أنت مخطئ إذا فعلت الصواب... حين لا تكفي النية لتبرئة الفعل

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


لقد فعلت الصواب أيها المُخطئ ,,


أنت مخطئ إذا فعلت الصواب ، متى يتحول الصواب إلى خطأ؟


هناك أخطاء نرتكبها لأننا لم نعرف الصواب.

وهذه مفهومة.

وهناك أخطاء نرتكبها رغم أننا نعرف الصواب، وهذه مؤلمة.

لكن النوع الأكثر تعقيدًا هو أن تفعل الصواب نفسه... ثم تكتشف أنك أخطأت.

تقول الحقيقة، فتؤذي إنسانًا لم يكن يحتاج إلى سماعها بتلك القسوة.

تدافع عن شخص، فتسلبه دون أن تقصد فرصة الدفاع عن نفسه.

تساعد من تحب في كل مرة يسقط فيها، حتى يصبح عاجزًا عن الوقوف دونك.

تسامح مرة بعد أخرى، فتتحول فضيلتك في عين الآخر إلى تصريح مفتوح بتكرار الإساءة.

تكون صريحًا في موضع يحتاج إلى رحمة، وشجاعًا في موقف يحتاج إلى حكمة، وصامتًا لأن الصمت فضيلة بينما كان الكلام هو الواجب.

كل هذه الأفعال تبدو جميلة إذا عزلناها عن ظروفها.

لكن الحياة لا تحاكم الأفعال منفردة.

الحياة تسأل: ماذا فعلت؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ ولمن؟ وماذا ترتب على فعلك؟

ومن هنا تبدأ المعضلة:

هل يكفي أن يكون الفعل صحيحًا لكي تكون أنت على صواب؟

ربما لا.

ليست الفضيلة في الفعل وحده

من أسوأ ما قد يحدث للإنسان أن يتعامل مع الأخلاق كما يتعامل مع جدول الضرب.

الصدق جيد.

الكرم جيد.

الشجاعة جيدة.

التسامح جيد.

الصبر جيد.

إذن مارسها دائمًا، وستكون إنسانًا صالحًا.

لكن الإنسان ليس معادلة، والمواقف ليست نسخًا متطابقة من بعضها.

فالصدق، على عظمته، يمكن أن يتحول إلى قسوة حين تستخدم الحقيقة لإهانة شخص ثم تقول: «أنا فقط صريح».

والشجاعة يمكن أن تنقلب تهورًا عندما تخاطر بما ليس من حقك أن تخاطر به.

والكرم قد يتحول إلى إفساد عندما تعطي شخصًا كل ما يطلب حتى تقتله اعتماديته عليك.

والتسامح قد يصبح مشاركة غير مباشرة في استمرار الظلم إذا كان المعتدي يعلم أنك ستغفر مهما فعل.

حتى الصبر، تلك الفضيلة التي نتغنى بها، قد يتحول أحيانًا إلى خوف يرتدي ملابس الحكمة.

ليس السؤال إذن:

هل ما أفعله فضيلة؟

بل:

هل هذه الفضيلة مناسبة لهذا الموقف؟

وهذه مرحلة أصعب بكثير من مجرد معرفة الفرق بين الخير والشر.

فالطفل يستطيع أن يتعلم أن الكذب سيئ.

لكن النضج الأخلاقي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن الحياة ستضعه أحيانًا أمام مواقف لا يكون فيها الاختيار بين كذب وصدق، بل بين قيمتين صحيحتين تتعارضان في اللحظة نفسها.

قد تكون صادقًا، لكنك ستكسر قلبًا.

وقد تكون رحيمًا، لكنك ستخفي حقيقة.

قد تفي بوعد قطعته لإنسان، بينما يؤدي وفاؤك به إلى ظلم إنسان آخر.

قد تقف مع صديقك لأن الوفاء فضيلة، ثم تكتشف أن الوقوف معه يعني الوقوف إلى جانب خطئه.

هنا لا يعود السؤال بسيطًا.

وهنا يبدأ الإنسان الحقيقي في الظهور.

أحيانًا نستخدم الصواب لنفعل ما نريده

هناك حقيقة أكثر إزعاجًا:

نحن لا نرتكب الخطأ دائمًا ونحن نعرف أنه خطأ.

أحيانًا نرتكبه ونقنع أنفسنا بأنه صواب.

فالإنسان بارع في صناعة المبررات الأخلاقية لرغباته.

قد تتدخل في حياة شخص وتقول:

«أنا أخاف عليه.»

لكن هل كان خوفك عليه، أم رغبتك في السيطرة عليه؟

قد تواجه إنسانًا بطريقة جارحة وتقول:

«كان يجب أن يسمع الحقيقة.»

لكن هل أردت الحقيقة فعلًا، أم أردت أن تنتصر؟

قد تقاطع شخصًا وتقول:

«أنا أحفظ كرامتي.»

ولكن هل كانت كرامة، أم كبرياء؟

قد ترفض الاعتذار وتقول:

«أنا لم أفعل شيئًا خاطئًا.»

وقد تكون محقًا في تفاصيل الواقعة، لكنك تعرف في أعماقك أنك تستطيع إنهاء خصومة طويلة بكلمة لا تنتقص منك شيئًا.

وهنا يصبح الصواب خطيرًا؛ لأن الإنسان عندما يرتكب خطأ واضحًا يمكن مواجهته، أما عندما يرتكب الخطأ باسم الصواب فإنه يمتلك حجة تحميه من مراجعة نفسه.

ولهذا فإن بعض أكثر الناس ظلمًا لا يرون أنفسهم ظالمين.

إنهم مقتنعون أنهم يدافعون عن حق، أو مبدأ، أو عائلة، أو كرامة، أو حقيقة.

ولعل أخطر جملة يمكن أن يقولها الإنسان لنفسه هي:

«أنا أعرف أنني على حق.»

ليس لأنها خاطئة دائمًا، بل لأنها قد تغلق الباب الذي تدخل منه المراجعة.

ماذا لو كان خصمك على حق أيضًا؟

هذه من أصعب الأفكار التي يتعلمها الإنسان متأخرًا:

قد تكون على حق، ويكون من أمامك على حق أيضًا.

ليس كل خلاف يحتوي على ملاك وشيطان.

أحيانًا يقف شخصان على جانبين مختلفين من الحقيقة.

أب يريد حماية ابنه.

والابن يريد أن يعيش حياته.

الأب محق في خوفه.

والابن محق في استقلاله.

موظف يريد راتبًا أعلى بعد سنوات من العمل.

وصاحب مشروع يحاول حماية شركته من الإفلاس.

كلاهما قد يمتلك أسبابًا مشروعة.

شخص يريد الحديث فورًا لحل المشكلة.

والآخر يحتاج إلى الصمت حتى يهدأ.

الأول لا يهرب من المواجهة.

والثاني لا يهرب بالضرورة من المسؤولية.

إنهما فقط يحتاجان إلى شيئين مختلفين في اللحظة نفسها.

كثير من صراعاتنا لا تحدث لأن أحد الطرفين شرير، وإنما لأن كل طرف يرى الجزء الذي يقف أمامه ويظنه الحقيقة كاملة.

ومن علامات النضج أن تستطيع قول:

«قد أكون محقًا من موقعي، لكن ماذا يرى الإنسان الواقف في الجهة الأخرى؟»

لا لكي تتنازل عن حقك.

بل لكي تعرف حجمه الحقيقي.

الصواب في الوقت الخطأ قد يصبح خطأ

هناك كلمة تغير قيمة أشياء كثيرة:

التوقيت.

النصيحة أمر جيد.

لكن تقديمها لإنسان في اللحظة التي يحتاج فيها إلى الاحتواء قد يكون خطأ.

المواجهة مهمة.

لكن مواجهة شخص غاضب أمام الناس قد تحول محاولة الإصلاح إلى معركة كرامات.

الصمت حكمة.

لكن الصمت أمام ظلم تستطيع منعه ليس حكمة.

الحقيقة قيمة عظيمة.

لكن ليست كل حقيقة يجب أن تقال في كل لحظة وبكل طريقة.

نحن نركز كثيرًا على ماذا نقول وننسى أن الحياة تتأثر أيضًا بـ متى نقول، وكيف نقول، ولماذا نقول.

والحكمة ليست معرفة الشيء الصحيح فقط.

الحكمة هي معرفة المقدار الصحيح من الشيء الصحيح في الوقت الصحيح.

وهذا هو السبب في أن القواعد الأخلاقية وحدها لا تصنع إنسانًا حكيمًا.

الحكمة تحتاج إلى شيء أكثر دقة:

القدرة على رؤية السياق.

النية الطيبة لا تمحو النتيجة السيئة

«كانت نيتي طيبة.»

كم مرة قيلت هذه الجملة بعد أن وقع الضرر؟

النية مهمة بلا شك.

لكنها ليست كل شيء.

إذا حاولت مساعدة إنسان بطريقة أضرته، فإن حسن نيتك يفسر فعلك، لكنه لا يمحو أثره.

إذا قلت كلمة جارحة بقصد الإصلاح، فقد يكون قصدك نبيلًا، لكن الجرح حقيقي.

وإذا اتخذت قرارًا عن شخص «لمصلحته» دون أن تمنحه حق الاختيار، فقد تحبه بصدق، لكنك في الوقت نفسه سلبت شيئًا من حريته.

الإنسان الناضج لا يقول:

«نيتي كانت جيدة، إذن لا تلوموني.»

بل يقول:

«نيتي كانت جيدة، لكن النتيجة لم تكن كذلك. ماذا لم أفهم؟»

وهذا فارق هائل.

الأول يستخدم النية ليهرب من المسؤولية.

والثاني يستخدم الخطأ ليوسع فهمه.

قد تحتاج أحيانًا إلى أن تكون "سيئًا" في نظر أحدهم

وهناك وجه آخر للمسألة.

أحيانًا تفعل الصواب فعلًا، لكن الآخرين يرونه خطأ.

تضع حدًا لشخص اعتاد تجاوز حدودك، فيتهمك بالتغير.

ترفض طلبًا اعتاد منك تلبيته، فيصفك بالأنانية.

تنهي علاقة تستنزفك، فيراك الطرف الآخر قاسيًا.

تقول «لا» بعدما قضيت سنوات تقول «نعم»، فيعتقد البعض أنك أصبحت شخصًا أسوأ.

هنا يجب ألا نقع في الطرف المقابل من الفكرة.

ليس كل ألم تسببه للآخرين دليلًا على أنك أخطأت.

وليس رضا الناس معيارًا للأخلاق.

أحيانًا يكون الصواب مؤلمًا.

فالطبيب يؤلم ليعالج، والقاضي قد يعاقب ليحقق العدالة، والأب يمنع ما يحب ابنه لأنه يرى ضرره.

لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط:

«هل غضب مني أحد؟»

بل:

«هل ظلمت أحدًا؟»

فالفرق بين السؤالين كبير.

أصعب الأخطاء هي التي ارتكبناها ونحن صالحون

ربما لا تؤلمنا الأخطاء المتعمدة بقدر ما تؤلمنا تلك التي فعلناها ونحن نظن أننا نحسن صنعًا.

أن تتذكر يومًا أنك كنت تحاول حماية شخص، ثم تدرك أنك كنت تخنقه.

أن تدرك أن نصائحك الكثيرة لمن تحب لم تكن دائمًا حبًا، بل ربما كانت محاولة لتشكيله بالصورة التي تريدها.

أن تفهم متأخرًا أن صبرك الطويل لم يكن حكمة، بل خوفًا من اتخاذ القرار.

أن تكتشف أن دفاعك المستميت عن رأيك لم يكن دفاعًا عن الحقيقة بقدر ما كان دفاعًا عن صورتك أمام نفسك.

هذه الاكتشافات مؤلمة.

لكنها ثمينة.

لأن الإنسان لا ينضج عندما ينتقل فقط من الخطأ إلى الصواب.

إنه ينضج أكثر عندما ينتقل من الصواب البسيط إلى فهم تعقيد الصواب نفسه.

فمتى تكون مخطئًا وأنت تفعل الصواب؟

تكون مخطئًا عندما تستخدم الحقيقة بلا رحمة.

وعندما تستخدم الرحمة لتهرب من الحقيقة.

وعندما يتحول التسامح إلى سماح باستمرار الأذى.

وعندما يتحول الصبر إلى استسلام.

وعندما تصبح الشجاعة تهورًا.

وعندما يصبح الحرص سيطرة.

وعندما يصبح الحب امتلاكًا.

وعندما يصبح الدفاع عن الكرامة غرورًا.

وعندما تتمسك بمبدأ صحيح بطريقة تنتج ظلمًا أكبر من الظلم الذي أردت منعه.

لكن الأهم من كل ذلك:

تكون مخطئًا عندما تعتقد أن كونك على صواب يعفيك من التفكير في أثر صوابك على الآخرين.

فالإنسان لا يعيش وحده داخل مبادئه.

إنه يعيش بين بشر.

والبشر ليسوا أفكارًا مجردة.

لديهم ضعف، وكرامة، وتاريخ، وخوف، وظروف لا تراها كاملة.

الصواب يحتاج إلى حكمة

ربما لهذا السبب لا يكفي أن نسأل أنفسنا طوال الحياة:

ما الصحيح؟

علينا أن نضيف أسئلة أخرى:

هل هو صحيح هنا؟

هل هو صحيح الآن؟

هل أفعله بالطريقة الصحيحة؟

هل أفعله للسبب الصحيح؟

هل أملك الصورة كاملة؟

هل هناك إنسان سيدفع ثمن مبدئي بينما أستطيع تحقيق الغاية بطريقة أرحم؟

وهل سأظل مقتنعًا بأن هذا هو الصواب لو كنت أنا من سيتحمل نتيجته؟

السؤال الأخير خصوصًا يكشف أشياء كثيرة.

فنحن بارعون في وضع المبادئ عندما يدفع الآخرون ثمنها.

لكن العدالة الحقيقية تبدأ عندما نقبل أن تنطبق القاعدة علينا أيضًا.

وفي النهاية، ربما ليست الحكمة أن تعرف دائمًا أين الصواب وأين الخطأ.

فهناك مواقف لا تمنحنا هذا الترف.

الحكمة أن تظل قادرًا على مراجعة نفسك حتى وأنت متأكد من نفسك.

أن تدافع عن قناعتك دون أن تفقد قدرتك على سماع غيرك.

أن تفعل الخير دون أن تتوهم أنك أصبحت معصومًا لأن نيتك طيبة.

أن تعتذر عن أثر فعلٍ كنت تظنه صحيحًا دون أن تعتبر الاعتذار هزيمة.

وأن تدرك أن الأخلاق ليست قائمة جاهزة من الإجابات، وإنما مسؤولية مستمرة عن الاختيار.

فالخطأ ليس دائمًا أن تفعل الشيء السيئ.

وأحيانًا، بطريقة أكثر قسوة وتعقيدًا...

تكون مخطئًا لأنك فعلت الصواب، ولكن في الوقت الخطأ، أو بالطريقة الخطأ، أو للسبب الخطأ.

وربما أعلى درجات النضج ليست أن تقول:

«أنا على حق.»

بل أن تملك الشجاعة لتسأل، حتى وأنت على حق:

«هل كان هناك صوابٌ أفضل مما فعلت؟»




                                                                                      تليد..



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة