تفاصيل صغيرة تصنعني… ولا تظهر في سيرتي الذاتية

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


الهدف في العروق وليس فيما حول العُروق


                                

  • قال الله سبحانه جل في عُلاه : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]
  • قال الله سبحانه جل في عُلاه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾  [فصلت: 53]
  • لو طلب مني أحد أن أعرّف بنفسي، سأستطيع أن أقدم له الإجابة المعتادة.

    سأقول له ما أعمل، وما الذي أهتم به، وربما أحدثه عن بعض الأشياء التي أنجزتها أو التي أحاول الوصول إليها. سأعطيه معلومات صحيحة عني، لكنها — رغم صحتها — لن تكون أنا بالكامل.

    فالسيرة الذاتية تستطيع أن تخبرك أين عمل الإنسان، وماذا درس، وما الذي أنجزه، لكنها لا تستطيع أن تخبرك لماذا يتوقف أمام جملة معينة طويلًا، ولماذا يرتاح في مكان دون آخر، وما الأشياء التي تجعله يبتسم حين لا يراه أحد.

    ومع مرور السنوات بدأت أعتقد أن الإنسان الحقيقي ربما لا يسكن في الأشياء الكبيرة التي يقولها عن نفسه.

    ربما نسكن في التفاصيل الصغيرة التي لا يسألنا عنها أحد.

    وهذه بعض التفاصيل التي تصنعني.

    أحب أن أفهم الأشياء أكثر من مجرد معرفتها

    لا تكفيني المعلومة دائمًا.

    إذا عرفت أن شيئًا حدث، أجدني أسأل: لماذا حدث؟

    وإذا عرفت لماذا حدث، يظهر سؤال آخر: ولماذا بهذه الطريقة تحديدًا؟

    وربما لهذا السبب أستطيع أحيانًا أن أقضي وقتًا طويلًا مع فكرة تبدو بسيطة جدًا.

    قد تمر جملة أمامي، فيتجاوزها غيري خلال ثوانٍ، بينما أبقى أفكر فيها.

    ليس لأن الجملة عظيمة بالضرورة، بل لأنها فتحت بابًا في رأسي.

    وأنا أحب الأبواب التي تفتحها الأفكار.

    أحب تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن السؤال الذي ظننته صغيرًا يخفي وراءه عشرة أسئلة أخرى.

    ولهذا ربما كانت الكتابة قريبة مني.

    فهي تمنحني فرصة ألا أمر على الفكرة سريعًا.

    أن أمسك بها قليلًا.

    أقلبها.

    أختلف معها.

    ثم أتركها بعدما أعرف عنها أكثر مما كنت أعرف قبل أن أتوقف عندها.

    التفاصيل تلفتني

    قد أتذكر من يوم كامل شيئًا لم ينتبه إليه أحد.

    طريقة قال بها شخص جملة.

    مكان صمت فيه بينما كان يستطيع الكلام.

    تغيرًا صغيرًا في وجه إنسان.

    كلمة لم تكن في مكانها.

    أو شيئًا بسيطًا في مكان مررت به.

    أحيانًا تكون التفاصيل أكثر صدقًا من المشهد الكبير.

    فالإنسان يستطيع ترتيب كلامه، لكنه لا يستطيع دائمًا ترتيب كل التفاصيل المحيطة به.

    ولهذا أجد نفسي أراقبها.

    لا أفعل ذلك بحثًا عن أخطاء الناس، وإنما لأن التفاصيل بالنسبة إليّ جزء من فهم الصورة.

    وربما لهذا أيضًا أحب الكتابة عن أشياء يمر بها الجميع، لكننا نادرًا ما نتوقف عندها.

    فاللحظة العادية تصبح غريبة جدًا إذا نظرت إليها بما يكفي.

    أحب المساحة التي أكون فيها وحدي

    الوحدة عندي ليست دائمًا غياب الناس.

    أحيانًا تكون عودةً إلى نفسي.

    هناك أوقات أحتاج فيها إلى مساحة لا أشرح فيها شيئًا لأحد.

    لا حديث يجب أن أتابعه.

    ولا صورة يجب أن أظهر بها.

    ولا توقعات ينبغي أن أحققها.

    أنا وأفكاري فقط.

    وفي هذه المساحات تأتي بعض أكثر الأسئلة صدقًا.

    ربما لأن الضجيج يجعلنا نسمع كل شيء إلا أنفسنا.

    وحين يهدأ العالم قليلًا، تبدأ أشياء كثيرة في الداخل بالكلام.

    بعضها جميل.

    وبعضها مزعج.

    وبعضها سؤال كنت أؤجله منذ زمن.

    لكنني أصبحت أقدّر هذه اللحظات.

    فالإنسان يحتاج من وقت إلى آخر إلى أن يجلس مع الشخص الذي سيبقى معه طوال حياته:

    نفسه.

    لا أحتاج دائمًا إلى حدث كبير كي يكون يومي جميلًا

    مع مرور الوقت تغيرت فكرتي عن الأيام الجيدة.

    لم تعد تحتاج دائمًا إلى مناسبة كبيرة.

    أحيانًا يكفيني حديث جميل.

    فكرة جديدة.

    فنجان قهوة في الوقت المناسب.

    مقال انتهيت منه وشعرت أنه يشبه ما كان في رأسي.

    ضحكة جاءت من دون ترتيب.

    مكان هادئ.

    أو ساعة مرت دون أن أشعر أنني في سباق مع شيء.

    ربما كنا في أعمار أصغر نبحث عن السعادة في الأشياء التي نستطيع الحديث عنها أمام الناس.

    أما الآن فأصبحت أرى أن بعض أجمل الأشياء لا تصلح حتى أن تكون قصة.

    تحدث.

    تسعدك.

    ثم تنتهي.

    ولا يعرف بها أحد.

    وهذا لا ينقص من قيمتها شيئًا.

    أحب الأسئلة التي ليس لها جواب سريع

    لا أعرف متى بدأ هذا الأمر تحديدًا.

    لكن الأسئلة الجاهزة لا تجذبني بقدر الأسئلة التي تجعلني غير متأكد.

    من نحن عندما لا يرانا أحد؟

    كم فكرة في رؤوسنا اخترناها فعلًا؟

    لماذا يتغير معنى الشيء نفسه مع مرور العمر؟

    هل الإنسان الذي كنتُه قبل عشر سنوات هو أنا فعلًا؟

    ما الذي يجعل لحظة عادية تتحول بعد سنوات إلى ذكرى لا تُنسى؟

    هذه الأسئلة لا أبحث لها دائمًا عن إجابة نهائية.

    ربما لا توجد.

    لكنني أحب ما تفعله الأسئلة بعقل الإنسان.

    السؤال الجيد لا يمنحك معلومة فقط.

    أحيانًا يغير المكان الذي تنظر منه إلى الأشياء.

    لا يعرف الناس مقدار ما يدور داخل الإنسان الصامت

    هناك لحظات أكون فيها قليل الكلام، لكن هذا لا يعني أن رأسي هادئ.

    قد يحدث العكس تمامًا.

    أفكر في أكثر من شيء.

    أعيد موقفًا.

    أبني فكرة.

    أراجع قرارًا.

    أو أراقب شيئًا يحدث أمامي.

    والغريب أننا نحكم على البشر غالبًا بما يظهر منهم.

    المتحدث يبدو ممتلئًا بالأفكار، والصامت يبدو وكأنه لا يملك شيئًا ليقوله.

    لكن بعض أكثر البشر ازدحامًا يعيشون خلف وجوه هادئة.

    وأنا أعرف أن جزءًا كبيرًا مني لا يظهر في الحديث الأول.

    وربما لا يظهر في العاشر.

    هناك أشياء لا أشرحها بسرعة، ليس لأنها أسرار، وإنما لأنها تحتاج إلى وقت كي أجد لها الكلمات الصحيحة.

    أحب أن أصنع شيئًا من فكرة

    هناك متعة خاصة لا أشعر بها بالطريقة نفسها مع أشياء كثيرة.

    أن يكون في رأسي شيء غير موجود، ثم أراه أمامي.

    قد يكون مقالًا.

    عنوانًا.

    مشروعًا.

    أو حتى تعديلًا صغيرًا على شيء أعمل عليه.

    في البداية لا يوجد إلا تصور.

    ثم تبدأ المحاولات.

    يتغير.

    يتعطل.

    أعيد ترتيبه.

    أحذف منه.

    أضيف إليه.

    ثم تأتي لحظة يصبح فيها الشيء الذي كان داخل رأسي موجودًا خارجه.

    أحب هذه اللحظة.

    ربما لأنها تذكرني بأن الإنسان لا يعيش في عالم جاهز بالكامل.

    نستطيع أن نضيف شيئًا.

    ولو كان صغيرًا جدًا.

    ولهذا لا أعتقد أن متعتي الحقيقية في الوصول فقط.

    هناك جزء مني يستمتع بالبناء نفسه.

    بعض الأشياء لا أشاركها لأنها تخصني

    نعيش في زمن أصبح فيه الإنسان قادرًا على مشاركة كل شيء تقريبًا.

    طعامه.

    مكانه.

    رحلته.

    رأيه.

    لحظته السعيدة.

    حتى حزنه.

    لكنني لا أعتقد أن كل لحظة جميلة تحتاج إلى جمهور.

    هناك أشياء أحب أن تبقى لي.

    ذكرى لا يعرف تفاصيلها أحد.

    لحظة جميلة لم أصورها.

    فكرة لم أنشرها.

    حديث بقي بيني وبين صاحبه.

    ليس كل ما نخفيه سرًا.

    بعض الأشياء نحفظها لأنها ثمينة.

    وأعتقد أن الإنسان يحتاج إلى جزء من حياته لا يعرفه العالم.

    مكان داخلي لا توجد فيه كاميرا ولا تعليق ولا إعجاب ولا رأي شخص آخر.

    شيء يخصه وحده.

    أقدّر من أستطيع أن أكون طبيعيًا معه

    لا أقيس قرب الناس بعدد السنوات فقط.

    هناك أشخاص تعرفهم طويلًا، ومع ذلك تظل منتبهًا لكل كلمة أمامهم.

    وهناك من تشعر معه أن المسافة اختفت سريعًا.

    أصبحت أقدّر الإنسان الذي لا أحتاج معه إلى أداء دور.

    لا أحتاج أن أكون أكثر ذكاءً مما أنا عليه.

    ولا أكثر قوة.

    ولا أكثر مرحًا.

    ولا أن أملأ كل لحظة صمت بالكلام.

    فالعلاقات المريحة بالنسبة إليّ ليست التي نتحدث فيها طوال الوقت.

    بل التي لا يصبح فيها الصمت مشكلة.

    أن تجلس مع إنسان وأنت مطمئن أنك لست مطالبًا بإثبات شيء.

    هذه راحة لا يمكن قياسها بسهولة.

    أحب أن أغيّر رأيي عندما أجد سببًا حقيقيًا

    ربما يبدو تغيير الرأي للبعض ضعفًا.

    أما أنا فأراه من الأشياء التي أحاول الاحتفاظ بها.

    إذا ظهرت لي معلومة أفضل، لماذا أظل متمسكًا بفكرة قديمة فقط لأنني قلتها يومًا؟

    أنا لست مطالبًا بالدفاع عن نسخة سابقة مني إلى الأبد.

    من حقي أن أتعلم.

    ومن حقي أن أقول:

    كنت أرى الأمر بطريقة مختلفة.

    قد أكون مخطئًا اليوم أيضًا.

    وهذه الفكرة تمنحني راحة غريبة.

    فأنا لا أحتاج إلى أن أكون صحيحًا طوال الوقت.

    أحتاج فقط إلى ألا أجعل كبريائي أكبر من الحقيقة التي أراها.

    أحب البدايات التي لا يعرف عنها أحد

    هناك جمال خاص في الشيء قبل أن يراه الناس.

    فكرة في رأسك.

    مشروع لم تعلن عنه.

    صفحة فارغة.

    محاولة أولى سيئة جدًا لا يعرف بها أحد.

    في هذه المرحلة يكون الشيء حرًا.

    لا توجد توقعات.

    لا أحد يسأل متى سينتهي.

    ولا أحد يحكم على النتيجة.

    أنت والشيء الذي تحاول صنعه.

    ربما لهذا أحب بدايات بعض الأفكار أكثر من نهاياتها.

    في البداية توجد كل الاحتمالات.

    يمكن للشيء أن يصبح أي شيء.

    لا أعرف نفسي بالكامل

    وربما هذه أهم التفاصيل كلها.

    بعد كل هذه السنوات، لا أستطيع أن أقول إنني فهمت نفسي تمامًا.

    ما زالت بعض ردود أفعالي تفاجئني.

    ما زلت أكتشف أن شيئًا كنت أظنه مهمًا لم يعد يعني لي الكثير.

    وأجد أحيانًا أن شيئًا لم أكن أهتم به أصبح جزءًا أساسيًا من حياتي.

    الإنسان ليس ملفًا ننتهي من كتابته في عمر معين.

    نحن نتغير أثناء القراءة.

    ولهذا عندما أقول: «أنا»، فأنا لا أتحدث عن شيء ثابت بالكامل.

    أتحدث عن قصة ما زالت تتحرك.

    هذه أنا أيضًا

    ربما لن تظهر أي من هذه الأشياء في سيرة ذاتية.

    لن يسألني أحد في معاملة رسمية عن نوع الأسئلة التي أحبها.

    لن أضع ضمن إنجازاتي أنني أستمتع بلحظة هادئة.

    ولن تكون ملاحظة التفاصيل مهارة أكتبها بالضرورة تحت اسمي.

    لكنني حين أفكر في الأمر أجد أن هذه الأشياء أقرب إليّ من معلومات كثيرة يعرفها الناس عني.

    فنحن لا نصبح أنفسنا فقط بالأحداث الكبرى.

    نصبح أنفسنا بالتكرار.

    بما ننتبه إليه.

    بما نتجاهله.

    بالأشياء التي تضحكنا.

    بالأسئلة التي تطاردنا.

    بالأماكن التي نشعر فيها بالراحة.

    وبالأشياء التي نفعلها عندما لا ينتظر منا أحد شيئًا.

    ولهذا، إذا أردت يومًا أن تعرف إنسانًا فعلًا، فلا تسأله فقط:

    ماذا تعمل؟

    ماذا درست؟

    ماذا حققت؟

    اسأله عن التفاصيل.

    فالإنسان الذي يظهر في سيرته الذاتية يخبرك بما فعله في حياته… أما التفاصيل الصغيرة فقد تخبرك من هو.





                                                                                                  تليد..

    تعليقات

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة