أشياء أشتريها بالمال وأشياء لا أريد للمال أن يشتريها
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
أشياء أشتريها بالمال… وأشياء لا أريد للمال أن يشتريها
أحب المال.
ولا أجد في قول ذلك ما يستدعي الاعتذار.
أحب ما يمنحه للإنسان من سعةٍ في الاختيار، وما يدفعه عنه من مذلّة الحاجة، وما يستطيع أن يصنعه من راحةٍ له ولمن يحب. ولا أرى فضيلة في تمجيد الفقر، كما لا أرى رذيلة في أن يسعى المرء إلى الغنى من حلال.
فالمال نافع، ومهم، وأحيانًا شديد الأهمية.
ومن السهل على من يملكه أن يتحدث باستخفاف عن قيمته، بينما يعرف من احتاج إليه يومًا أن بعض الأوراق قد تفصل بين إنسان وبين دواء يحتاجه، أو منزل يأويه، أو دين يؤرق نومه، أو فرصة كان سيُحرم منها.
لذلك لن أقول إن المال لا يهمني.
يهمني.
وأريده.
وأريد أن أُحسن كسبه، وأن أعرف كيف أنفقه، وأن يكون في يدي منه ما يجعلني أقل احتياجًا إلى الناس وأكثر قدرة على نفع من أحب.
لكنني في المقابل أخشى شيئًا آخر:
أن أنشغل طويلًا بما أستطيع شراءه بالمال، حتى أكتشف أن المال اشترى مني أشياء لم تكن معروضة للبيع.
وهنا تبدأ علاقتي الحقيقية به.
أشتري الراحة… ولا أريد أن أبيع راحتي
هذه مفارقة المال الأولى عندي.
أنا أكسبه، في جزء من الأمر، كي أعيش براحة أكبر.
منزل أفضل.
وسيلة أسهل.
طعام أحبه.
سفر.
وقت أوفر.
خدمة تختصر عني مشقة.
هذه كلها أشياء مشروعة وجميلة.
لكن ماذا لو أصبحت الطريقة التي أجمع بها المال تسلب مني الشيء الذي كنت أجمعه من أجله؟
ماذا لو أصبحت أملك سريرًا أفخم ولا أستطيع النوم؟
ماذا لو استطعت شراء إجازة إلى أي مكان، لكنني لم أعد أملك عقلًا يستطيع أن يأخذ إجازة؟
ماذا لو أصبحت لدي القدرة على شراء وقت الآخرين، بينما لم يعد لدي وقت لنفسي؟
عندها تصبح المعادلة غريبة.
أشتري الراحة بشيء كان أكثر راحة منها.
لهذا لا أنظر إلى المال باعتباره رقمًا فقط.
أنظر أيضًا إلى الثمن الخفي وراء الرقم.
كم أخذ مني؟
أشتري الأشياء… ولا أريد للأشياء أن تشتري هويتي
أحب الأشياء الجميلة.
ولا أريد أن أتصنع الزهد فيما أحبه كي أبدو أكثر حكمة.
من حق الإنسان أن يستمتع بما رزقه الله.
لكنني لا أريد أن تتحول الأشياء التي أملكها إلى تعريفٍ لي.
فالسيارة تستطيع أن تخبرك ماذا أقود، لكنها لا تستطيع أن تخبرك من أنا.
والمنزل يستطيع أن يخبرك أين أسكن، لا ما الذي يسكنني.
والساعة تستطيع أن تخبرك كم دفعت فيها، لكنها لا تستطيع أن تخبرك ماذا فعلت بوقتي.
هناك فرق بين أن أملك شيئًا جميلًا وبين أن أحتاج إليه كي أشعر أنني ذو قيمة.
الأولى متعة.
أما الثانية فعبودية أنيقة.
ولذلك أخاف من اليوم الذي يصبح فيه إعجابي بنفسي مرتبطًا بما أستطيع شراءه.
لأن كل شيء أملكه قابل للزوال.
فإذا كانت قيمتي قائمة عليه، ستزول معه.
أستطيع شراء الخدمة… ولا أريد شراء احترام الناس
بالمال تستطيع أن تجعل أناسًا كثيرين يفعلون أشياء لك.
وهذا طبيعي.
تدفع مقابل خدمة، وتحصل عليها.
لكن هناك وهمًا يبدأ حين يختلط على الإنسان الفرق بين الخدمة والاحترام.
يمكنك أن تدفع لإنسان كي يفتح لك بابًا.
لكن لا يمكنك أن تدفع له كي يحترمك في داخله.
يمكنك أن تقيم مأدبةً عظيمة فيجتمع حولك كثيرون.
لكن المال لا يخبرك كم واحد منهم كان سيجلس معك لو لم يكن على المائدة شيء.
وهذا من الأشياء التي أريد أن أتذكرها إذا وسّع الله عليّ يومًا.
ألا أخلط بين الذين اقتربوا مني وبين الذين اقتربوا مما أملك.
ولا أريد، في المقابل، أن أسيء الظن بكل إنسان لمجرد أن لدي مالًا.
لكنني أريد أن أعرف أن الاحترام الحقيقي لا يُشترى؛ يُستحق.
أشتري الوقت… لكنني لا أستطيع شراء عمري
هذه أكثر مفارقات المال قسوة.
المال يستطيع أن يشتري لك الوقت بطريقة غير مباشرة.
تدفع لشخص كي يؤدي مهمة بدلًا منك.
تستخدم وسيلة أسرع.
تختصر طريقًا.
تسافر بالطائرة بدل أن تقطع المسافة في أيام.
لكن هناك نوعًا من الوقت لا يستطيع المال شراء ثانية واحدة منه:
ما مضى.
لو امتلك إنسان أموال الأرض كلها، ثم طلب صباحًا واحدًا من طفولته، فلن يبيعه أحد.
لو أراد ساعة أخرى مع إنسان رحل، فلن يجد متجرًا لها.
ولو بلغ الثمانين وأراد شراء عام واحد من شبابه، سيكتشف للمرة الأخيرة أن هناك عملةً أعلى من كل العملات.
إنها العمر.
ولهذا كلما سعيت وراء المال أحاول أن أتذكر أنني أدفع له أصلًا من شيء أغلى منه: وقتي.
فلا بد أن تستحق الصفقة.
أريد المال كي أستغني… لا كي أستعلي
يعجبني معنى الاستغناء.
أن يكون عند الإنسان ما يكفيه حتى لا يضطر إلى مد يده.
أن يستطيع رفض ما يهينه.
أن يقضي حاجته.
أن يساعد أهله.
أن يعطي حين يريد العطاء.
هذه عندي من أجمل وجوه المال.
لكن هناك مسافة قصيرة وخطيرة بين الاستغناء والاستعلاء.
أن تنتقل من:
«الحمد لله أنني لا أحتاج»
إلى:
«أنا أفضل ممن يحتاج.»
هنا يفسد شيء في الداخل.
فالمال رزق، وليس شهادة تفوق أخلاقي.
وقد يكون من لا يملك عُشر ما أملك أكرم مني نفسًا، وأوسع مني علمًا، وأقرب إلى الله، وأحب إلى الناس.
وقد تتبدل الأرزاق في ليلة.
لهذا أحب أن يكون المال في يدي.
وأخاف أن يصعد إلى رأسي.
أستطيع أن أشتري هدية… ولا أستطيع شراء المحبة
أستطيع أن أشتري أغلى هدية.
لكنني لا أستطيع أن أضع داخلها شعورًا حقيقيًا.
يمكن للمال أن يعبّر عن المحبة.
لكنه لا يستطيع صناعتها من العدم.
وهذه قاعدة أراها في أشياء كثيرة.
يمكن للمال أن يهيئ أسباب السعادة، لكنه لا يستطيع أن يأمر القلب بأن يسعد.
يمكنه أن يصنع مناسبةً فاخرة، لكنه لا يستطيع أن يصنع الألفة بين الجالسين.
يمكنه أن يجمع الناس في مكان واحد، لكنه لا يستطيع أن يجعلهم يحب بعضهم بعضًا.
الأشياء الإنسانية الأثمن لها طبيعة عجيبة:
يمكن للمال أن يخدمها، لكنه يعجز عن خلقها.
لا أريد أن يشتري المال قراري
هناك نوع آخر من الشراء لا يتم في المتاجر.
أن يصبح المال قادرًا على جعلي أقول ما لا أؤمن به.
أن أسكت عن شيء فقط لأن الكلام سيكلفني.
أن أمدح من لا أرى فيه ما يستحق المدح لأن لي عنده مصلحة.
أن أغيّر موقفي لا لأنني اكتشفت أنني مخطئ، بل لأن الاتجاه الآخر أصبح أكثر ربحًا.
هنا لا يعود السؤال كم ربحت.
بل:
من الذي اشتراه المال في هذه الصفقة؟
وأنا لا أدّعي بطولة.
لا أعرف كيف سيكون الإنسان حتى يوضع أمام الاختبار الحقيقي.
فالحديث عن المبادئ حين لا يوجد مقابل سهل.
لكنني أتمنى، إذا جاء المقابل يومًا، أن أعرف أن هناك رقمًا لا يستطيع شراء كل شيء.
لا أريد أن يشتري المال ضميري
قال الله تعالى:
توقفت كثيرًا عند كلمة «زينة».
فالقرآن لم يقل إن المال شر.
سمّاه زينة.
والزينة جميلة، لكن المشكلة تبدأ حين نعامل الزينة كأنها الأصل.
المال يستطيع أن يحسّن أشياء كثيرة في حياتي.
لكنني لا أريده أن يصبح الشيء الذي أقيس به نفسي أو الناس.
وهذه ليست دعوة عندي لترك السعي.
بل إلى ألا يتحول السعي إلى جوع لا ينتهي.
أن أملك، لكن أعرف معنى الكفاية.
أن أطمع في فضل الله، دون أن يصبح قلبي فقيرًا مهما امتلأت يدي.
أريد أن أعرف من بقي عندما يذهب المال
هناك سؤال لا يستطيع الغني الإجابة عنه بسهولة:
لو ذهب ما أملك، من سيبقى؟
ليس المقصود أن أشك في الناس.
فالشك الدائم مرض آخر.
لكن المال يصنع حول الإنسان أحيانًا ضجيجًا يصعب معه التمييز.
من يحب وجودك؟
ومن يحب ما يستطيع وجودك أن يمنحه؟
من يسأل عنك؟
ومن يسأل عما عندك؟
ربما لهذا تكون بعض الصداقات القديمة ثمينة.
لأن هناك أشخاصًا عرفوك قبل أن يكون لديك شيء يستحق الطمع.
عرفوا نسختك البسيطة.
جلسوا معك حين لم يكن في الجلسة مكسب.
وهذه علاقات لا أحب أن أقيسها بالمال أصلًا.
لأن محاولة تسعير بعض الأشياء إهانة لها.
أريد أن يكون المال خادمًا جيدًا… لا سيدًا أنيقًا
المشكلة في المال أنه لا يأمرك بصوت مرتفع.
لا يقول لك:
اعبدني.
يبدأ بطريقة أكثر لطفًا.
فقط ساعة إضافية.
ثم يوم آخر.
ثم أجّل هذه الجلسة.
ثم لا بأس أن تتنازل هذه المرة.
ثم تحتاج إلى المزيد كي تحافظ على المستوى الذي وصلت إليه.
وفجأة قد يصبح الإنسان موظفًا لدى الأشياء التي ظن أنه يملكها.
يحتاج إلى العمل أكثر كي يحافظ عليها.
ويحتاج إلى القلق أكثر كي لا يخسرها.
ويحتاج إلى المزيد كي يشعر أنه ما زال يتقدم.
وهكذا يتحول المال من وسيلة لتحرير الإنسان من بعض القيود إلى قيد يحتاج الإنسان إلى خدمته.
لا أريد ذلك.
أريد أن أملك المال.
ولا أريد أن يملكني المال.
ولو أصبحت ثريًا جدًا؟
أتمنى ذلك.
ولن أكتب هنا إجابة متصنعة.
أتمنى السعة.
وأتمنى أن أرى ثمرة عملي.
وأن أستطيع شراء ما أحب، والسفر حيث أريد، ومساعدة من أحب دون أن أحسب كل مرة ما بقي في الحساب.
لكنني إذا أصبحت ثريًا يومًا، أتمنى أن يبقى في داخلي شيء من الرجل الذي كان يعرف قيمة الريال قبل أن تكثر الريالات.
أن أشكر من يقدم لي خدمة.
أن أعرف أن صاحب المهنة البسيطة ليس أقل مني قدرًا.
أن أتذكر أن الإنسان الذي يقف أمامي قد يكون أقل مني مالًا وأكثر مني قيمة عند الله.
وأن أستطيع الجلوس إلى مائدة بسيطة والاستمتاع بها دون أن أشعر أن الحياة تحتاج دائمًا إلى نسخة أغلى كي تصبح جميلة.
ولا أكتب هذا لأنني أزكي نفسي.
أنا أعرف أن الكلام سهل، وأن المال نفسه اختبار لم أخض كل صوره.
قد أضعف.
وقد أتغير.
وقد أكتشف في نفسي ما لم أكن أتوقعه.
ولهذا لا أقول: هكذا سأكون حتمًا.
بل أقول:
هكذا أرجو أن أربي نفسي.
الخاتمة: أريد المال… لكن ليس بأي ثمن
أريد المال الذي يوسع خياراتي.
لا المال الذي يضيّق قلبي.
أريد المال الذي يجعلني قادرًا على العطاء.
لا الذي يجعلني أحتقر من لا يملك.
أريد أن أشتري به منزلًا جميلًا، ولا أريد أن يشتري مني دفء المنزل.
أريد أن أشتري به وقتًا، ولا أريد أن أبيع له عمري كله.
أريد أن أهدي به من أحب، ولا أريد أن أتوهم أن الهدية تستطيع شراء المحبة.
أريد أن يسهل عليّ الحياة، لا أن يصبح هو الحياة.
فالمال من أعظم الوسائل التي وضعها الإنسان لتنظيم دنياه، لكنه يظل وسيلة.
والمصيبة ليست دائمًا أن يخسر الإنسان ماله.
ربما تكون المصيبة الأكبر أن يجمعه طوال عمره، ثم يكتشف في النهاية أن المال كان يجمع منه أشياء أخرى في المقابل.
وقتها قد ينظر إلى حسابه فيجد أنه ربح.
ثم ينظر إلى عمره، وراحته، وعلاقاته، ونفسه…
فيكتشف أن الحساب الحقيقي كان في مكان آخر.
لذلك نعم:
هناك أشياء أشتريها بالمال.
وأرجو أن يرزقني الله منه واسعًا حلالًا طيبًا.
لكن هناك أشياء لا أريد للمال أن يشتريها مني:
ديني، وضميري، وكرامتي، ووقتي كله، ومحبة من أحب، وقدرتي على رؤية الإنسان إنسانًا قبل أن أسأل كم يملك.
فإن أصبح ثمن الثراء أن أفقد هذه الأشياء، فلست متأكدًا أن الاسم الصحيح لما حصلت عليه سيكون غنى.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق