متى يصبح الكمال عيبًا؟ الفرق بين الإتقان والكمالية المؤذية

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


لا يمكن للأضداد أن تجتمع إلا هنا



متى يصبح الكمال عيبًا؟ حين يتحول السعي إلى الأفضل إلى عجز عن قبول الجيد

هناك عيوب نعرف أنها عيوب، فنحاول إصلاحها.

وهناك عيوب أكثر مكرًا؛ تدخل حياتنا مرتديةً هيئة الفضيلة.

والكمال أحدها.

من الصعب أن تقنع إنسانًا بأن رغبته في تقديم أفضل ما يستطيع قد تصبح يومًا مشكلة. فما الخطأ في الإتقان؟ وما الضرر في رفع المعايير؟ ولماذا نرضى بالجيد بينما نستطيع الوصول إلى الأفضل؟

لا شيء في ذلك معيب بذاته.

لقد قامت إنجازات بشرية عظيمة على أكتاف أناس لم يرضوا بالمستوى السائد، وأعادوا المحاولة لأن النسخة الأولى لم تكن كافية. ولولا الرغبة في التحسين، لبقي كثير مما حولنا عند محاولته الأولى.

لكن هناك نقطة خفية يتغير عندها كل شيء.

نقطة لا يعود فيها الإنسان راغبًا في الإتقان، بل خائفًا من النقص.

وهما ليسا الشيء نفسه.

الأول يدفعك إلى العمل.

والثاني قد يمنعك من البدء.

الأول يقول: سأفعل ما أستطيع ثم أحسّن ما فعلت.

والثاني يقول: إن لم أضمن نتيجة مثالية، فمن الأفضل ألا أفعل شيئًا.

وهنا يولد السؤال:

متى يتوقف الكمال عن كونه طموحًا... ويصبح عيبًا؟

المشكلة ليست في المعايير العالية

في علم النفس، لا تُعامل الكمالية Perfectionism بوصفها صفة واحدة بسيطة.

تشير الأدبيات العلمية إلى وجود أبعاد مختلفة لها. فهناك السعي إلى معايير شخصية مرتفعة، وهناك جانب أكثر قسوة يرتبط بالخوف المستمر من الأخطاء، والشك في الأداء، والشعور بأن النتيجة لا تبلغ المستوى المطلوب مهما كانت جيدة.

وهذا التفريق مهم.

فالإنسان الذي يقول:

«أريد أن أقدم عملًا ممتازًا»

ليس بالضرورة مثل الإنسان الذي يقول في داخله:

«إذا لم يكن عملي ممتازًا، فهذا يعني أنني لست جيدًا بما يكفي.»

في الحالة الأولى، المعيار متعلق بالعمل.

وفي الثانية، أصبح العمل محاكمةً لقيمة صاحبه.

وهنا تبدأ الكمالية في التحول من أداة تطوير إلى عبء نفسي.

لأن الخطأ لم يعد خطأ يمكن إصلاحه.

أصبح دليلًا.

والنقد لم يعد ملاحظة على الأداء.

أصبح تهديدًا للذات.

والنتيجة غير المثالية لم تعد نتيجة.

أصبحت إدانة.

وحين يربط الإنسان قيمته الشخصية بجودة كل شيء يفعله، تصبح الحياة امتحانًا لا ينتهي.

الكمالية قد تصنع التسويف الذي تحتقره

هذه واحدة من أكثر مفارقات الكمال إثارة.

نتصور عادة أن الإنسان الكمالي هو أكثر الناس إنجازًا؛ منظم، دقيق، لا يؤجل شيئًا.

لكن بعض أشكال الكمالية قد ترتبط بالتسويف.

والسبب مفهوم إذا نظرنا إليه من الداخل.

تخيل أنك تريد كتابة صفحة واحدة، لكنك وضعت في رأسك شرطًا غير معلن:

يجب أن تكون الصفحة استثنائية.

كل جملة يجب أن تكون قوية.

كل فكرة يجب أن تكون جديدة.

ولا يجوز أن تبدو النتيجة أقل مما تتوقعه من نفسك.

فماذا يحدث؟

ترتفع تكلفة البداية نفسيًا.

تفتح الصفحة.

تكتب سطرًا.

تمسحه.

تكتب آخر.

تقارنه بالصورة المثالية الموجودة في رأسك.

تجده ضعيفًا.

تغلق الصفحة.

ثم تقول:

«سأكتب عندما أكون مستعدًا.»

وقد لا يكون ما حدث كسلًا أصلًا.

بل خوفًا من إنتاج شيء أقل من الصورة التي رسمتها.

وهكذا يستطيع الإنسان أن يقضي وقتًا طويلًا في انتظار اللحظة المثالية التي سيبدأ فيها بصورة مثالية، بينما شخص آخر أقل انشغالًا بالكمال يبدأ بنسخة ناقصة، ثم يعدلها، ثم يتعلم منها، ثم يتقدم.

وبعد سنة، قد يكون الثاني قد قطع مسافة هائلة.

أما الأول فما يزال يستعد للبداية العظيمة.

أحيانًا لا يكون عدو الإنجاز هو الإهمال، بل التوقع المبالغ فيه لما يجب أن يبدو عليه الإنجاز منذ محاولته الأولى.

هناك كمال لا يراه أحد

الكمالية لا تظهر في العمل وحده.

قد تدخل العلاقات.

يبحث الإنسان عن الصديق الذي لا يخذله أبدًا، والشريك الذي يفهمه دون خطأ، والعلاقة التي لا تمر بفتور، فيتحول الاختلاف الطبيعي إلى علامة على أن العلاقة «ليست صحيحة».

وقد تدخل صورة الإنسان عن نفسه.

يريد أن يكون هادئًا دائمًا.

حكيمًا دائمًا.

منتجًا دائمًا.

قويًا دائمًا.

متزنًا دائمًا.

ثم يرتكب خطأً بشريًا عاديًا، فيعامل نفسه كما لو أنه اكتشف فضيحة في شخصيته.

لكن الإنسان ليس مشروعًا هندسيًا مغلقًا.

لن تكون أفضل نسخة منك في كل صباح.

لن تتخذ القرار الصحيح في كل مرة.

لن تقول العبارة المناسبة دائمًا.

ولن تستطيع منع كل ندم.

والنضج لا يعني الوصول إلى حالة لا نخطئ بعدها؛ بل أن تصبح علاقتنا بالخطأ أكثر ذكاءً.

فالخطأ يمكن أن يقول:

«هناك شيء يحتاج إلى تعديل.»

لكن الكمالية تسمعه هكذا:

«هناك شيء خاطئ فيك أنت.»

وبين العبارتين قد توجد حياة كاملة من السلام أو الصراع مع الذات.

لماذا نريد الكمال أصلًا؟

ليس الدافع دائمًا حب الجودة.

أحيانًا نطلب الكمال لأننا نريد شيئًا آخر خلفه:

الأمان.

إذا فعلت كل شيء بطريقة صحيحة، فلن ينتقدني أحد.

إذا توقعت كل الاحتمالات، فلن أفاجأ.

إذا أصبحت ممتازًا بما يكفي، فلن يرفضني أحد.

إذا لم أخطئ، فلن أشعر بالخجل.

وهكذا يحاول الإنسان استخدام الكمال كنوع من الحماية.

لكن المشكلة أن الحياة لم توقع معنا هذا العقد.

قد تفعل كل ما تستطيع وتفشل.

قد تكون مخلصًا ويُساء فهمك.

قد تخطط جيدًا ويحدث ما لم يكن في الحسبان.

وقد تقدم عملًا عظيمًا ولا يعجب شخصًا ما.

الكمال لا يمنح حصانة ضد الحياة.

بل إن محاولة الحصول على هذه الحصانة قد تجعل الإنسان أكثر قلقًا؛ لأنه يطارد شرطًا يستحيل ضمانه.

العيب في المسطرة أحيانًا... لا في النتيجة

هناك سؤال ينبغي للإنسان أن يسأله عندما يشعر بأن ما يفعله «ليس كافيًا»:

بأي مسطرة أقيس؟

فالإنسان يستطيع أن يجعل أي إنجاز صغيرًا إذا رفع المعيار بعد كل نجاح.

يحصل على ما أراد، فيقول: كان يجب أن أحصل على أكثر.

ينهي مشروعًا جيدًا، فيرى عيوبه فقط.

يتقدم مسافة كبيرة، فيقارن نفسه بمن سبقه بعشرين عامًا.

وهكذا لا يصل.

ليس لأنه لا يتقدم، بل لأن خط النهاية يتحرك كلما اقترب منه.

وهذه حياة مرهقة.

فالطموح الصحي يستطيع الاحتفال بما تحقق ثم النظر إلى الخطوة التالية.

أما الكمالية المؤذية فقد تحوّل كل نجاح إلى مجرد دليل على أنك كان ينبغي أن تفعل أكثر.

وهنا لا يعود الإنسان يسعى إلى الامتياز.

بل يصبح غير قادر على الشعور بأنه أنجز شيئًا أصلًا.

الجيد بما يكفي ليس دعوة إلى الرداءة

قد يبدو الحل بسيطًا: إذن فلنرضَ بأي شيء.

لكن هذا أيضًا خطأ.

مواجهة الكمالية لا تعني قتل الطموح، ولا تمجيد الإهمال، ولا التوقف عن التحسين.

الفكرة أكثر دقة:

اجعل الجودة هدفًا، لا شرطًا لقيمتك.

صحح عملك، لكن اسمح له بأن يوجد أولًا.

راجع أفكارك، لكن لا تنتظر الفكرة التي لا يمكن نقدها.

اطلب الأفضل، لكن اعرف متى يصبح المزيد بلا قيمة حقيقية.

وهذا قريب من مفهوم Satisficing الذي ارتبط بأعمال عالم الاقتصاد والعلوم المعرفية هربرت سايمون؛ ففي عالم محدود بالمعلومات والوقت والقدرة، لا يستطيع الإنسان دائمًا البحث عن الخيار الأمثل بصورة مطلقة، ولذلك قد يكون القرار العقلاني هو اختيار حل يفي بالمعايير المهمة بدل الاستمرار بلا نهاية بحثًا عن «الأفضل الممكن».

وهذه ليست فلسفة للرداءة.

إنها اعتراف بحدود الواقع.

فالطبيب يحتاج إلى دقة تختلف عن دقة اختيار لون غلاف دفتر.

والمهندس الذي يصمم جسرًا لا ينبغي أن يقول «جيد بما يكفي» في متطلبات السلامة.

الحكمة ليست في خفض المعايير دائمًا.

بل في معرفة أين يستحق الكمال التقريبي ثمنه، وأين أصبح الثمن أكبر من القيمة.

الكمال عدو النهاية

هناك لحظة صعبة في كل عمل:

لحظة أن تقول: انتهيت.

فالإنسان الكمالي يرى دائمًا شيئًا يمكن تحسينه.

كلمة يمكن استبدالها.

تفصيلًا يمكن تعديله.

خيارًا ربما كان أفضل.

وهذا صحيح من حيث المبدأ.

يمكن تحسين معظم الأشياء بلا نهاية تقريبًا.

لكن إذا كان الشيء لا يستطيع أن يكتمل حتى يصبح غير قابل للتحسين، فلن يكتمل شيء.

كل عمل عظيم تقريبًا كان يمكن لصاحبه أن يعدله مرة أخرى.

كل كتاب منشور كان يمكن تغيير جملة فيه.

كل لوحة انتهت عند لحظة قرر فيها الفنان أن يترك الفرشاة.

كل مشروع يحتاج في النهاية إلى شخص يملك شجاعة القول:

هذا ليس كاملًا... لكنه جاهز لأن يعيش خارج رأسي.

وربما تكون هذه إحدى أكثر المهارات التي لا نتحدث عنها:

ليس كيف تبدأ.

ولا حتى كيف تستمر.

بل كيف تعرف متى تتوقف.

متى يصبح الكمال عيبًا إذن؟

يصبح عيبًا عندما يمنعك من البدء.

عندما يجعلك تؤجل ما تستطيع فعله اليوم انتظارًا لنسخة مثالية منك غدًا.

عندما يحول الخطأ من معلومة إلى إهانة.

عندما تصبح قيمة نفسك معلقة بنتيجة عملك.

عندما لا تستطيع الاستمتاع بما أنجزته لأنك لا ترى إلا ما ينقصه.

عندما تطلب من الآخرين ما لا يستطيع بشر تقديمه.

وعندما تصبح رغبتك في أن تفعل الشيء بأفضل صورة سببًا في ألا تفعله إطلاقًا.

أما الإتقان الحقيقي فليس كذلك.

الإتقان أكثر هدوءًا.

يعمل.

يخطئ.

يراجع.

يتعلم.

ويعرف أن النسخة الثانية لا يمكن أن توجد قبل أن نسمح للنسخة الأولى بأن تكون ناقصة.

ربما لهذا لا يكون النقص دائمًا نقيض الجمال.

فبعض أجمل الأشياء في الإنسان جاءت من محدوديته: محاولته، تعثره، تعلمه، ثم عودته مرة أخرى وهو يعرف أكثر مما كان يعرف في المرة السابقة.

لسنا بحاجة إلى أن نحتفل بالنقص لمجرد أنه نقص.

لكننا بحاجة إلى فهم حقيقة أكثر رحمة وواقعية:

الكمال اتجاه يمكن أن نسير نحوه، لكنه مكان لا يستطيع الإنسان الإقامة فيه.

وحين تفهم ذلك، لن تتوقف عن محاولة أن تصبح أفضل.

ستتوقف فقط عن معاقبة نفسك لأنك لم تصبح مستحيلًا.


المراجع

  1. Frost, R. O., Marten, P., Lahart, C., & Rosenblate, R. (1990).
    The Dimensions of Perfectionism. Cognitive Therapy and Research, 14, 449–468.
    من الدراسات الأساسية التي تناولت الكمالية باعتبارها ظاهرة متعددة الأبعاد، ومنها القلق بشأن الأخطاء والشك في الأفعال والمعايير الشخصية.
  2. Stoeber, J., & Otto, K. (2006).
    Positive Conceptions of Perfectionism: Approaches, Evidence, Challenges. Personality and Social Psychology Review, 10(4), 295–319.
    مراجعة مهمة تشرح لماذا ينبغي التفريق بين السعي إلى مستويات مرتفعة والجوانب القلقة والمؤذية للكمالية.
  3. Limburg, K., Watson, H. J., Hagger, M. S., & Egan, S. J. (2017).
    The Relationship Between Perfectionism and Psychopathology: A Meta-Analysis. Journal of Clinical Psychology, 73(10), 1301–1326.
    تحليل تلوي واسع للعلاقات بين أبعاد الكمالية وعدد من الصعوبات النفسية.
  4. Sirois, F. M., Molnar, D. S., & Hirsch, J. K. (2017).
    A Meta-Analytic and Conceptual Update on the Associations Between Procrastination and Multidimensional Perfectionism. European Journal of Personality, 31(2), 137–159.
    يناقش بصورة أكثر دقة العلاقة بين أبعاد الكمالية والتسويف.
  5. Simon, H. A. (1955).
    A Behavioral Model of Rational Choice. Quarterly Journal of Economics, 69(1), 99–118.
    من الأعمال المؤسسة لفكرة العقلانية المحدودة، التي ارتبط بها مفهوم البحث عن خيار مُرضٍ يحقق المتطلبات بدل افتراض القدرة الدائمة على الوصول إلى الخيار الأمثل.
  6. American Psychological Association — Dictionary of Psychology.
    مرجع اصطلاحي عام لمفاهيم الكمالية والدافعية والعمليات النفسية المرتبطة بها.



                                                                                              تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة