الأشياء التي تجعلني أشعر أنني حي

 بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


هنا أنا حي


أنا حي.

حقيقة واضحة لا تحتاج إلى إثبات.

أستيقظ، أتحرك، أفكر، أعمل، أتحدث، أنام، ثم يأتي يوم آخر.

لكنني اكتشفت أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تكون حيًا وبين أن تشعر بأنك حي.

تمر أحيانًا أيام كاملة وأنا أفعل كل ما ينبغي فعله، أنجز ما عليّ، أذهب وأعود، أتحدث مع الناس، وأرتب أموري، ثم أصل إلى نهاية اليوم ولا أتذكر منه شيئًا يستحق أن يبقى.

وفي أيام أخرى تحدث لحظة صغيرة جدًا، ربما لا تتجاوز دقائق، تجعلني أشعر بحضور غريب وكأن الحياة توقفت عن المرور أمامي وأصبحت، للحظة، تحدث داخلي.

لا أعرف إن كان هذا الشعور يمكن تعريفه بدقة.

لكنني أعرف الأشياء التي توقظه فيَّ.

وهذه بعضها.

أشعر أنني حي عندما تدهشني فكرة

هناك لحظة أحبها جدًا.

أن أكون أفكر في شيء عادي، ثم تظهر فجأة زاوية لم أرها من قبل.

أتوقف.

وأقول في داخلي:

كيف لم أفكر في هذا سابقًا؟

هذه اللحظة تسعدني أكثر مما قد يبدو منطقيًا.

فأنا أحب الأفكار التي تفتح أبوابًا.

سؤال واحد قد يجعلني أترك ما بيدي وأتبعه.

ثم يقودني إلى سؤال آخر.

ثم ثالث.

وفجأة أجد أن شيئًا كنت أظنه بسيطًا أصبح عالمًا كاملًا.

ربما لهذا أحب الكتابة.

ليست الكتابة عندي كلمات تتبع بعضها فقط.

أحيانًا تكون مطاردة لفكرة.

أراها من بعيد، فأقترب منها، وكلما اقتربت اكتشفت أنها أكبر مما ظننت.

وحين يحدث ذلك أشعر أن عقلي مستيقظ فعلًا.

أنا لا أحب المعرفة لأنها تعطيني الإجابات فقط؛ أحبها لأنها تجعلني أكتشف كم سؤالًا لم أسأله بعد.

أشعر أنني حي عندما أصنع شيئًا لم يكن موجودًا

هناك شعور يصعب عليّ وصفه عندما تبدأ بشيء لا وجود له إلا في رأسك، ثم يصبح موجودًا أمامك.

قد يكون مقالًا.

فكرة.

مشروعًا.

أو حتى شيئًا صغيرًا جدًا عملت عليه حتى أصبح كما أردت.

في البداية لا يوجد شيء.

صفحة فارغة.

تصور غير مكتمل.

ربما بعض الفوضى.

ثم تبدأ.

تضيف شيئًا.

تمسح شيئًا.

تغير رأيك.

تعيد المحاولة.

وفجأة تنظر أمامك فتجد شيئًا لم يكن موجودًا قبل ساعات أو أيام.

أنت أضفته إلى العالم.

قد لا يكون عظيمًا.

وقد لا يعرف به أحد.

لكن فكرةً كانت داخل رأسك أصبحت شيئًا يمكن رؤيته أو قراءته أو استخدامه.

هذه اللحظة تجعلني أشعر بالحياة.

لأنني لم أكن مستهلكًا للعالم فقط.

لقد تركت فيه شيئًا، ولو كان صغيرًا.

أشعر أنني حي عندما أنجح في شيء قاومني

للنجاح بعد السهولة طعم.

لكن النجاح بعد العناد له طعم آخر.

أحب تلك اللحظة التي أحاول فيها شيئًا ولا يعمل.

أعود إليه.

لا يعمل.

أغير الطريقة.

تظهر مشكلة جديدة.

أغضب منه قليلًا.

أتركه.

ثم أعود.

حتى تأتي اللحظة التي يحدث فيها ما كنت أريده.

ربما يراه شخص آخر أمرًا عاديًا جدًا.

لكنه لا يعرف عدد المرات التي حاولت فيها.

ولا يعرف الحوار الذي دار في رأسي وأنا أفكر:

ما المشكلة هذه المرة؟

لهذا أحيانًا تكون فرحتي بشيء صغير أكبر من حجمه الحقيقي.

أنا لا أحتفل بالنتيجة فقط.

أحتفل بكل المرات التي كان بإمكاني أن أتركه فيها ولم أفعل.

أشعر أنني حي في الحديث الذي يجعلني أنسى الوقت

ليست كثرة الكلام ما أحب.

هناك أحاديث طويلة لا تترك في الإنسان شيئًا.

وهناك حديث يبدأ بجملة عادية، ثم يتحول دون تخطيط إلى مكان آخر تمامًا.

فكرة.

ثم سؤال.

ثم اختلاف.

ثم ضحكة.

ثم شيء شخصي.

ثم نعود إلى الفكرة الأولى ولا نعرف كيف ابتعدنا عنها أصلًا.

أحب هذا النوع من الحديث.

الحديث الذي لا تنظر خلاله إلى الساعة.

ولا تفكر في الجملة التالية قبل أن ينتهي الشخص الآخر.

ولا تشعر أنك تحتاج إلى أن تبدو بصورة معينة.

مجرد عقلين يحاول كل منهما أن يرى شيئًا من زاوية الآخر.

وفي زمن أصبح فيه الجميع قادرين على الكلام، أصبحت أعتقد أن أن تجد شخصًا تستطيع التفكير معه بصوت مرتفع شيء نادر.

أشعر أنني حي عندما أضحك من قلبي

الضحك الحقيقي لا يمكن ترتيبه.

وهذا ربما أجمل ما فيه.

هناك ضحكة تأتيك وأنت مستعد لها.

وهناك ضحكة تهزمك.

تحاول التوقف فلا تستطيع.

تنظر إلى الشخص أمامك فتضحك أكثر.

ثم يصبح سبب الضحك نفسه أقل أهمية من الحالة التي دخلتما فيها.

هذه اللحظات أحبها.

لأن الإنسان خلالها ينسى نفسه قليلًا.

لا يفكر كيف يبدو.

ولا ماذا سيحدث غدًا.

ولا ما الذي يقلقه.

لبضع ثوانٍ يصبح موجودًا بالكامل داخل اللحظة.

وأعتقد أنني كلما تقدمت في العمر أصبحت أقدّر الذين يجعلونني أضحك بهذه الطريقة أكثر.

فليس كل من يستطيع الحديث معك يستطيع أن يجعلك تنسى ثقل العالم قليلًا.

أشعر أنني حي عندما أكون وحدي دون أن أشعر بالوحدة

هناك فرق.

أحيانًا يكون وجودي وحدي راحة لا أريد أن يقاطعها أحد.

لا لأنني أكره الناس.

بل لأنني أحتاج أحيانًا إلى مساحة لا يحدث فيها شيء.

لا سؤال ينتظر إجابة.

لا أحد يريد شيئًا.

لا حديث يجب أن أتابعه.

فقط هدوء.

في تلك اللحظات أستطيع أن أسمع أفكاري بطريقة مختلفة.

بعض أفضل الأفكار تأتي عندما لا أبحث عنها.

تظهر وأنا ساكن.

وربما لأن العالم أصبح صاخبًا إلى درجة أن الهدوء نفسه أصبح تجربة.

أنا أحب الناس.

لكنني أيضًا تعلمت أن أحب قدرتي على البقاء مع نفسي.

فالإنسان الذي لا يحتمل نفسه سيحتاج دائمًا إلى ضجيج ينقذه منها.

أشعر أنني حي عندما أرى مكانًا لأول مرة

هناك شيء في الأماكن الجديدة يعيد ترتيب الحواس.

في المكان الذي اعتدت عليه، تتوقف عن رؤية أشياء كثيرة.

تعرف الطريق.

تعرف المباني.

تعرف الأصوات.

يمر كل شيء دون أن يطلب انتباهك.

أما حين تكون في مكان لم تره من قبل، يعود العالم إلى التفاصيل.

تنظر أكثر.

تمشي أبطأ.

تلاحظ الناس.

تتأمل المباني.

تسمع أصواتًا مختلفة.

حتى الطريق يصبح شيئًا يستحق النظر.

أحب هذا الشعور.

أن أكون غريبًا قليلًا عن المكان.

فالغربة المؤقتة تجعلني حاضرًا.

ربما لهذا يسافر الناس آلاف الكيلومترات ثم يتذكرون تفاصيل يوم واحد أكثر مما يتذكرون أسابيع كاملة قضوها في حياتهم المعتادة.

الجديد يجبرنا على الانتباه.

والانتباه أحد أجمل أشكال الحياة.

أشعر أنني حي عندما أتعلم شيئًا لم أكن أعرفه بالأمس

لا يهم حجم الشيء.

معلومة.

مهارة.

طريقة جديدة.

كلمة.

حقيقة تاريخية.

فكرة علمية.

حتى حل مشكلة صغيرة كنت أجهلها.

يسعدني أن أنتهي من يوم وأنا أعرف شيئًا لم أكن أعرفه عندما بدأ.

هناك شيء مطمئن في ذلك.

كأنني لم أعبر اليوم كما دخلته تمامًا.

أخذت منه شيئًا.

ولهذا لا أعتقد أن الفضول صفة طفولية ينبغي أن نتخلص منها عندما نكبر.

على العكس.

أخشى اليوم الذي أنظر فيه إلى العالم وأشعر أنني رأيت كل شيء.

العالم أكبر بكثير من عمر واحد.

وأجمل ما في الأمر أنني أعرف أنني مهما تعلمت، سأرحل وفي العالم أشياء لم أفهمها.

وهذا لا يحزنني.

هذا يجعلني أرغب في معرفة المزيد.

أشعر أنني حي عندما أفعل خيرًا لا يعرفه أحد

هناك أشياء تصبح أجمل عندما لا يكون لها جمهور.

أن تساعد شخصًا ولا تخبر أحدًا.

أن تقول كلمة جيدة لإنسان يحتاجها.

أن تقضي حاجة تستطيع قضاءها.

أن تفعل شيئًا ثم ينتهي الأمر هناك.

لا صورة.

لا قصة.

لا انتظار لشكر.

في هذه اللحظات يصبح الفعل نقيًا بطريقة مختلفة.

لا أقول إنني أفعل ذلك دائمًا، ولا أضع نفسي في صورة الإنسان المثالي.

لكنني أعرف الشعور.

وأحبه.

لأن هناك شيئًا جميلًا في أن يكون بينك وبين نفسك دليل صغير على أنك استطعت أن تجعل يوم شخص آخر أخف، حتى لو لم يعرف العالم بذلك.

أشعر أنني حي عندما أعود إلى الله بعيدًا عن ضجيج العالم

هناك لحظات يصل فيها الإنسان إلى حدود الكلام.

لا يريد تفسيرًا.

ولا نقاشًا.

ولا رأيًا آخر.

يريد فقط أن يهدأ قلبه.

وفي تلك اللحظات يصبح الرجوع إلى الله مختلفًا.

ليس لأنه لا يعرف الله في الأيام الأخرى، بل لأن الإنسان أحيانًا ينشغل بكل شيء حتى يحتاج إلى أن يتذكر من جديد أين تنتهي قدرته.

هناك راحة لا تأتي من حل المشكلة نفسها.

تأتي من معرفة أنك لست وحدك أمامها.

وأن هذا العالم، بكل فوضاه واتساعه وما لا تفهمه فيه، ليس خارج علم الله ولا قدره.

وفي بعض اللحظات، يكفيني هذا.

أشعر أنني حي عندما أنتبه أن اللحظة ستصبح ذكرى

أحيانًا أكون في مكان جميل، أو مع أشخاص أحبهم، أو أعيش لحظة هادئة، وفجأة تأتي فكرة غريبة:

سيأتي يوم أتذكر فيه هذه اللحظة.

فتتغير اللحظة فورًا.

أنظر حولي أكثر.

أنتبه للصوت.

للمكان.

للوجوه.

للتفاصيل التي كنت سأمر عليها دون ملاحظة.

كأن المستقبل عاد للحظة وأخبرني:

انتبه… ستفتقد هذا يومًا.

هذه الفكرة ليست حزينة بالنسبة إليّ.

على العكس.

إنها تعيدني إلى الحاضر.

فنحن غالبًا لا نعرف قيمة الأيام إلا بعدما تصبح ماضيًا.

وأحاول، كلما استطعت، أن أسرق من المستقبل هذه المعرفة.

أن أعرف قيمة اللحظة قبل أن أفقدها.

وأحيانًا… أشعر أنني حي بلا سبب

وهذه ربما أجملها.

يوم عادي.

لا إنجاز كبير.

لا خبر استثنائي.

لا سفر.

لا شيء يستحق أن يُكتب في التاريخ.

ومع ذلك أشعر أنني بخير.

أشرب شيئًا أحبه.

أرى السماء.

أسمع صوت شخص أحبه.

تأتيني فكرة.

أضحك.

أكتب قليلًا.

وأفكر:

ماذا أحتاج أكثر الآن؟

ربما بالغنا كثيرًا في الاعتقاد أن الحياة الحقيقية موجودة فقط في الأحداث الكبيرة.

التخرج.

النجاح.

السفر.

الوصول.

الانتصارات.

كلها جميلة.

لكن العمر في معظمه لا يتكون منها.

يتكون من الثلاثاء العادي.

ومن الساعة التي لا يحدث فيها شيء مهم.

ومن وجبة بسيطة.

وحديث قصير.

وطريق نعرفه.

ومن أشخاص نراهم كثيرًا حتى ننسى أنهم أحد أجمل أجزاء حياتنا.

إذا لم نتعلم أن نشعر بالحياة في هذه الأشياء، فسنقضي معظم أعمارنا ننتظر الحياة بدل أن نعيشها.

الخاتمة

لا أعرف تعريفًا كاملًا للحياة الجيدة.

وقد يتغير تعريفي لها بعد سنوات.

لكنني أعرف أنني لم أعد أريد أن أقيس حياتي بالأحداث الكبيرة وحدها.

هناك لحظات صغيرة جعلتني أشعر بالحياة أكثر من إنجازات كاملة.

فكرة أدهشتني.

شيء صنعته.

مشكلة هزمتها بعد محاولات.

حديث نسيت خلاله الوقت.

ضحكة حقيقية.

مكان رأيته للمرة الأولى.

لحظة هدوء.

دعاء لا يعرفه أحد.

ووقت قضيتُه مع إنسان أحبه وأنا أعرف، ولو للحظة، أن وجوده ليس شيئًا مضمونًا إلى الأبد.

هذه الأشياء لا تصلح كلها لتُكتب في سيرة ذاتية.

ولا يمكن وضعها في حساب مصرفي.

ولا يستطيع أحد قياسها.

لكنني عندما أجمعها أفهم شيئًا:

ربما حياتنا ليست فقط عدد السنوات التي بقينا فيها على هذه الأرض، بل عدد اللحظات التي كنا فيها موجودين حقًا.

ولهذا لا أريد فقط عمرًا طويلًا.

أريد، أيًا كان طوله، أن توجد داخله لحظات كثيرة أستطيع أن أقول عنها:

هنا… كنت حيًا فعلًا.






                                                                                   تليد..



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة