا متعبًا لأن وراءه هدفًا تؤمن به.
وقد تتحمل سنوات صعبة من الدراسة لأنها تقودك إلى شيء تريده.
وقد تضحي بجزء من راحتك من أجل أشخاص تحبهم.
كل ذلك قد يشبهك تمامًا.
فالحرية ليست غياب القيود.
الحرية أن تعرف لماذا قبلت بعض القيود ورفضت غيرها.
هناك فرق بين أن تتحمل ألمًا اخترته من أجل معنى تؤمن به، وأن تقضي عمرك تتحمل حياة لم تخترها خوفًا من تغييرها.
الأول ثمن.
والثاني استنزاف.
المقارنة تستطيع أن تسرق منك حياة كاملة
في الماضي، كان الإنسان يقارن نفسه بدائرة صغيرة.
جار.
قريب.
صديق.
زميل.
أما اليوم، فيستطيع أن يفتح هاتفه صباحًا ويقارن حياته خلال عشر دقائق بمئات الأشخاص.
هذا يسافر.
وهذه تزوجت.
وذاك اشترى منزلًا.
وآخر أسس شركة.
وهذا جسده أفضل.
وذاك أصغر منك وحقق أكثر.
لكن هناك شيئًا لا تعرضه الشاشة بسهولة:
الثمن.
ترى النتيجة ولا ترى المقابل.
ترى الصورة ولا ترى اليوم كاملًا.
ترى اللحظة التي اختار صاحبها نشرها ولا ترى آلاف اللحظات التي لم ينشرها.
ثم تأخذ أفضل لحظة من حياة إنسان آخر...
وتضعها أمام يوم عادي من حياتك...
وتصدر الحكم.
كيف يمكن أن تربح هذه المقارنة؟
لا يمكنك.
لأنها لم تكن عادلة منذ البداية.
ربما لا تحتاج إلى المزيد... بل إلى التخلص من أشياء لا تخصك
نحن نتعامل مع تحسين الحياة دائمًا وكأنه عملية إضافة.
مزيد من المال.
مزيد من العلاقات.
مزيد من الإنجازات.
مزيد من الممتلكات.
مزيد من الأهداف.
لكن ماذا لو كانت بعض أفضل التحولات تبدأ بالحذف؟
أن تتوقف عن محاولة إقناع شخص لن يقتنع.
أن تتخلى عن هدف اكتشفت أنه لم يكن هدفك أصلًا.
أن تغادر منافسة لم تعد تعني لك شيئًا.
أن تتوقف عن شراء أشياء لإثبات مكانة لا تحتاج إلى إثباتها.
أن تنهي علاقة لا يبقيها سوى الخوف من الوحدة.
أن تقول:
لا أريد هذا بعد الآن.
هناك شجاعة كبيرة في السعي.
لكن هناك شجاعة لا تقل عنها في الاعتراف بأن شيئًا سعيت إليه طويلًا لم يعد يستحق بقية الطريق.
فنحن نخشى التراجع لأننا نراه إهدارًا لما مضى.
لكن السنوات التي أنفقتها في طريق خاطئ لا تصبح أكثر قيمة إذا أضفت إليها سنوات أخرى.
الحياة التي تشبهك لن تعجب الجميع
وهذه هي الضريبة.
إذا أردت حياة يفهمها الجميع، فعليك غالبًا أن تعيش وفق القواعد التي يعرفها الجميع.
أما عندما تبدأ في الاختيار بنفسك، فستظهر الأسئلة.
لماذا تركت؟
لماذا بدأت؟
لماذا لم تفعل مثل فلان؟
لماذا لا تريد ما يريده الناس؟
هل أنت متأكد؟
ألن تندم؟
وربما يكون بعضهم صادقًا في خوفه عليك.
لكن حتى أكثر الناس حبًا لك لا يستطيع أن يعيش نتائج قراراتك نيابةً عنك.
النصيحة تُسمع.
والخبرة تُحترم.
والعقل يُستخدم.
لكن في النهاية هناك أشياء لا يمكن تفويضها.
لا أحد يستطيع أن يختار عنك المعنى الذي يستحق عمرك.
لا تبحث عن نفسك وكأنها شيء ضاع منك
هناك فكرة رومانسية تقول للإنسان:
«ابحث عن نفسك.»
لكن ربما نحن لا نجد أنفسنا جاهزة في مكان ما.
ربما نبنيها.
كل قرار يضيف شيئًا.
كل رفض يرسم حدًا.
كل تجربة تكشف جزءًا.
كل خطأ يصحح اتجاهًا.
وكل مرة تقول فيها «هذا يشبهني» أو «هذا لا يشبهني»، تصبح صورتك عن نفسك أكثر وضوحًا.
ولهذا لا بأس أن تتغير.
الحياة التي كانت تشبهك في العشرين قد لا تشبهك في الأربعين.
والحلم الذي كان عظيمًا يومًا قد يصبح صغيرًا أمام إنسان تغيرت أولوياته.
التناقض ليس دائمًا نفاقًا.
أحيانًا هو دليل على أنك تعلمت.
لا يجب أن تبقى وفيًا لنسخة قديمة منك فقط لأنك أعلنت يومًا أنها أنت.
ما شكل الحياة التي تشبهك؟
ليس لدي جواب لك.
ولا ينبغي أن يكون لدي.
لكن ربما توجد أسئلة تستطيع أن تقربك منه:
لو لم يرَ أحد حياتي، ماذا سأختار منها؟
ما الشيء الذي أفعله لأنني أحبه فعلًا، لا لأنني أحب إعجاب الناس بي عندما أفعله؟
ما الثمن الذي أدفعه كل يوم ولا أؤمن بالشيء الذي أدفعه من أجله؟
من الأشخاص الذين أكون معهم أكثر قربًا من نفسي؟
ما الأشياء التي أملكها لكنها في الحقيقة تملكني؟
ماذا سأغير لو كنت متأكدًا أن أحدًا لن يسخر مني إذا فشلت؟
وأخيرًا:
لو استمرت حياتي كما هي عشر سنوات أخرى، هل سأكون سعيدًا لأنني لم أغيرها؟
قد تكون بعض الإجابات مؤلمة.
لكن الإجابة المؤلمة أكثر رحمة من حياة كاملة مبنية على سؤال لم نجرؤ على طرحه.
لا أريد حياة مثالية
لم أعد أؤمن بوجودها أصلًا.
كل حياة تحمل شيئًا ناقصًا.
كل اختيار له ثمن.
كل طريق فيه أيام نتمنى لو لم نبدأه.
وكل إنسان، مهما بدا لنا مكتملًا، يخوض معارك لا نعرف عنها شيئًا.
لذلك لا أريد حياة بلا أخطاء.
أريد أخطاءً أتعلم منها لأنها كانت أخطائي أنا.
لا أريد طريقًا بلا تعب.
أريد تعبًا أعرف لماذا أتحمله.
لا أريد أن يحب الجميع اختياراتي.
يكفيني ألا أحتاج إلى كراهية نفسي كي أرضيهم.
ولا أريد أن أصل إلى نهاية الطريق وأنا أحمل قائمة طويلة بالأشياء التي امتلكتها...
وأكتشف أنني كنت الشيء الوحيد الذي فقدته في الطريق.
ربما لن أعيش الحياة التي تخيلتها كاملة.
وربما لن أصل إلى كل مكان تمنيت الوصول إليه.
سأخسر أشياء.
وسأغيّر رأيي.
وسأختار خطأ أحيانًا.
وسأبدأ من جديد أكثر من مرة.
لا بأس.
ففي النهاية، لن تكون المأساة أن أعيش حياة ناقصة؛ كل حياة ناقصة.
المأساة أن أقضي عمري كاملًا في إتقان حياة لم تكن لي.
لهذا...
لا أريد حياةً مثالية.
أريد حياةً حين أنظر إليها أعرف صاحبها.
أريد حياةً تشبهني.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق