اليقظة ليست شيئًا واحدًا | مراتب الوعي الإنساني
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
اليقظة ليست شيئًا واحدًا
ليست اليقظة أن تفتح عينيك في الصباح، ولا أن تفهم ما يجري حولك، ولا أن تبلغ من الفطنة ما يجعلك أقلَّ قابليةً للخداع. تلك صورٌ أولى منها، وأطرافٌ متناثرة لا تكتمل بها حقيقتها. فربّ إنسانٍ يرى الأشياء كلّها، لكنه لا يرى نفسه بينها؛ وربّ عقلٍ يستيقظ للحقيقة، بينما يظل القلب غارقًا في سباته القديم.
اليقظة ليست شيئًا واحدًا، بل انكشافات متتابعة؛ كلما ظننت أنك بلغت آخرها، انفتح وراءها بابٌ أشدُّ اتساعًا وأثقل كُلفة. قد تستيقظ من وهمٍ، ثم تكتشف أنك احتميت بوهمٍ آخر. وقد تنجو من شخصٍ أضلّك، ثم تدرك بعد زمن أن ما أضلّك حقًّا لم يكن ذلك الشخص، بل حاجتك إلى تصديقه.
إنها ليست لحظةً واحدة تُنير العمر كله، وإنما ضوءٌ يتقدّم في داخلك بطيئًا؛ يكشف غرفةً ويترك أخرى في العتمة، يعرّفك بحقيقةٍ ويؤجّل عنك حقيقةً لم تكن قد اشتدّت فيك القدرة على احتمالها.
يقظة العقل ليست يقظة القلب
قد يعرف العقل أن أمرًا ما قد انتهى، غير أن القلب يستمر في انتظاره. يعرف المرء أن الطريق مسدود، ثم يظل يتلفّت نحوه كلما سمع وقع خُطًى بعيدة. يدرك أن بعض الغائبين لن يعودوا بالصورة التي كانوا عليها، ومع ذلك يحتفظ لهم في داخله بمكانٍ لا يجرؤ على إغلاقه.
وهنا يتجلّى أول اختلاف بين أنواع اليقظة: فالعقل يستيقظ بالدليل، أما القلب فلا يستيقظ إلا بعد أن يستنفد أمله.
يمكن للعقل أن يبلغ الحقيقة في لحظة، لكن القلب قد يحتاج أعوامًا حتى يقبلها. وليس ذلك قصورًا فيه، بل لأن القلب لا يتعامل مع الوقائع مجرّدةً؛ إنه يحمل معها الذكريات والوعود والرائحة الأولى للأشياء. لذلك يكون إدراكه أبطأ، وتكون صحوته أشدَّ إيلامًا.
وحين يستيقظ القلب أخيرًا، لا يعلن ذلك بضجيج. لا ينتقم، ولا يخاصم، ولا يطلب تفسيرًا متأخرًا. يصبح هادئًا على نحوٍ يثير الريبة؛ كأن شيئًا عظيمًا قد انطفأ فيه دون أن يترك دخانًا. عندئذٍ لا يعود المرء يسأل: لماذا حدث هذا؟ بل يقول في نفسه: لقد حدث، وهذا وحده يكفي لأمضي.
اليقظة التي تُريك نفسك
ثمّة يقظة تجعلك ترى العالم، وثمّة يقظة أشقّ منها تجعلك ترى نفسك من غير أعذار.
أن تكتشف أنك لم تكن دائمًا الضحية التي تخيّلتها، وأن بعض الأبواب لم تُغلق في وجهك، بل كنت تطرق أبوابًا لا تخصّك. وأنك في بعض حروبك لم تكن تدافع عن كرامتك، بل عن كبريائك؛ ولم تكن تتمسّك بالوفاء، بل تخشى الاعتراف بأن الطريق الذي بذلت فيه الكثير لم يعد يقود إلى شيء.
هذه اليقظة قاسية؛ لأنها تنتزع من الإنسان امتياز البراءة المطلقة. تضعه أمام نصيبه من الخطأ، لا لتُهينه، بل لتعيد إليه سلطته على حياته. فما دام يعتقد أن الآخرين صنعوا مصيره كله، سيظل ينتظر منهم أن يصلحوه. أما حين يرى موضع يده فيما جرى، فإنه يستردّ قدرته على التغيير.
ليس النضج أن تُحسن تفسير أخطاء الناس، بل أن تكفّ عن إخفاء أخطائك داخل أخطائهم. وليس الوعي أن تعرف من ظلمك فحسب، وإنما أن تعرف لماذا مكثت طويلًا في الموضع الذي كان يؤذيك، ولماذا منحت بعضهم من سلطانك ما لم يكن لهم.
لا تأتي هذه المعرفة لطيفة. إنها تشبه مرآةً لا تجامل ملامح صاحبها، لكنها تمنحه وجهه الحقيقي بعد أعوامٍ من التنكّر.
يقظة النجاة ويقظة المعنى
هناك يقظة تولد من الخوف، وأخرى تولد من الفهم. الأولى تجعلك أكثر حذرًا، والثانية تجعلك أكثر حكمة.
يقظة النجاة تعلّمك ألّا تثق سريعًا، وألّا تمنح قلبك كاملًا، وأن تتوقّع الخديعة قبل وقوعها. إنها نافعة حين يكون الجرح طريًّا، لكنها إن استقرّت طويلًا تحوّلت إلى سجن. يصبح الإنسان متيقظًا لكل خطر، لكنه غائبٌ عن كل جمال؛ ينجو من الخسارة، لكنه لا يبلغ الحياة.
أما يقظة المعنى فلا تجعل المرء ساذجًا، ولا تعيده إلى غفلته الأولى، لكنها تفصله عن الارتياب الدائم. تمنحه بصيرةً لا خوفًا، وحدودًا لا قسوةً، وقدرةً على المغادرة من غير أن يتحوّل كل قادمٍ في عينيه إلى متّهم.
ليس كل من حذر الناس مستيقظًا، فقد يكون الخوف هو الذي يسهر فيه. وليست اليقظة أن تتوقّع الشر دائمًا؛ فالتشاؤم غفلةٌ أخرى تتزيّا بملابس الحكمة. اليقظ حقًّا لا يغضّ الطرف عن السوء، لكنه لا يسمح له بأن يحتكر رؤيته للعالم.
بعض اليقظات رحيمة وبعضها سابقٌ لأوانه
ليست كل معرفةٍ خلاصًا في وقتها. هناك حقائق لو انكشفت للإنسان قبل أوانها لهدمته، ولذلك يؤخّرها الزمن حتى يشتدّ عوده. ما نظنه غفلةً قد يكون أحيانًا سترًا مؤقتًا، وما نسمّيه تأخّرًا في الفهم قد يكون رحمةً تمنع الحقيقة من الوصول إلينا قبل أن نتهيّأ لحملها.
لهذا لا ينبغي للمرء أن يزدري نُسخه القديمة. ذلك الذي صدّق، وانتظر، وأفرط في العطاء، ولم يرَ ما يبدو اليوم واضحًا، لم يكن أحمق بالضرورة؛ لقد كان يعيش بقدر النور المتاح له آنذاك.
نحن نحاكم الماضي بأعينٍ لم تكن لدينا حين وقع. نتعجّب كيف غابت عنّا الإشارات، وننسى أن البصيرة التي نملكها الآن صُنعت من تلك الغفلة نفسها. لولا ما خسرناه، لما عرفنا مواضع الخسارة. ولولا ما أوجعنا، لما تميّز في أعيننا الحنان من التعلّق، والوفاء من الاستنزاف، والصبر من الإقامة الطويلة في الخطأ.
اليقظة الأخيرة التي لا تأتي
أشدّ أوهام الوعي أن يظن الإنسان أنه استيقظ تمامًا. فما دامت الحياة تجري، ستظل فينا زوايا لم يبلغها الضوء، وأسباب لا نفهمها، ومشاعر نمنحها أسماءً ليست أسماءها. قد نظن أننا تجاوزنا، بينما نحن فقط اعتدنا الغياب. وقد نظن أننا غفرنا، لأننا لم نعد قادرين على استعادة المعركة. وربما نسمّي الانطفاء سكينة، ونسمي الخوف حكمة، ونسمّي العجز قناعة.
لذلك فإن اليقظة الحقيقية لا تمنح صاحبها غرور العارف، بل تواضع من أدرك اتساع ما يجهله. تجعله أقلَّ استعجالًا في الحكم، وأشدَّ رفقًا بالناس؛ لأنه يعرف أن لكل إنسانٍ ساعةً يستيقظ فيها، وأن ما يبدو واضحًا له اليوم ربما كان بالأمس مستورًا عنه.
اليقظة ليست أن تصل إلى نسخةٍ لا تُخطئ، بل أن تصبح قادرًا على ملاحظة خطئك قبل أن يتحوّل إلى قدر. وليست أن تتخلّص من الغفلة نهائيًّا، وإنما أن تقصر المسافة بين ضياعك وعودتك.
وفي النهاية، لا يستيقظ الإنسان مرّةً واحدة. يستيقظ من الناس، ثم من ظنونه فيهم. يستيقظ من الحوادث، ثم من تفسيره لها. يستيقظ من ماضيه، ثم من الصورة التي بناها لنفسه بسببه. وفي كل مرة يظن أنه أصبح شخصًا آخر، يكتشف أنه لم يصبح جديدًا بقدر ما استعاد جزءًا كان غائبًا عنه.
لهذا كانت اليقظة أشياء كثيرة: معرفة، وفقدًا، وقبولًا، ونجاةً، ومصالحة. وقد تكون أصدق صورها تلك اللحظة الهادئة التي لا يقول فيها الإنسان: لقد فهمت كل شيء، بل يعترف أخيرًا:
لقد أبصرت ما يكفي لألّا أعود كما كنت.
تليد ..
تعليقات
إرسال تعليق