لماذا بدأت تليد ؟ قصتي مع الكتابة والتحديات
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
لماذا بدأت تليد؟
لم أبدأ تليد لأنني كنت أبحث عن مدونة.
ولم أجلس ذات مساء وفي يدي خطة واضحة أقول فيها: سأصنع موقعًا، أكتب فيه عددًا من المقالات، أجمع القراء، ثم أنتظر ماذا سيحدث.
الحقيقة أبسط من ذلك بكثير… وأعمق.
بدأت تليد لأن في داخلي كلامًا أصبح أكبر من أن يظل حبيس رأسي.
كانت هناك أسئلة كثيرة، وتجارب أكثر، وأشياء مررت بها ولم أجد لها دائمًا تفسيرًا مناسبًا. كنت أراقب الحياة من حولي وأكتشف أن بعض ما يحدث لنا يمر سريعًا في الواقع، لكنه يبقى طويلًا في داخلنا.
ومن هنا بدأت الحكاية.
لم أكن أعرف إلى أين ستصل تليد.
وربما حتى الآن لا أعرف.
لكنني أعرف جيدًا لماذا بدأت.
كنت أبحث عن مكان يشبهني
هناك فرق بين أن تكتب لأن لديك موضوعًا، وأن تكتب لأن لديك شيئًا تريد فهمه.
كنت أقرب إلى النوع الثاني.
لم تكن الكتابة بالنسبة إليّ محاولة لإظهار ما أعرفه بقدر ما كانت محاولة لاكتشاف ما أفكر فيه أصلًا.
فالإنسان يحمل أحيانًا فكرة سنوات طويلة، لكنه لا يراها بوضوح إلا عندما يحاول كتابتها.
وحين بدأت أفعل ذلك، اكتشفت شيئًا غريبًا:
كنت أظن أنني أكتب عن الحياة، لكنني في أحيان كثيرة كنت أفكك أجزاءً مني.
حين كتبت عن الخسارة، كنت أعرف شيئًا عنها.
وحين كتبت عن الزمن، لم يكن الزمن بالنسبة إليّ مجرد عقارب تتحرك.
وحين سألت عن الوعي والإدراك والماضي والأمل والفشل والإنسان، لم تكن الأسئلة بعيدة عني.
كانت تمر من خلالي أولًا.
لهذا أصبحت تليد شيئًا مختلفًا بالنسبة إليّ.
لم تكن مكانًا أضع فيه المقالات فقط، بل مكانًا أضع فيه الأسئلة التي لم أجد لها مكانًا آخر.
لماذا «تليد»؟
هناك أسماء تصف الشيء، وأسماء تحمل معناه.
وكلمة تليد في العربية تحمل معنى القديم الأصيل والموروث الذي بقيت له قيمة.
وقد أحببت في الاسم فكرة البقاء.
فنحن نعيش في زمن سريع بصورة مخيفة.
خبر يولد في الصباح ويُنسى في المساء.
صورة تظهر للحظات ثم تختفي.
كلمات كثيرة تُكتب كي تُستهلك سريعًا، لا كي تبقى.
وأردت شيئًا مختلفًا.
أن أكتب ما يمكن أن يعود إليه الإنسان بعد سنة، وربما بعد عشر سنوات، فلا يشعر أنه يقرأ شيئًا انتهت صلاحيته بالأمس.
فالإنسان سيظل يسأل عن نفسه.
وسيظل يخاف ويأمل ويخسر ويحب ويتغير.
وسيظل الزمن يأخذ منه أشياء ويمنحه أشياء أخرى.
التقنيات تتغير.
والمدن تتغير.
وطرق حياتنا تتغير.
لكن بعض أسئلة الإنسان قديمة بقدم الإنسان نفسه.
ولهذا كان الاسم قريبًا مما أردت أن تكون عليه المدونة:
شيئًا يولد اليوم، لكنه لا يُكتب لليوم وحده.
لم أبدأ وأنا أملك الإجابات
وهذه نقطة مهمة جدًا بالنسبة إليّ.
لا أكتب من مكان الشخص الذي فهم الحياة ثم جاء ليشرحها للآخرين.
لو كنت قد فهمتها فعلًا، ربما لما احتجت إلى كل هذه الكتابة.
أنا أكتب لأنني أسأل.
وقد تكون هذه هي العلاقة الحقيقية بيني وبين تليد.
كل مقال تقريبًا يبدأ بسؤال.
لماذا نفعل ذلك؟
ماذا يحدث لو؟
متى يصبح الشيء نقيض نفسه؟
هل نحن فعلًا كما نعتقد؟
ما الذي يفعله الزمن بنا؟
ولماذا نفهم بعض الأشياء متأخرين؟
لا أحب الإجابات السريعة للأسئلة الكبيرة.
لأن الحياة نفسها لم تعطنا إجاباتها بهذه السهولة.
ولهذا لا أريد أن تكون تليد مكانًا يقول للقارئ دائمًا:
هذه هي الحقيقة.
أحب أكثر أن تقول له:
هل فكرت في الأمر بهذه الطريقة من قبل؟
ثم تترك له المساحة.
يفكر.
يختلف.
يوافق.
وربما يغلق الصفحة، لكن السؤال يظل معه.
حينها أشعر أن المقال أدى وظيفته.
ثم أصبحت المدونة تحديًا
في البداية كانت الفكرة كتابة.
ثم اكتشفت أن بناء مكان للكلمات يحتاج إلى أشياء كثيرة لا علاقة لها بجمال الكلمات.
هناك تفاصيل تقنية.
وتعديلات.
ومشكلات تظهر دون موعد.
وأشياء تتعلمها فقط لأنك اضطررت إلى تعلمها.
وأحيانًا تعمل طويلًا على أمر صغير جدًا لن يلاحظه القارئ أصلًا.
كانت هناك لحظات شعرت فيها أن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا مما توقعت.
لكن شيئًا آخر بدأ يحدث في المقابل.
كل مشكلة أحلها كانت تجعل تليد أكثر قربًا مني.
فالشيء الذي يأتيك جاهزًا قد تحبه، لكن الشيء الذي تبنيه بيدك — حتى مع أخطائه — تصبح علاقتك به مختلفة.
بدأت المدونة تتحول من صفحة على الإنترنت إلى مشروع شخصي.
وأصبحت أريد أن أعرف:
إلى أي مكان يمكن أن تصل هذه الفكرة لو منحتها ما يكفي من الوقت؟
كانت هناك تحديات… وما زالت
لن أجمل الحكاية.
ليس كل ما حاولت فعله سار كما أردت.
كانت هناك أبواب تأخرت.
وأشياء احتاجت إلى محاولات متكررة.
وأوقات ظننت فيها أنني أنهيت مشكلة، ثم اكتشفت أن أمامي أخرى.
وهذا جزء من الحكاية أيضًا.
فأنا لا أكتب هذا المقال من نهاية الطريق.
لا أملك النهاية أصلًا.
أنا أكتب من منتصف التجربة.
وهذا ما يجعل الأمر بالنسبة إليّ أكثر صدقًا.
من السهل أن يحكي الإنسان عن مشروعه بعد نجاحه؛ فالنتيجة تمنحه القدرة على ترتيب الماضي بطريقة جميلة.
أما حين تكتب وأنت لا تعرف النتيجة، فأنت لا تستطيع الادعاء.
لا أعرف إلى أين ستصل تليد.
لكنني أعرف أنني حاولت.
وأعرف أنني تعلمت خلالها أشياء لم أكن سأتعلمها لو بقيت الفكرة في رأسي.
وربما يكون هذا أول نجاح حقيقي لأي مشروع:
أن يغيّر صاحبه قبل أن يغيّر شيئًا في العالم.
أكتب لأنني أخشى أن تضيع بعض الأفكار
الفكرة التي لا تكتبها لها عمر قصير.
نقول لأنفسنا إننا سنتذكرها.
ثم تأتي الحياة.
يوم بعد يوم.
عمل.
انشغال.
أحداث جديدة.
وفجأة لا نتذكر حتى أننا كنا نفكر فيها.
كم فكرة عظيمة مرت في عقل إنسان ثم اختفت لأنه لم يكتبها؟
كم تجربة انتهت دون أن يترك صاحبها منها شيئًا؟
وكم إنسانًا تعلم درسًا بعد سنوات من حياته ثم رحل دون أن يخبر به أحدًا؟
ربما لهذا أحب الكتابة.
إنها محاولة صغيرة لمقاومة النسيان.
لا أستطيع الاحتفاظ بالأيام.
ولا أستطيع إيقاف الزمن.
لكنني أستطيع أن آخذ فكرة من لحظة عابرة وأضعها في كلمات.
ثم تصبح الكلمات قادرة على السفر إلى مكان لا أستطيع أنا الوصول إليه.
لا أريد قارئًا يوافقني دائمًا
هناك شيء آخر أردته لتليد منذ بدأت تتشكل هويتها.
لا أريد أن تكون مكانًا لتلقين الأفكار.
ولا أريد أن يقرأ الإنسان المقال ثم يخرج منه بنسخة مطابقة لرأيي.
قد أكون مخطئًا.
وقد يرى القارئ زاوية لم أرها.
وقد تتغير آرائي أنا نفسي بعد سنوات.
وهذا طبيعي.
الفكر الذي يخاف من السؤال يصبح هشًا مهما بدا واثقًا.
لذلك أفضل القارئ الذي يتوقف عند جملة ويقول:
لا أتفق.
ثم يفكر في سبب عدم اتفاقه.
على القارئ الذي يمر على ألف كلمة دون أن تحرك فيه سؤالًا واحدًا.
تليد بالنسبة إليّ ليست مكانًا للإجابات النهائية.
إنها مكان للأسئلة التي تستحق ألا تمر سريعًا.
ربما أكتب لنفسي أيضًا
أحيانًا أتساءل:
لمن أكتب فعلًا؟
للقارئ؟
لمحركات البحث؟
لشخص سيصل إلى المقال مصادفة بعد سنوات؟
ربما لكل هؤلاء.
لكن هناك قارئًا آخر لا أتحدث عنه كثيرًا:
أنا في المستقبل.
ربما أعود يومًا إلى المقالات القديمة وأقرأ الإنسان الذي كنت عليه.
سأجد أفكارًا ما زلت أؤمن بها.
وأفكارًا سأبتسم لأنني تجاوزتها.
وربما أجد سؤالًا كتبته قبل سنوات وأكتشف أن الحياة أجابتني عنه بطريقتها.
وهذا يجعل تليد أكثر من مدونة بالنسبة إليّ.
إنها سجل لتغير العقل.
لا تسجل أين كنت فقط، بل كيف كنت أرى العالم وأنا هناك.
ماذا أريد من تليد؟
بالطبع أريد لها أن تنجح.
لن أدّعي أن الأرقام لا تهمني، أو أنني لا أريد أن يصل ما أكتبه إلى عدد كبير من الناس.
المشروع الذي لا يريد صاحبه أن ينمو ربما يظل هواية جميلة، لكنني أريد لتليد أكثر من ذلك.
أريد أن تكبر.
وأن تُقرأ.
وأن تجد مكانها.
لكن هناك نجاحًا آخر أخشاه أكثر من الفشل:
أن تنجح تليد يومًا، ثم لا أعود أتعرف عليها.
أن تصبح الأرقام أهم من الفكرة.
أن أكتب ما يجذب فقط، لا ما يستحق أن يُكتب.
أن ألاحق ما يريده الجميع حتى أفقد السبب الذي جعلني أبدأ.
لذلك أريد النجاح، نعم.
لكن ليس على حساب روح المكان.
لهذا بدأت تليد
بدأتها لأن لدي أسئلة.
لأنني أحب الفكرة التي تجعلك تتوقف قليلًا.
لأن بعض تجاربي جعلتني أنظر إلى الحياة بطريقة مختلفة.
لأنني أردت مكانًا أستطيع أن أكتب فيه دون أن أختصر الفكرة كي تناسب سرعة العالم.
وبدأتها لأنني أؤمن أن الكلمة قد تبدو صغيرة جدًا عندما تُكتب، لكننا لا نعرف إلى أين ستصل.
ربما يقرأ مقالًا شخص واحد فقط في الوقت الذي يحتاج إليه.
وقد تكون جملة عابرة بالنسبة إليّ شيئًا كبيرًا بالنسبة إليه.
وهذا يكفي كي تكون الكتابة جديرة بالمحاولة.
أما إلى أين ستصل تليد؟
لا أعرف.
وأحب، للمرة الأولى، ألا أعرف.
لأنني ما زلت أبنيها.
وما زلت أتعلم منها.
وما زالت هناك أفكار لم أكتبها، وأسئلة لم أسألها، وأجزاء من الحكاية لم تحدث أصلًا.
لذلك إذا سألني أحد يومًا:
لماذا بدأت تليد؟
فلن أقول لأنني أردت إنشاء مدونة.
سأقول:
لأنني لم أرد لكل ما دار في رأسي، وكل ما علمتني إياه الحياة، أن ينتهي عندي.
طبعًا تليد..
تعليقات
إرسال تعليق