هل العالم أصغر مما نتخيل؟ حقيقة درجات الانفصال الست

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


لا يكفيك الكون



هل العالم فعلًا أصغر بكثير مما نتخيل؟

اختر إنسانًا لا تعرفه.

ليس صديقًا لصديقك، ولا شخصًا يعيش في مدينتك. اختر شخصًا عشوائيًا من الطرف الآخر من العالم: طبيبًا في اليابان، مزارعًا في البرازيل، موسيقيًا في الأرجنتين، أستاذًا في قرية نائية، أو رجلًا لم تسمع باسمه ولن تقابله على الأرجح طوال حياتك.

أنت لا تعرفه.

وهو لا يعرف أنك موجود.

وبينكما آلاف الكيلومترات، ولغتان مختلفتان، وثقافتان، وربما عالمان اجتماعيان لا يبدو أن بينهما أي علاقة.

لكن ماذا لو بدأنا لعبة بسيطة؟

أنت تعرف شخصًا.

ذلك الشخص يعرف شخصًا آخر.

والثاني يعرف ثالثًا.

والثالث يعرف رابعًا...

كم إنسانًا نحتاج حتى نصل إليه؟

مئة؟

ألف؟

عشرة آلاف؟

المفاجأة أن بعض أشهر الأبحاث في الشبكات الاجتماعية تشير إلى أن المسافة قد تكون أقصر بكثير مما يتخيله حدسنا.

ومن هنا ولدت إحدى أكثر الأفكار شهرة في دراسة العلاقات البشرية:

«درجات الانفصال الست».

لكن هل يعني ذلك حقًا أنك تستطيع الوصول إلى أي إنسان على الأرض عبر ستة أشخاص فقط؟

القصة الحقيقية أكثر إثارة — وأكثر تعقيدًا — من العبارة الشهيرة.

حين قرر عالم أن يختبر حجم العالم بالبشر

في ستينيات القرن العشرين، أصبح عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ستانلي ميلغرام مرتبطًا بتجارب عُرفت لاحقًا باسم تجارب العالم الصغير Small-World Experiments.

كانت الفكرة بسيطة بصورة تكاد تبدو كلعبة.

اختير أشخاص ليحاولوا إيصال رسالة إلى شخص مستهدف لا يعرفونه مباشرة.

لكن هناك شرطًا:

لا يمكنك إرسال الرسالة مباشرة إلى الهدف.

يجب أن تعطيها إلى شخص تعرفه معرفة شخصية وتعتقد أنه أقرب اجتماعيًا إلى الشخص المطلوب.

ثم يفعل ذلك الشخص الشيء نفسه.

وهكذا تنتقل الرسالة من معرفة إلى معرفة، حتى تصل — إن وصلت — إلى الهدف.

وفي الدراسة المنشورة عام 1969 بواسطة جيفري ترافرز وستانلي ميلغرام، بدأ 296 شخصًا في نبراسكا وبوسطن محاولات لبناء سلاسل معرفة نحو شخص مستهدف في ماساتشوستس. وصلت 64 سلسلة فقط إلى الهدف، وكان متوسط عدد الوسطاء في السلاسل المكتملة نحو 5.2 أشخاص.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

العبارة الشائعة تقول:

«أي شخصين في العالم يفصل بينهما ستة أشخاص.»

لكن تجربة ميلغرام الأصلية لم تثبت هذه العبارة العالمية بهذه الصيغة.

العينة كانت محدودة، والهدف محددًا، وعدد كبير من السلاسل لم يكتمل أصلًا.

ومع ذلك، كانت النتيجة مدهشة بما يكفي لتفتح بابًا كاملًا من البحث:

ربما الشبكات البشرية أصغر مما تبدو عليه جغرافيًا.

كيف يمكن لمليارات البشر أن يكونوا قريبين إلى هذه الدرجة؟

لنفترض — للتبسيط فقط — أنك تعرف 100 شخص.

وكل واحد منهم يعرف 100 شخص آخر لا تعرفهم أنت.

في الدرجة الأولى لديك:

100 شخص.

في الدرجة الثانية، نظريًا:

10,000 شخص.

وفي الثالثة:

مليون.

وفي الرابعة:

مئة مليون.

وبالطبع الواقع لا يعمل بهذه النظافة الرياضية.

أصدقاؤك يعرف بعضهم بعضًا.

وزملاؤك في العمل قد يعرفون الأشخاص أنفسهم.

وعائلتك تشترك في دوائر اجتماعية متداخلة.

لذلك لا نستطيع ببساطة ضرب العدد في مئة كل مرة.

لكن المثال يكشف قوة أساسية في الشبكات:

عدد قليل من الخطوات يستطيع أن يفتح أمامك عددًا هائلًا من الروابط المحتملة.

أنت لا تحتاج إلى معرفة ملايين البشر.

يكفي أن يعرف الأشخاص الذين تعرفهم مجموعات مختلفة، وأن يمتلك بعضهم روابط تصل إلى مجتمعات أخرى.

شخص انتقل إلى دولة أخرى.

زميل درس في جامعة أجنبية.

قريب يعمل في شركة دولية.

صديق له صديق يعمل في مجال مختلف تمامًا.

كل واحد من هؤلاء يمكن أن يكون جسرًا بين مجموعتين لم تكونا متصلتين لولاه.

وهكذا لا يصبح العالم صغيرًا لأن عدد البشر قليل.

بل لأن الشبكة التي تربطهم تستطيع اختصار المسافات بسرعة مذهلة.

ثم جاء الإنترنت واختبر الفكرة على نطاق لم يكن ممكنًا من قبل

مشكلة تجارب الستينيات واضحة:

كيف تختبر فكرة تتعلق بملايين أو مليارات البشر باستخدام بضع مئات منهم؟

بعد عقود، أعطى العصر الرقمي الباحثين شيئًا لم يكن متاحًا لميلغرام:

شبكات اجتماعية ضخمة يمكن تحليل بنيتها رياضيًا.

وفي دراسة شهيرة نُشرت عام 2008، حلل الباحثان جوري ليسكوفيك وإريك هورفيتز بيانات مجهولة الهوية من شبكة Microsoft Messenger.

كان الحجم مذهلًا:

بيانات تلخص نحو 30 مليار محادثة بين قرابة 240 مليون مستخدم، ومنها بُنيت شبكة اتصال تضم نحو 180 مليون عقدة وأكثر من 1.3 مليار علاقة.

ثم طرح الباحثان السؤال نفسه تقريبًا:

كم خطوة تفصل شخصًا عن آخر؟

النتيجة؟

بلغ متوسط أقصر مسار في الشبكة نحو:

6.6 خطوة.

والوسيط كان 6، كما أن نسبة كبيرة جدًا من المستخدمين أمكن الوصول بينهم عبر عدد قليل نسبيًا من الروابط.

توقف قليلًا أمام حجم المفارقة.

شبكة تضم مئات الملايين من الأشخاص...

ومع ذلك، فإن المسافة المتوسطة بين شخصين فيها لم تكن مئات الخطوات.

ولا عشرات الخطوات.

بل نحو سبع علاقات اتصال.

العالم كان ضخمًا في عدد سكانه...

وصغيرًا بصورة غريبة في بنيته.

لكن الإنترنت جعل العالم أصغر أكثر

لم تتوقف القصة عند Messenger.

مع ظهور الشبكات الاجتماعية العملاقة، أصبح بالإمكان دراسة شبكات تضم مئات الملايين من العلاقات الاجتماعية.

وأظهرت أبحاث لاحقة على شبكات اجتماعية أن متوسط المسافات يمكن أن يكون أقل من ست درجات في بعض البيئات الرقمية؛ فدراسات على Facebook، مثلًا، وجدت مسافات تقارب أربع درجات في الشبكة المدروسة.

لكن هنا يجب ألا نقع في خطأ مغرٍ:

هذا لا يعني أن هناك رقمًا سحريًا ثابتًا يحكم البشرية كلها.

ليس هناك قانون طبيعي يقول:

كل إنسان على الأرض يفصله عن كل إنسان آخر 5.7 شخص بالضبط.

فالنتيجة تتغير بحسب الشبكة التي ندرسها، وتعريفنا للعلاقة، والأشخاص الموجودين في البيانات، والفترة الزمنية، وطريقة الحساب.

ولهذا فإن «ست درجات من الانفصال» أفضل فهمًا باعتبارها وصفًا لفكرة العالم الصغير في الشبكات الاجتماعية، لا قانونًا كونيًا ثابتًا.

والأبحاث الحديثة في علم الشبكات ما زالت تدرس لماذا تظهر مسافات قصيرة بهذا الشكل في شبكات اجتماعية كبيرة جدًا.

المسافة الجغرافية ليست المسافة الاجتماعية

قد يعيش شخص على بعد عشرين مترًا منك ولا تعرف حتى اسمه.

وفي المقابل قد يكون بينك وبين شخص يعيش على بعد عشرة آلاف كيلومتر شخصان فقط.

وهذه واحدة من أهم الأفكار التي تكشفها الشبكات الاجتماعية:

القرب الجغرافي والقرب الاجتماعي ليسا الشيء نفسه.

يمكن أن تكون قريبًا من إنسان مكانيًا وبعيدًا عنه اجتماعيًا.

ويمكن أن تكون بعيدًا عنه مكانيًا وقريبًا منه داخل شبكة العلاقات.

تخيل أنك تعرف طبيبًا درس في لندن.

وهو يعرف أستاذًا جامعيًا.

والأستاذ يعرف باحثًا في الولايات المتحدة.

والباحث يعرف مسؤولًا في مؤسسة دولية.

فجأة أصبحت على بعد سلسلة قصيرة من شخص كنت ستعتبره خارج عالمك تمامًا.

وهذا ما يجعل بعض الأشخاص مهمين جدًا في بنية الشبكات:

إنهم لا يعرفون عددًا كبيرًا من الناس فحسب، بل يربطون عوالم مختلفة بعضها ببعض.

لماذا يبدو العالم كبيرًا إذن؟

لأننا لا نرى الشبكة.

نحن نرى علاقاتنا المباشرة فقط.

تعرف أصدقاءك.

عائلتك.

زملاءك.

جيرانك.

وربما بضع مئات من الأشخاص الآخرين بدرجات مختلفة.

لكن ما لا تستطيع رؤيته هو الشبكات التي تبدأ خلف كل واحد منهم.

أنت تعرف أحمد.

لكن ربما لا تعرف أن أحمد يعرف شخصًا عاش عشر سنوات في الصين.

وهذا الشخص يعرف أستاذًا في جامعة هناك.

والأستاذ يعرف باحثًا يعمل في مؤسسة عالمية.

وهكذا.

من منظورك الشخصي يبدو العالم مليئًا بالغرباء.

ومن منظور الشبكة قد يكون كثير من هؤلاء الغرباء قريبين منك بعدد قليل من الحواف.

إنها مسألة منظور.

نحن نعيش داخل الشبكة، ولذلك لا نستطيع رؤية حجمها الحقيقي بسهولة.

لكن لماذا لا نستطيع الوصول إلى أي شخص بسهولة إذن؟

هنا يوجد فرق بالغ الأهمية بين:

وجود الطريق

و

معرفة الطريق.

قد تكون بينك وبين شخص مشهور أربعة أشخاص فقط.

لكن هل تعرف من هم الأربعة؟

غالبًا لا.

تخيل مدينة تحتوي آلاف الطرق.

قد يكون بين منزلك ومكان ما طريق قصير جدًا.

لكن إذا لم تكن لديك خريطة، قد تسلك طريقًا أطول بكثير.

الشبكات الاجتماعية تعمل بطريقة مشابهة.

الدراسات الرياضية تستطيع تحليل شبكة كاملة والعثور على أقصر مسار بين شخصين.

لكن الإنسان العادي لا يملك خريطة علاقات البشرية.

لذلك عندما تقول:

«أريد الوصول إلى فلان»

لا يظهر أمامك خط مضيء يقول:

أنت ← صديقك ← زميله ← أستاذه ← فلان.

ولهذا كانت تجربة ميلغرام مثيرة: الأشخاص لم يمتلكوا خريطة الشبكة، بل حاولوا تخمين الاتجاه الاجتماعي الصحيح في كل خطوة.

وبعض السلاسل وصلت.

وكثير منها لم يصل.

إذن قد يكون العالم صغيرًا من الناحية البنيوية...

لكن التنقل داخله ليس دائمًا سهلًا.

ليس جميع البشر متساوين داخل الشبكة

هناك أيضًا حقيقة قد لا نحبها كثيرًا:

الشبكات البشرية ليست ديمقراطية تمامًا.

بعض الأشخاص يمتلكون عددًا كبيرًا جدًا من العلاقات.

وبعضهم يمتلك عددًا قليلًا.

بعض الأشخاص يتحركون بين مدن ودول ومؤسسات مختلفة.

وآخرون تبقى معظم علاقاتهم داخل مجتمع صغير متماسك.

وفي دراسة Messenger نفسها وجد الباحثون أن الناس يميلون إلى التواصل أكثر مع أشخاص يشبهونهم من حيث عوامل مثل اللغة والعمر والموقع الجغرافي.

وهذا يعني أن العالم الصغير لا يعني عالمًا بلا حدود.

ما زالت اللغة والجغرافيا والثقافة والطبقة الاجتماعية والتعليم والعمل ترسم تجمعات داخل الشبكة.

نحن قريبون...

لكننا نتجمع في دوائر.

والسحر الحقيقي يحدث عند الأشخاص والعلاقات التي تعبر من دائرة إلى أخرى.

ربما قابلت شخصًا غيّر حياتك لأن شخصًا ثالثًا كان موجودًا

هنا تتحول المسألة من رياضيات إلى حياة.

فكر في أكثر الأشخاص تأثيرًا في حياتك خارج أسرتك.

كيف التقيت بهم؟

صديق قدمك إلى صديق؟

وظيفة أخبرك عنها شخص؟

شخص تعرفت إليه في مناسبة لم تكن تخطط لحضورها؟

زميل قادك إلى فرصة؟

زوج أو زوجة التقيت بهما بسبب مجموعة من العلاقات والمصادفات؟

كثير من التحولات الكبرى في حياتنا تمر عبر سلاسل بشرية قصيرة.

قد تغير وظيفة حياتك لأن شخصًا يعرف شخصًا يعرف أنك تبحث عن عمل.

وقد تبدأ شراكة لأن صديقًا جمع شخصين لم يكونا يعرفان بعضهما.

وقد تصل فكرة إلى ملايين البشر لأنها انتقلت عبر عدد قليل من العقد شديدة الاتصال.

وهنا يصبح مفهوم «العالم الصغير» أكثر من تجربة مسلية.

إنه طريقة لفهم كيف تنتقل:

الأخبار.

الأفكار.

الفرص.

المعلومات.

الابتكارات.

بل وحتى الأمراض.

فالشبكة التي تستطيع نقل رسالة بسرعة تستطيع أيضًا نقل أشياء أخرى.

هل جعلتنا الشبكات الاجتماعية أقرب فعلًا؟

رياضيًا، في بعض الشبكات: نعم، المسافات قصيرة بصورة مذهلة.

لكن إنسانيًا؟

المسألة مختلفة.

يمكن أن يكون بينك وبين إنسان آخر ثلاث علاقات فقط...

ولا تعرف عنه شيئًا.

يمكن أن تمتلك آلاف المتابعين...

ولا تجد شخصًا تتحدث معه عندما تحتاج إليه.

يمكن أن يعيش مليارات البشر داخل شبكة مترابطة...

ثم ينقسموا إلى مجتمعات لا تكاد تسمع بعضها بعضًا.

وهنا يظهر الفرق بين:

الاتصال Connection

و

القرب Closeness.

الأول تستطيع الشبكات قياسه.

أما الثاني فلا تستطيع معادلة رياضية اختزاله بسهولة.

أن يكون بينك وبين شخص ثلاث خطوات لا يعني أنك قريب منه نفسيًا أو ثقافيًا أو إنسانيًا.

لقد جعلت التكنولوجيا الوصول إلى البشر أسرع.

لكنها لم تجعل فهم البشر تلقائيًا أسهل.

ثمانية مليارات إنسان... لكن المسافات قصيرة

هذه ربما أكثر نتيجة تثير الدهشة.

ننظر إلى البشرية فنرى مليارات الوجوه.

آلاف المدن.

مئات الدول والمناطق.

لغات وثقافات وحدودًا ومحيطات.

فيبدو لنا أن كل إنسان يعيش في عالم منفصل.

لكن عندما نحول البشرية من خريطة جغرافية إلى شبكة علاقات، تتغير الصورة.

الأبحاث من تجربة ترافرز وميلغرام الصغيرة في الستينيات إلى تحليلات الشبكات الرقمية التي ضمت مئات الملايين من الأشخاص دعمت فكرة أساسية واحدة:

الشبكات الاجتماعية الكبيرة يمكن أن تمتلك مسافات قصيرة بصورة غير متوقعة.

ليس لأن الأرض صغرت.

ولا لأن عدد البشر أصبح قليلًا.

بل لأن كل إنسان يمثل عقدة متصلة بعقد أخرى، وبعض تلك العقد تفتح أبوابًا إلى شبكات كاملة لا نراها.

ولذلك، في المرة القادمة التي تمر فيها بشخص غريب في مطار أو شارع أو مدينة بعيدة، تذكر شيئًا:

قد تكون لا تعرفه إطلاقًا.

وقد تكون حياتكما مختلفتين تمامًا.

لكن داخل الخريطة الهائلة وغير المرئية للعلاقات البشرية...

قد لا يكون غريبًا عنك بالقدر الذي تتخيله.

وربما السؤال ليس:

هل العالم أصغر مما نتخيل؟

بل:

كم شخصًا فقط يقف بينك وبين بقية العالم؟



العلق جمعها علاقات 


المراجع :

  1. Travers, J., & Milgram, S. (1969). An Experimental Study of the Small World Problem. Sociometry, 32(4), 425–443.
  2. Leskovec, J., & Horvitz, E. (2008). Planetary-Scale Views on a Large Instant-Messaging Network. Proceedings of the World Wide Web Conference.
  3. Backstrom, L., Boldi, P., Rosa, M., Ugander, J., & Vigna, S. (2012). Four Degrees of Separation. ACM Web Science Conference.




                                                                              تليد..
  1. Boguñá, M. et al. (2023). Why Are There Six Degrees of Separation in a Social Network? Physical Review X.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة