نسخةٌ واحدةٌ منّي قاتلتُ كي لا أفقدها
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
كلما كبرت، فقدتُ نسخةً مني.
ولا أقول ذلك بحزن.
بعض النسخ كان يجب أن ترحل.
نسخة كانت تظن أن العمر طويل بما يكفي لتأجيل كل شيء. وأخرى كانت تعتقد أن الناس يقولون دائمًا ما يقصدون. وثالثة كانت ترى العالم أكثر بساطة مما هو عليه.
تركتها جميعًا تمضي.
لكن وسط هذا التغيّر كله، كانت هناك نسخة واحدة أخاف عليها.
ليست أفضل نسخة مني، ولا أنضجها، ولا أكثرها حكمة.
بل ربما أكثرها سذاجة في نظر البعض:
ذلك الإنسان الذي ما زال يسأل.
قاتلت كي لا أفقد الإنسان الذي يستطيع الوقوف أمام شيء يعرفه الجميع ثم يسأل:
لماذا؟
أخشى اليوم الذي تصبح لديّ إجابة عن كل شيء
في طفولتنا، نملك عددًا قليلًا من الإجابات وكمية هائلة من الأسئلة.
ثم نكبر، ويحدث العكس.
نبدأ بتكوين الآراء.
هذا صحيح.
ذاك خطأ.
هذا الإنسان جيد.
والآخر سيئ.
هذه هي السعادة.
وهكذا يجب أن تُعاش الحياة.
ومع مرور السنوات تتراكم الإجابات حتى يصبح الإنسان أحيانًا سجينًا لها.
والغريب أننا نسمي ذلك نضجًا.
لكنني بدأت أشك في الأمر.
ربما ليست المشكلة في أن نجهل الإجابة، بل في أن نتوقف عن احتمال أن تكون إجابتنا خاطئة.
هناك شيء مرعب في الإنسان الذي لم يعد يشك في شيء.
الذي كوّن رأيه في الحياة والناس والدين والنجاح والحب والمجتمع ثم أغلق الباب.
ماذا بقي له بعد ذلك؟
أن يكرر نفسه حتى يموت؟
أنا لا أريد ذلك.
لا أريد أن أصل إلى عمر يصبح فيه عقلي مستودعًا للأجوبة القديمة.
أريد أن يبقى فيه مكان لسؤال جديد.
الأشياء التي حاول العالم أن يشرحها لي
منذ أن نولد، يبدأ الآخرون في تعريف الأشياء لنا.
يخبروننا ما النجاح.
ما الفشل.
ما المكانة.
ما الذي ينبغي أن نملكه.
متى يجب أن نتزوج.
كيف ينبغي أن تبدو حياتنا.
ما الوظيفة التي تستحق الاحترام.
وكم من المال نحتاج لكي نعتبر أنفسنا ناجحين.
حتى السعادة، حاولوا أن يضعوا لها مواصفات.
بيت.
وظيفة.
مال.
سفر.
صورة جميلة.
ثم اكتشفت شيئًا أزعجني:
يمكن للإنسان أن يقضي عمره كاملًا يحقق أهدافًا لم يخترها أصلًا.
يصل إليها، ثم يقف أمامها متعجبًا:
لماذا لا أشعر بشيء؟
ربما لأنه نجح في الإجابة عن سؤال لم يسأله هو.
ومنذ أن أدركت ذلك، أصبحت أحاول العودة إلى البداية كلما استطعت.
ماذا أريد أنا؟
ليس ما الذي يفترض أن أريده.
ما الذي يجعل حياتي ذات معنى بالنسبة إليّ؟
ليس ما الذي سيجعلها تبدو ناجحة أمام الآخرين.
وهل هذه الفكرة التي أحملها فكرتي حقًا؟
أم أنني سمعتها كثيرًا حتى ظننت أنها خرجت من رأسي؟
أسئلة مزعجة.
لكنني أحب الأسئلة التي تزعجني.
غالبًا يكون خلفها شيء لم أكتشفه بعد.
لا أريد أن أفقد قدرتي على الدهشة
هناك خسارة أخرى تحدث ببطء شديد حتى إننا لا نلاحظها:
أن تصبح الأشياء عادية.
أول مرة ترى البحر ليست كالمرة المئة.
أول مدينة تزورها ليست كالمدينة العاشرة.
أول كتاب يهز أفكارك يختلف عن الكتاب الخمسين.
حتى السماء التي كان يمكن أن نتأملها طويلًا ونحن صغار، أصبحنا نمر تحتها ونحن ننظر إلى شاشة صغيرة في أيدينا.
ليس لأن العالم أصبح أقل جمالًا.
نحن الذين أصبحنا أكثر اعتيادًا عليه.
وهذه الفكرة تخيفني.
أن أصل إلى مرحلة لا يفاجئني فيها شيء.
أن أرى الجمال وأقول: رأيت مثله.
أن أسمع فكرة جديدة فأبحث فورًا عما يثبت أنني كنت أعرفها.
أن أقابل إنسانًا مختلفًا فأصنفه قبل أن أفهمه.
الدهشة ليست طفولة كما نظن.
إنها دليل على أن العقل ما زال حيًا.
ولذلك أحاول، كلما استطعت، أن أنظر إلى الأشياء كأنني أراها للمرة الأولى.
ليس لأنني لا أعرفها.
بل لأنني أعرف أن معرفتي بها ليست كاملة.
من أجمل الجمل التي تعلمت قولها: لا أعرف
احتجت سنوات حتى أتصالح مع هاتين الكلمتين.
لا أعرف.
في البداية تبدوان اعترافًا بالنقص.
ثم تكتشف أنهما بداية المعرفة.
من السهل أن يكون لديك رأي.
ومن الأصعب أن تقول:
لم أقرأ بما يكفي لأحكم.
لا أعرف القصة كاملة.
ربما كنت مخطئًا.
دعني أفكر.
هذه العبارات لا تجعل الإنسان أصغر.
إنها تحمي عقله من شيء أخطر بكثير من الجهل:
وهم المعرفة.
فالجاهل الذي يعرف أنه يجهل يستطيع أن يتعلم.
أما الذي يظن أنه عرف، فقد أغلق الباب من الداخل.
ولهذا لم أعد أشعر بالحرج عندما أغيّر رأيًا قديمًا.
بل أصبحت أقلق عندما تمر سنوات طويلة دون أن تتغير لدي فكرة واحدة.
ماذا كنت أفعل طوال هذه السنوات إذن؟
إذا كنت أقرأ وأعيش وأقابل الناس وأخطئ وأجرب وأتعلم، فمن الطبيعي أن يتغير شيء في داخلي.
الثبات ليس فضيلة دائمًا.
أحيانًا يكون مجرد خوف من الاعتراف بأننا كنا مخطئين.
أريد أن أبقى قابلًا للتغيير
لا أريد أن أصبح رجلًا يحمل أفكار شبابه حتى شيخوخته فقط لأنه قالها ذات يوم.
أريد أن أمتلك الشجاعة لأنظر إلى فكرة أحببتها طويلًا وأقول:
كنت مخطئًا.
وإلى إنسان حكمت عليه سريعًا وأقول:
ظلمته.
وإلى شيء كنت أراه مستحيلًا وأقول:
ربما.
لا أريد أن تتحول قناعاتي إلى جدران أحتمي خلفها من كل فكرة جديدة.
القناعة التي تخاف السؤال ليست قناعة قوية كما نظن.
الحقيقة لا تخشى أن نفتش عنها.
وأنا لا أريد أفكارًا تحميني من التفكير.
أريد أفكارًا تجعلني أفكر أكثر.
ليست المعرفة أن تجمع الإجابات
قرأت كثيرًا، وسأقرأ أكثر.
وسمعت آراءً كثيرة.
وتغيّرت بعض قناعاتي، وستتغير أخرى.
لكن شيئًا واحدًا أصبحت أفهمه كلما تعلمت أكثر:
المعرفة لا تجعل العالم أصغر، بل تجعله أكبر.
كل إجابة حقيقية تفتح خلفها أسئلة أخرى.
تعرف شيئًا عن العقل، فتكتشف كم نجهل الوعي.
تقرأ عن التاريخ، فتدرك كم كانت الصورة التي تعرفها ناقصة.
تنظر إلى السماء، فتكتشف أن المسافات التي كنت تتخيلها كبيرة ليست إلا نقطة في شيء لا يكاد العقل يستوعبه.
تقرأ عن الإنسان، ثم تكتشف أن أكثر مخلوق يصعب عليك فهمه ربما يكون نفسك.
ولهذا أصبحت لا أثق كثيرًا بذلك الشعور الذي يقول:
لقد فهمت.
أفضل أن أقول:
بدأت أفهم.
فالفرق بين الجملتين ربما يكون عمرًا كاملًا.
النسخة التي أريد أن تصل معي إلى النهاية
لا أعرف كيف سأكون بعد عشرين عامًا.
قد تتغير اهتماماتي.
وقد تتغير أفكاري.
وقد أضحك على أشياء أكتبها اليوم وأقول: كيف كنت أفكر بهذه الطريقة؟
وأتمنى أن يحدث ذلك.
لأنني إذا قرأت ما أكتبه اليوم بعد عشرين عامًا ولم أجد شيئًا واحدًا أراجعه، فسأسأل نفسي أين ذهبت كل تلك السنوات.
لكنني أتمنى شيئًا آخر أيضًا.
أن يبقى ذلك الإنسان في داخلي.
ذلك الذي عندما يسمع فكرة غريبة لا يسخر منها مباشرة، بل يسأل عنها.
الذي يستطيع أن ينظر إلى السماء للحظة وينسى أنه رجل بالغ لديه أشياء كثيرة عليه إنجازها.
الذي يدخل مكتبة ويشعر أن عمرًا واحدًا لا يكفي لكل هذه الكتب.
الذي يقابل إنسانًا مختلفًا عنه ولا يفكر فورًا كيف يثبت له أنه مخطئ، بل يتساءل:
كيف يرى هذا الرجل العالم؟
والذي مهما عرف، يترك في عقله غرفة صغيرة فارغة لما لم يعرفه بعد.
هذه هي النسخة التي أخشى فقدانها.
ليست نسخة بريئة من الحياة.
ولا نسخة لم تعرف الألم.
بل نسخة عرفت شيئًا، ثم أدركت أن أمامها أشياء أكثر بكثير لا تعرفها.
لقد سمحت للسنوات أن تغيّرني في أشياء كثيرة.
وسأسمح لها بالمزيد.
لكنني سأقاوم شيئًا واحدًا:
أن تجعلني أظن أنني وصلت.
لأنني أخشى اليوم الذي تصبح لدي فيه إجابة عن كل سؤال، ورأي في كل إنسان، وحكم جاهز على كل شيء.
في ذلك اليوم ربما سيقول الناس إنني أصبحت أكثر حكمة.
أما أنا فسأعرف الحقيقة.
لقد فقدت النسخة الوحيدة منّي التي كانت لا تزال قادرة على التعلّم.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق