لماذا لا نتذكر طفولتنا المبكرة؟ التفسير العلمي لفقدان ذاكرة الطفولة
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| من الحكمة ألا يجب أن تتذكر كٌل شيء |
لقد عشت تلك السنوات... فلماذا لا تتذكرها؟ لغز السنوات المفقودة من حياتك
كنت هناك.
فتحت عينيك كل صباح، عرفت وجه أمك وأبيك، ضحكت، بكيت، خفت، تعلمت الوقوف ثم المشي، سمعت كلمات لم تكن تفهمها ثم بدأت تنطقها، اكتشفت الأشياء من حولك للمرة الأولى، وعشت آلاف الساعات التي ساهمت في صنع الإنسان الذي أصبحت عليه اليوم.
ومع ذلك، إذا حاولت العودة بذاكرتك إلى تلك السنوات، ستجد شيئًا غريبًا:
لا شيء تقريبًا.
أين ذهب كل ذلك؟
كيف يستطيع الإنسان أن يعيش سنوات كاملة من حياته، ثم يكبر وكأن ذاكرته لم تكن موجودة خلالها؟
قد تملك صورة قديمة وأنت في الثانية من عمرك، وقد أخبرتك عائلتك عشرات المرات بما كنت تفعله، لكن هل تتذكر فعلًا تلك اللحظة؟ أم أنك تتذكر الصورة والحكاية التي قيلت لك حتى أصبحت تشبه الذكرى؟
هذا السؤال ليس فلسفيًا فقط، بل هو ظاهرة معروفة في علم النفس باسم فقدان الذاكرة الطفولي أو Childhood Amnesia: الصعوبة الشائعة لدى البالغين في استرجاع أحداث السنوات الأولى من حياتهم. وتصفها جمعية علم النفس الأمريكية بأنها العجز المعتاد عن تذكر أحداث الطفولة المبكرة، مع ارتباطها بنمو القدرات المعرفية ونضج أجزاء الدماغ المسؤولة عن ذكريات الأحداث الشخصية.
لكن المفاجأة تبدأ هنا:
الطفل لا يعيش بلا ذاكرة.
فإذا كان يستطيع أن يتعلم ويتعرف إلى الأشخاص والأماكن ويكتسب المهارات، فلماذا تختفي لاحقًا قصة السنوات التي عاشها؟
أنت لم تكن بلا ذاكرة... لكن ذاكرتك لم تكن كما هي الآن
من السهل أن نتخيل ذاكرة الإنسان على أنها خزان يبدأ فارغًا عند الولادة ثم نضع فيه الذكريات واحدة تلو الأخرى.
لكن الدماغ أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
الأطفال قادرون على التعلم وتكوين أنواع من الذكريات، وهناك أدلة على وجود ذاكرة للأحداث في مراحل مبكرة من الحياة. المشكلة ليست ببساطة أن الطفل «لا يسجل شيئًا». وتشير مراجعات علمية إلى أن الأطفال يستطيعون تكوين ذكريات، لكن ذكريات السنوات المبكرة تكون أكثر هشاشة، ويحدث نسيانها بمعدل أسرع مقارنة بالمراحل اللاحقة من الحياة.
وهذا يغيّر السؤال كله.
بدل أن نسأل:
لماذا لم نصنع ذكريات في طفولتنا؟
يصبح السؤال:
لماذا لم تستطع كثير من تلك الذكريات البقاء معنا حتى البلوغ؟
وهنا لا يقدم العلم سببًا وحيدًا.
فالذاكرة الذاتية التي تستطيع اليوم أن تقول من خلالها: «أتذكر أنني كنت في ذلك المكان، وحدث لي كذا، وشعرت بكذا» تعتمد على منظومة تنمو تدريجيًا، وتشترك فيها عمليات عصبية ومعرفية ولغوية واجتماعية متعددة. ولهذا ترى المراجعات الحديثة أن تفسير فقدان الذاكرة الطفولي يحتاج إلى أكثر من عامل واحد.
الدماغ نفسه كان ما يزال يبني آلة التذكر
في أعماق الدماغ توجد بنية شهيرة تسمى الحُصين Hippocampus، وهي جزء بالغ الأهمية في تكوين واسترجاع أنواع من الذكريات المتعلقة بالأحداث وما ارتبط بها من زمان ومكان.
لكن الحُصين لا يعمل منفردًا.
إنه جزء من شبكة أوسع تتعاون فيها مناطق دماغية مختلفة في ترميز الذكريات وتثبيتها واسترجاعها. والأهم أن هذه المنظومة لا تولد مكتملة؛ بل يستمر نمو الحُصين والقشرة الدماغية والروابط الوظيفية بينهما خلال الطفولة. وتشير الأدلة العصبية إلى أن هذا التطور الممتد يسهم في هشاشة ذكريات السنوات المبكرة.
تخيل أنك تحاول الاحتفاظ بوثائق مهمة داخل مبنى لا يزال العمال يغيرون غرفه وممراته وأنظمته.
المعلومة قد تدخل.
لكن طريقة تنظيمها واستعادتها بعد سنوات ليست بالضرورة مثل نظام مكتمل استقر بناؤه.
وهذا مجرد تشبيه، لكنه يساعدنا على فهم أن دماغ الطفل ليس نسخة مصغرة تمامًا من دماغ البالغ.
إنه دماغ يتطور.
ومع تطوره تتغير الطريقة التي يتعلم بها الإنسان ويثبت بها ذكرياته ويربط أحداث حياته بعضها ببعض.
لذلك فاختفاء طفولتنا المبكرة من الذاكرة لا يعني أن السنوات لم تؤثر فينا؛ بل يعني أن قدرتنا الحالية على استرجاع الأحداث كسيرة ذاتية متماسكة لم تكن تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها لاحقًا.
قبل أن تتعلم الكلام... كيف كنت تحكي حياتك لنفسك؟
هناك عامل آخر شديد الإثارة: اللغة.
اليوم، عندما يحدث لك شيء مهم، تستطيع أن تحوله إلى قصة:
ذهبت إلى مكان ما.
قابلت شخصًا.
حدث شيء.
شعرت بالخوف أو السعادة.
عدت إلى المنزل.
ثم بعد سنوات تستطيع استدعاء تلك الحادثة باستخدام الكلمات والمفاهيم التي نظمت بها التجربة.
لكن الطفل الصغير جدًا لا يمتلك بعد هذه المنظومة اللغوية المتطورة.
ولهذا اقترح الباحثون منذ زمن أن تطور اللغة والسرد يسهم في بناء الذاكرة الذاتية. إلا أن اللغة وحدها لا تكفي لتفسير الظاهرة؛ فالدراسات والمراجعات تشير إلى أن فقدان ذاكرة الطفولة يرتبط أيضًا بتطور الدماغ والإدراك والإحساس بالذات والتفاعل الاجتماعي.
والأمر يصبح أكثر جمالًا عندما نفكر فيه بهذه الطريقة:
ربما امتلك الطفل تجربة ما، لكنه لم يكن يمتلك بعد النسخة الحالية من نفسه التي ستعود بعد ثلاثين عامًا لتبحث عنها.
فالذاكرة الذاتية ليست تسجيلًا للحدث فقط.
إنها أيضًا معرفة أن:
هذا حدث لي أنا.
وهنا ندخل إلى عنصر آخر.
متى أصبح «أنا» جزءًا من الذاكرة؟
لكي تتذكر سيرتك، لا يكفي أن تتذكر الأشياء.
يجب أن تمتلك مفهومًا عن ذاتك.
أنا الذي كنت هناك.
أنا الذي حدث له ذلك.
أنا الطفل نفسه الذي أصبح هذا الإنسان.
وقد اقترحت أبحاث في تطور الذاكرة أن نشوء مفهوم معرفي للذات يساعد الطفل على تنظيم الأحداث باعتبارها تجارب شخصية تخصه، بينما وجدت دراسات لاحقة علاقة بين تطور معرفة الطفل بذاته وحجم ذكرياته الذاتية المحددة.
وهذه فكرة مدهشة.
فنحن نعتقد عادة أن «الذات» موجودة بالطريقة نفسها منذ اللحظة الأولى، لكن قدرتنا على بناء قصة مترابطة عن أنفسنا تتطور مع العمر.
ولهذا فإن ذاكرتك ليست ألبوم صور فقط.
إنها سيرة.
ولكي توجد السيرة، تحتاج إلى بطل يعرف أنه بطل الحكاية.
لكن لماذا أتذكر شيئًا من عمر سنتين؟
هنا تصبح الأمور أكثر تعقيدًا.
هناك أشخاص يقولون إنهم يتذكرون حدثًا وقع لهم عندما كانوا في الثانية، بل أحيانًا قبل ذلك.
هل يكذبون؟
ليس بالضرورة.
لكن الذاكرة البشرية ليست تسجيل فيديو محفوظًا في الدماغ.
الذكريات قابلة لإعادة البناء، وقد تدخل في تكوينها لاحقًا صور وحكايات عائلية ومعلومات سمعناها مرارًا. ولهذا يصعب أحيانًا التحقق مما إذا كانت «الذكرى المبكرة جدًا» استرجاعًا مباشرًا للحدث أم بناءً لاحقًا تأثر بما عرفناه عنه.
وتشير مناقشات علمية حول أقدم الذكريات إلى أن الذكريات التي يُعتقد أنها تعود إلى ما قبل الثالثة أو الرابعة ينبغي التعامل معها بحذر، خصوصًا عند الاعتماد على استرجاع البالغين بعد عقود.
فكر في صورة لك وأنت صغير.
رأيتها مئة مرة.
تعرف المنزل.
تعرف من كان موجودًا.
أخبرتك أمك ماذا حدث قبل التقاطها وبعده.
بعد عشرين عامًا قد تشعر أنك تستطيع رؤية الحدث من داخله.
لكن السؤال الصعب هو:
هل تتذكر اليوم الأصلي... أم تتذكر القصة التي بُنيت حوله؟
وليس من السهل دائمًا الفصل بين الاثنين.
أين ذهبت الذكريات إذن؟
لا يملك العلم صندوقًا يستطيع فتحه ليقول: «ها هي كل ذكريات طفولتك، لكنها مقفلة».
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
بعض النظريات تركز على أن الذكريات المبكرة تكون هشة وسريعة النسيان. وبعضها يهتم بتطور الأنظمة العصبية اللازمة للذاكرة طويلة المدى. وبعضها يركز على اللغة، وبعضها على تطور الذات، وبعضها على الطريقة الاجتماعية التي يتعلم بها الطفل رواية الماضي.
والأرجح أن الظاهرة لا تختزل في مفتاح واحد.
بل إن مراجعة متخصصة وصفت السؤال نفسه بأنه لغز يتعلق بما إذا كانت الذكريات المبكرة تُخزن منذ البداية بصورة أكثر هشاشة، أم تصبح صعبة الاسترجاع مع مرور الوقت، أم يحدث الأمران معًا.
والأغرب من ذلك أن النسيان قد يبدأ خلال الطفولة نفسها.
فالطفل يستطيع في مرحلة معينة أن يتذكر حدثًا مبكرًا، ثم يفقد القدرة على استرجاعه عندما يكبر. وتدعم الأدبيات التطورية فكرة أن معدل نسيان الأحداث في الطفولة المبكرة أسرع من المعدل الذي نراه لاحقًا لدى البالغين.
أي أن بعض الذكريات التي تبحث عنها الآن ربما لم تنتظر حتى أصبحت بالغًا لكي تختفي.
ربما بدأت تضيع وأنت ما تزال طفلًا.
هل اختفت السنوات إذا لم نتذكرها؟
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر غرابة في المسألة.
أنت لا تتذكر كيف تعلمت المشي.
لكن جسدك تعلم.
لا تتذكر معظم الأيام التي تعلمت فيها لغتك الأولى.
لكن الكلمات بقيت.
لا تتذكر آلاف المرات التي نظرت فيها إلى وجوه أفراد أسرتك وأنت رضيع.
ومع ذلك تعلمت معرفتهم والتفاعل معهم.
وهذا يكشف خطأً شائعًا في فهم الذاكرة:
عدم قدرتك على استرجاع حدث لا يعني أن سنواتك الأولى لم تترك أثرًا في تطورك.
فهناك أنواع مختلفة من التعلم والذاكرة، وليست كلها ذكريات ذاتية واعية نستطيع استحضارها على هيئة قصة. وتشير الأدبيات العصبية إلى أن أنظمة الذاكرة الصريحة والضمنية ليست شيئًا واحدًا، وأن تجارب الحياة المبكرة يمكن أن تكون ذات أثر حتى عندما لا نستطيع لاحقًا استرجاعها كسرد واعٍ للأحداث.
وهنا تصبح السنوات «المفقودة» أقل فقدانًا مما نظن.
ربما لم تبقَ لدينا منها الأفلام.
لكن بقي شيء من النتائج.
أغرب سنوات حياتك هي السنوات التي صنعتك ولم تشاهدها
هناك مفارقة جميلة وقاسية في الوقت نفسه:
بعض أكثر سنوات حياتك أهمية هي السنوات التي لا تستطيع العودة إليها.
كنت تتغير بسرعة هائلة.
تتعلم اللغة.
تكتشف الحركة.
تتعرف إلى العالم.
يبني دماغك روابط جديدة.
يتشكل إدراكك للأشياء وللآخرين ولنفسك.
ثم عندما تكتمل قدرتك على رواية حياتك بصورة أفضل، تكون صفحات كثيرة من بدايتها قد أصبحت بعيدة عن متناول الذاكرة.
كأن الإنسان يصل متأخرًا إلى أرشيف حياته، فيجد أن الفصول الأولى كُتبت بحبر لا يدوم طويلًا.
لكن ربما لا ينبغي أن ننظر إلى الأمر باعتباره خللًا.
فبعض الباحثين ناقشوا احتمال أن يكون نسيان الخبرات المبكرة جزءًا من عملية تطورية تساعد نظام الذاكرة على الانتقال إلى صور أكثر نضجًا وتنظيمًا، بدل أن يكون مجرد عجز غامض.
وفي النهاية، لا نعرف طفولتنا الأولى بالطريقة التي نعرف بها الأمس.
نعرفها من الصور.
من حكايات أمهاتنا وآبائنا.
من تسجيل قديم.
من لعبة بقيت في صندوق.
من مكان نشعر نحوه بألفة لا نستطيع تفسيرها.
ومن إنسان بالغ يحمل آثار سنوات لا يستطيع استدعاء معظم أحداثها.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في الذاكرة ليس أنها تحفظ حياتنا.
بل أنها تختار لنا أي أجزاء من حياتنا نستطيع العودة إليها.
لقد عشت تلك السنوات فعلًا.
لم تكن وهمًا.
لم تكن فراغًا.
كانت حياتك.
لكن الإنسان لا يحتاج إلى أن يتذكر كل ما صنعه...
كي يكون ما صنعه حاضرًا فيه.
مقالات ذات صلة:
https://www.hoary350.com/2026/08/why-time-feels-faster-with-age.html.html
المراجع العلمية
- Bauer, P. J. (2015). A complementary processes account of the development of childhood amnesia and a personal past. Psychological Review.
- Hayne, H., & Jack, F. (2011). Childhood amnesia. Wiley Interdisciplinary Reviews: Cognitive Science.
- Howe, M. L. (2019). Unravelling the nature of early (autobiographical) memory. Memory.
- Riggins, T. et al. Empirical Evidence Supporting Neural Contributions to Episodic Memory Development in Early Childhood: Implications for Childhood Amnesia.
- Ross, J., Hutchison, J., & Cunningham, S. J. (2020). The Me in Memory: The Role of the Self in Autobiographical Memory Development. Child Development.
تعليقات
إرسال تعليق