الأشياء التي لا أساوم عليها مهما كان المقابل

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


ماهو كل يوم للنشامى عيد

(ولستُ أكتب هذه المبادئ لأزكّي نفسي، ولا لأقف في موضع من اكتملت خصاله؛ فأنا أعرف من تقصيري ما يجعلني أحوج إلى تهذيب نفسي من الحديث عن فضائلها. أخطئ، وأضعف، وقد تغلبني نفسي فيما أعرف أن الصواب خلافه. وما هذه الصفات إلا معانٍ أحاول أن أُربّي نفسي عليها، مسترشدًا بما أمر الله به من العدل والإحسان والصدق والعفو وحسن الخلق. فإن أصبتُ منها شيئًا فذلك من فضل الله وتوفيقه، وإن قصّرت فالنقص مني. ولست أطلب كمالًا ليس للبشر، وإنما أرجو أن ألقى الله يومًا وقد كنتُ في سعيٍ صادق لأن أكون اليوم خيرًا مما كنتُ بالأمس)

الأشياء التي لا أساوم عليها

لستُ ممّن يجعلون الحياة ميدانًا لإثبات الصلابة.

لقد علّمتني الأيام أنَّ شيئًا من اللين يحفظ للإنسان نفسه، وأنَّ التراجع عن رأيٍ تبيّن فساده ليس هزيمة، وأنَّ الاعتذار لا ينتقص من الهيبة، وأنَّ بعض الخصومات لا تستحق حتى شرف الاستمرار فيها.

أستطيع أن أتنازل عن مقعدٍ، وعن رأيٍ، وعن رغبةٍ عابرة، وعن مكسبٍ أجد أن ثمنه أفدح من نفعه.

وأستطيع أن أقول لمن خالفني: لعلّك أصبت وأخطأتُ.

ولكنني، مع ذلك، لستُ قابلًا للمساومة في كل شيء.

ففي داخلي أشياء قليلة لا أريد أن تبلغها يد المقايضة؛ لأنني إن خسرتها ثم ربحت ما وراءها، فلست متأكدًا أنَّ الذي سيقف في الجهة الأخرى من الصفقة سيكون أنا.

ومع تقدّم العمر بدأت أفهم أنَّ السؤال ليس:

كم ربحت؟

بل:

ماذا أبقيتَ منك وأنت تربح؟

كرامتي ليست مزادًا

لا أفهم الكرامة على أنها غطرسة.

ولا أرى رفع الصوت هيبة، ولا القسوة قوة، ولا أعتقد أن الرجل يصون قدره بأن يجعل الآخرين يشعرون بصغرهم.

الكرامة عندي أهدأ من ذلك بكثير.

أن أعرف متى أبقى.

ومتى أغادر.

ومتى أعتذر.

ومتى أرفض أن أعتذر عن شيء لم أفعله لمجرد أن أحافظ على مكانٍ لم يعد يحفظني.

أستطيع أن أغفر إساءة، وأن أقبل زلّة، وأن ألتمس للإنسان عذرًا؛ فنحن جميعًا نمر بأيام لا نشبه فيها أفضل ما فينا.

لكنني لا أريد علاقةً لا تستقيم إلا بانحنائي.

ولا مودةً يُشترط لبقائها أن أقبل الهوان.

ولا بابًا أقف أمامه طويلًا حتى أنسى أن لي قدمين تستطيعان حملي إلى باب آخر.

ومن أجمل ما نُقل عن علي بن أبي طالب:

«قيمة كل امرئ ما يُحسن.»

وقد بلغ إعجاب الجاحظ بهذه الكلمة أن عدّها من جوامع الكلام التي يغني قليلها عن كثيرها.

وأنا أقرأها بمعنى يتجاوز الصنعة والمهارة: قيمة الإنسان لا يمنحها له من رضي عنه، ولا يسلبها منه من أعرض عنه.

لهذا لا أريد أن أستجدي قيمتي من أحد.

لا أساوم على عقلي

أستطيع أن تسمعني رأيك كاملًا.

بل أريد أن أسمعه.

وأحب الرأي الذي يربكني أكثر من الرأي الذي يصفق لما أعرفه سلفًا.

وقد أخرج من نقاش معك وأنا أحمل رأيك بدل رأيي، ولن أجد في ذلك غضاضة.

لكنني لا أستطيع أن أمنحك عقلي ثم أطلب منك أن تفكر نيابة عني.

هناك فارق شاسع بين أن تقنعني وأن تستعير مني حقي في الاقتناع.

وهذه المسألة قديمة في النفس البشرية.

فقد لاحظ ابن خلدون أن الإنسان قد يندفع إلى تقليد من يراه غالبًا، وكتب عبارته الشهيرة:

«المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب.»

ثم ردّ ذلك إلى اعتقاد النفس الكمال فيمن غلبها.

وهذه الفكرة تخيفني.

أن أتخذ رأيًا لا لأنه حق، بل لأن صاحبه قوي.

أن أرتدي فكرة لأن الأكثرية ترتديها.

أن أخشى السؤال حتى لا أبدو مختلفًا.

قد أكون مخطئًا.

بل كنت مخطئًا في أشياء، وسأكون مخطئًا في أشياء أخرى.

لكنني أفضّل خطأً وصلت إليه بعقل يبحث، ثم صححته، على صوابٍ رددته كالببغاء ولم أعرف لماذا كان صوابًا.

عقلي ليس قلعةً أمنع الآخرين من دخولها، ولكنه أيضًا ليس فندقًا يقيم فيه كل عابر.

لا أساوم على الحقيقة حتى إذا أحرجتني

الحقيقة جميلة ما دامت تقف في صفنا.

وحين تنتقل إلى الصف الآخر نكتشف مقدار حبنا الحقيقي لها.

من السهل أن أقول: أنا مع الحق.

الأصعب أن يظهر الحق على لسان شخص لا أحبه.

أن يثبت أنني أخطأت في تقدير إنسان.

أن أكتشف أن موقفًا دافعت عنه طويلًا لم يكن كما ظننت.

هنا يبدأ الامتحان.

هل أبحث عن الحقيقة، أم كنت أبحث عن شاهدٍ يؤيدني؟

أنا لا أريد أن أصبح أسيرًا لكلمة قلتها بالأمس.

فإذا ظهر لي اليوم ما لم أعرفه بالأمس، فما الفضيلة في أن أظل مخطئًا حتى أبدو ثابتًا؟

الثبات فضيلة حين يكون على المبدأ.

أما الثبات على الخطأ بعد ظهوره فليس ثباتًا؛ إنه مكابرة ترتدي ثياب المبدأ.

ولهذا أحب في التراث العربي تلك القيمة التي تجعل إحسان المرء وعلمه ميزانًا له، لا مجرد دعواه. فقد نُقل قول علي بن أبي طالب: «الناس أبناء ما يحسنون»، وهي عبارة تجعل قيمة الإنسان فيما يُتقنه ويعرفه، لا في الضجيج الذي يصنعه حول نفسه.

لا أساوم على كلمتي

أخاف من الوعود السهلة.

لأنَّ الوعد لحظة قصيرة، أما الوفاء فقد يكون طريقًا طويلًا.

لذلك لا أحب أن أقول «أعدك» إلا وأنا أعرف أن لهذه الكلمة تبعة.

قد أعجز بعد ذلك.

وقد تأتي ظروف لم أحسب لها حسابًا.

فأنا لا أملك الغد.

لكنني على الأقل لا أريد أن تخرج الكلمة مني وأنا أعرف منذ لحظتها أنني لا أنوي حملها.

هناك أشخاص يمتلكون قدرة عجيبة على الكلام الجميل.

يمنحونك في ساعة واحدة من الوعود ما يحتاجون إلى ثلاثة أعمار كي يوفوا به.

لا أريد هذه البلاغة.

أفضل جملة جافة صادقة على وعد بديع كاذب.

فالكلمة ليست صوتًا ينتهي حين يصمت اللسان.

بعض الكلمات تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن نقولها.

لا أساوم على حقي في أن أقول: لا أعرف

أصبحت أحب هذه الجملة.

لا أعرف.

في زمنٍ يبدو فيه أن الجميع يعرفون كل شيء، أصبحت أراها من أشرف الإجابات حين تكون صادقة.

لا أعرف.

سأبحث.

لم أفهم بعد.

قد أكون مخطئًا.

هذه ليست عبارات نقص عندي.

بل هي سياج يحول بين الإنسان وبين ادعاء ما ليس له.

وأعتقد أن جزءًا كبيرًا من فساد الفكر يبدأ حين يشعر المرء أن عليه أن يكون صاحب جواب في كل مجلس.

ليس مطلوبًا مني أن أمتلك رأيًا في كل شيء.

هناك علوم أفني رجال أعمارهم في دقائقها، وليس من الوقار أن أقرأ عنها عشر دقائق ثم أجلس كأنني خاتمة المحققين.

كلما اتسعت معرفتي بشيء رأيت أطراف جهلي به أكثر.

ولذلك لا أخجل من الفراغات في معرفتي.

أخجل فقط أن أملأها بالادعاء.

لا أساوم على الوقت

كان المال فيما مضى يبدو لي أثمن مما يبدو الآن.

لا لأن المال فقد أهميته.

بل لأنني اكتشفت شيئًا أثمن منه بكثير:

العمر.

يمكنني أن أخسر مالًا ثم أستعيده.

أخسر فرصة ثم تأتي غيرها.

أفقد شيئًا فأشتري مثله، وربما أفضل منه.

لكنني لم أرَ رجلًا في التاريخ استعاد ظهيرة الثلاثاء التي أهدرها قبل عشر سنوات.

الوقت لا يعود.

وهذه الحقيقة، على بساطتها، مرعبة.

لذلك بدأت أسأل عن ثمن الأشياء بطريقة أخرى.

هذا الخلاف، كم سيأخذ مني؟

هذا الغضب، كم ليلة سيأكل؟

هذا الشخص، كم سنة سأقضي محاولًا إقناعه بشيء لا يريد فهمه؟

وهذا الهدف الذي أطارده، إذا وصلت إليه بعد أن أعطيته أجمل أعوامي، هل سأراه جديرًا بالفاتورة؟

لقد قال المتنبي:

«الرأي قبل شجاعة الشجعان.»

وأجد في البيت معنى يتجاوز الحرب: ليس الإقدام وحده فضيلة؛ فقبل أن تبذل قوتك، عليك أن تسأل إن كان الموضع يستحق بذلها أصلًا.

فليست كل معركة تستحق شجاعتي.

وبعض انتصاراتي الحقيقية كانت في الأشياء التي قررت ألا أدخلها.

لا أساوم على أهلي ومن أحب

يمكن أن نختلف.

وقد نغضب.

وأعرف من عيوب القريب ما لا يعرفه البعيد.

لكنني لا أفهم المحبة بوصفها اتفاقًا دائمًا.

الوفاء عندي يظهر أحيانًا في لحظة الاختلاف أكثر مما يظهر في لحظة الصفاء.

أستطيع أن أخاصم من أحب، لكنني لا أبيعه.

أستطيع أن أعاتبه، لكنني لا أجعل ضعفه مادةً لمجلس.

وما قيل لي في أمانٍ لا يتحول عند الخصومة إلى سلاح.

هذه عندي من أوضح العلامات التي تكشف معادن الناس.

فليس النبيل من يحفظ سرك وهو يحبك فقط.

النبيل من يظل يعرف أن السر أمانة بعد أن تتغير المحبة.

والخصومة التي تجعل الإنسان يهتك كل ستر عرفه عن صاحبه تقول شيئًا عن أخلاقه هو، لا عن خصمه.

لا أساوم على ألا أظلم حين أملك القدرة

من السهل أن تكره الظلم وأنت المظلوم.

لكنني لا أظن أن هذا يكفي.

السؤال الذي يخيفني أكثر:

ماذا سأفعل لو أصبحت أنا الأقوى؟

لو امتلكت المال.

أو السلطة.

أو المعرفة.

أو الحجة.

أو حتى القدرة على جرح شخص يعرف أنه لا يستطيع الرد.

هل ستبقى مبادئي كما هي؟

أم سأكتشف فجأة مبررات كثيرة لما كنت أسميه ظلمًا حين كان يقع عليّ؟

القوة لا تصنع الأخلاق دائمًا.

أحيانًا تكشف الأخلاق التي كانت مختبئة.

ولا أريد أن أكون إنسانًا يطلب الإنصاف حين يكون ضعيفًا، ثم ينسى معنى الإنصاف عندما يصبح قادرًا.

ولهذا أحتاج إلى ميزان بسيط أعود إليه:

هل كنت سأقبل هذا لو كنت في الجهة الأخرى؟

ليس ميزانًا كاملًا، لكنه ينقذني أحيانًا من نفسي.

لا أساوم على أن أبقى أنا

وهذه أصعبها.

لأن الإنسان لا يفقد نفسه دفعة واحدة.

لا يستيقظ صباحًا فيجد شخصيته قد اختفت.

نفقد أنفسنا بالتقسيط.

تنازل صغير هنا.

صمت عن شيء كان ينبغي أن نتكلم فيه.

موافقة لا نؤمن بها كي نُقبل.

تصنع أمام شخص نريد إعجابه.

مبدأ نؤجله «هذه المرة فقط».

ثم تتكرر «هذه المرة».

إلى أن يقف الإنسان أمام مرآته بعد سنوات، فيعرف الوجه ولا يعرف صاحبه.

أنا مستعد للتغير.

بل أريده.

لا أريد أن أموت بالأفكار نفسها التي ولدت بها.

أريد أن يهذبني العلم، وأن تكسر التجربة شيئًا من غروري، وأن تصحح الأيام بعض أحكامي.

لكنني أريد أن يكون تغيري نموًا، لا ذوبانًا.

أن أصبح نسخة أوسع مني، لا نسخة أصغر صُنعت كي تناسب مقاس الآخرين.

ولعل في ملاحظة ابن خلدون عن ميل المغلوب إلى الاقتداء بالغالب تحذيرًا دائمًا من أن الإعجاب بالقوة قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى تسليم للهوية.

ولهذا لا أخشى أن أتعلم من أحد.

أخشى فقط أن أقلده حتى أنسى لماذا كنت أنا.

لا أساوم على علاقتي بالله

يمكن أن تتبدل أشياء كثيرة في الإنسان.

ويمكن للحياة أن تنقله من حال إلى حال.

لكنني كلما عرفت الدنيا أكثر، ازددت يقينًا بأن الإنسان أضعف من الصورة التي يحب أن يرسمها لنفسه.

هناك لحظات لا ينفع فيها الذكاء.

ولا المال.

ولا العلاقات.

ولا التخطيط.

تبلغ الأسباب منتهاها، ويبقى الإنسان كما كان دائمًا: عبدًا محدودًا لا يملك من هذا الكون إلا قدرًا ضئيلًا جدًا.

وأنا لا أكتب هذا من مقام رجل بلغ الغاية.

لست كذلك.

أقصر.

وأخطئ.

وأضعف.

لكن الفرق عندي أنني لا أريد أن أجعل تقصيري حجةً على الطريق نفسه.

إذا ابتعدت، أريد أن أعرف إلى أين أعود.

وإذا أخذتني الدنيا بعيدًا، أريد أن يبقى في داخلي صوت يعرف جهة الرجوع.

ليس لأنني أرى نفسي صالحًا.

بل لأنني أعرف مقدار حاجتي إلى الله.

وهناك فرق كبير بين الأمرين.

لا أساوم على الأشياء التي لا يراني فيها أحد

أشد ما يفضح حقيقة الإنسان تلك اللحظات التي لا يوجد فيها شاهد.

أمام الناس يستطيع المرء أن يرتب صورته.

ينتقي ألفاظه.

يتأنق في أخلاقه.

ويصبح شديد النبل ما دام النبل مرئيًا.

لكن ماذا يبقى منه عندما يغلق الباب؟

حين يستطيع أن يكذب ولا يُكتشف؟

أن يخون أمانة ولا يعرف صاحبها؟

أن يأخذ ما ليس له ولا توجد كاميرا؟

هنا لا يعود السؤال: ماذا سيقول الناس؟

بل:

ماذا سأقول أنا لنفسي؟

لا أدعي الطهر.

ولدي من الأخطاء ما يكفيني كي أعرف أنني بشر.

لكنني أريد أن تبقى لي مساحة أخجل فيها من نفسي قبل أن أخاف من الناس.

لأن الإنسان إذا احتاج دائمًا إلى عين خارجية كي يكون مستقيمًا، فما الذي سيحدث له حين لا تراه عين؟

وحتى مبادئي… لا أريدها أصنامًا

هذه نقطة أخيرة أخشى أن أنساها.

حتى الأشياء التي لا أساوم عليها لا أريد أن تتحول إلى ذريعة للكبر.

فقد يقول الإنسان «هذه مبادئي» وهو في الحقيقة يعني:

هذه طريقتي، وعلى الجميع أن يعيشوا مثلي.

لا.

لي مبادئي، وللناس حيواتهم.

وقد أكتشف أنني فهمت أحد مبادئي خطأ.

وقد يعلمني شخص أصغر مني ما لم أتعلمه وحدي.

وقد أعتذر.

وقد أتراجع.

وقد أغير طريقة تطبيق شيء ظللت أؤمن بأصله.

المبدأ الذي يمنعني من رؤية الحقيقة لم يعد مبدأً يحرسني.

لقد أصبح جدارًا يحبسني.

ولهذا أريد أن أكون شديدًا في جوهري، مرنًا في فهمي.

كالشجرة التي تثبت بجذرها، ولا ترى في حركة أغصانها مع الريح إهانةً للجذر.

الخاتمة: أشياء إذا خسرتها فلن يعوضني الربح

لا أعرف ماذا سأملك بعد عشر سنوات.

ولا أين سأكون.

ولا أيًّا من الأشياء التي أطاردها اليوم سأحصل عليه.

لكنني أعرف أنني لا أريد أن أصل محمّلًا بالغنائم، ثم أكتشف أنني تركت نفسي في الطريق.

لا أريد مالًا يجعلني أحتقر الناس.

ولا نجاحًا يجعلني أحتاج إلى التصفيق.

ولا قوةً تجعلني أنسى العدل.

ولا علاقةً ثمنها كرامتي.

ولا فكرةً تطلب مني إغلاق عقلي.

ولا خصومةً تحولني إلى الشخص الذي كنت أرفضه.

ولا دنيا كاملة تجعلني أنسى الله.

لقد أصبحت أؤمن أن خسارات الإنسان ليست كلها فيما يُؤخذ منه.

أفدح الخسارات ما يعطيه هو بيده مقابل شيء ظنه أكبر منه.

ولهذا أستطيع أن أساوم على كثير.

على رغبة.

على مكسب.

على رأي.

على انتصار صغير.

وأحيانًا على حلم إذا اكتشفت أن ثمنه صار أكثر من احتمالي.

أما الأشياء التي إذا ذهبت ذهب معها شيء من حقيقتي، فلا أعرف ماذا سأفعل بما سأربحه بعدها.

فالصفقة التي أحصل فيها على العالم وأخرج منها أقل احترامًا لنفسي ليست صفقة رابحة.

ولهذا، كلما أغرتني الحياة بمقابل، أحاول أن أسأل قبل أن أمد يدي:

ما الذي تريدينه مني في الجهة الأخرى؟

فإن كان مالًا أو جهدًا أو صبرًا، فكله قابل للنظر.

أما إن كان الثمن أن أصبح رجلًا لا أحترمه…

فلا صفقة.


المراجع:

  1. علي بن أبي طالب — «قيمة كل امرئ ما يحسن». أوردها الشريف الرضي ضمن نهج البلاغة، ونقل الجاحظ العبارة وأثنى على إيجازها في البيان والتبيين.
  2. الجاحظ — البيان والتبيين. ومن تعليقه على كلمة «قيمة كل امرئ ما يحسن» وصفُه للكلام البليغ بأن قليله يغني عن كثيره.
  3. عبد الرحمن بن خلدون — المقدمة، الفصل الثالث والعشرون: «في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده».
  4. أبو الطيب المتنبي — الديوان: قصيدته التي مطلعها «الرأي قبل شجاعة الشجعان»، في مدح سيف الدولة.



                                                                                 تليد,,

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة