أخطر الأكاذيب هي التي احتجنا إلى تصديقها
أخطر الأكاذيب هي التي احتجنا إلى تصديقها
ليست أخطر الأكاذيب تلك التي قالها لنا الآخرون؛ فالكذب الآتي من الخارج يظلّ غريبًا عنّا، قابلًا للارتياب والانكشاف. أمّا الكذبة التي نصنعها بأيدينا، ثم نُسكنها في أعمق موضع من وعينا، فإنها لا تمرّ بنا عابرة، بل تستوطننا حتى تغدو جزءًا من تعريفنا لأنفسنا. نحن لا نصدّقها لفرط سذاجتنا، بل لأن الحقيقة المقابلة لها كانت، في لحظة ما، أفدح من قدرتنا على الاحتمال.
قد يقول المرء لنفسه إنّ من رحل سيعود، لا لأن قرائن العودة قائمة، بل لأن الاعتراف بالنهاية سيهدم آخر ما يتكئ عليه. وقد يقنع نفسه بأنه اختار الطريق الذي يسير فيه، بينما يعرف في قرارة خافتة أنه لم يختر، وإنما جبُن عن المغادرة. وقد يردّد أن ما أصابه كان ظلمًا محضًا، كيلا يضطر إلى رؤية نصيبه من الخطأ. هكذا لا تولد بعض الأكاذيب رغبةً في التزييف، بل حاجةً إلى البقاء؛ إنها ضمادات يضعها العقل على جرحٍ لم يكن مستعدًا لرؤيته عاريًا.
غير أنّ الضماد إذا طال بقاؤه على الجرح صار حجابًا يمنع شفاءه. وما أنقذنا يومًا قد يبدأ، في صمت، بابتلاع ما بقي من أعمارنا.
الكذبة التي جاءت في هيئة رحمة
لا يستطيع الإنسان أن يتلقّى الحقائق كلها دفعةً واحدة. بعض المعاني ثقيل إلى حدّ أن النفس تُجزّئه، أو تؤجّل الاعتراف به، أو تستبدل به روايةً أقل قسوة. وحين يتعارض الواقع مع الصورة التي نحب أن نرى أنفسنا فيها، لا نغيّر الصورة دائمًا؛ بل نعيد تأويل الواقع حتى يوافقها. ننتقي من الحوادث ما يبرّئنا، ومن الذكريات ما يعزّينا، ومن كلام الناس ما يؤيد ما قررناه سلفًا، ثم نسمّي ذلك اقتناعًا.
نقول: لم أكن ضعيفًا، كنت متسامحًا. لم أكن خائفًا، كنت متروّيًا. لم أتعلّق، كنت وفيًّا. لم أفشل، بل تآمر الظرف عليّ. وقد يكون في هذه الأقوال شيء من الصدق، لكن أخطر الأكاذيب لا تكون باطلةً كاملة؛ إنها تمزج مقدارًا من الحقيقة بمقدار من الهوى، بحيث يصعب فصل أحدهما عن الآخر. ولو كانت زائفة من كل وجه لانكشفت سريعًا، لكنها تُحسن التنكّر في ثياب المنطق والكرامة والحكمة.
إن النفس لا تقول غالبًا: سأخدع نفسي. بل تقول: هذه هي الرواية الوحيدة المعقولة. ثم تحشد لها الشواهد، وتُسقط ما يناقضها، وتغضب ممن يقترب من موضع هشاشتها. لذلك قد لا يكون انفعال الإنسان عند مساءلة بعض قناعاته دفاعًا عن الحقيقة، بل دفاعًا عن البناء الذي احتمى به طويلًا. هو لا يخشى أن يخسر حجّته وحدها؛ يخشى أن يخسر النسخة التي عاش بها من نفسه.
حين تتحول النجاة المؤقتة إلى سجن
ليست المشكلة في أننا احتجنا إلى الكذبة؛ فربما كانت في أول أمرها مهلةً رحيمة، أو جسرًا عبرنا به طورًا لم نكن نملك له جلدًا. المشكلة أن نواصل الإقامة فوق الجسر بعد أن تنتهي ضرورة العبور. أن نحمل تفسيرًا صنعناه في عام الانكسار، ثم نجعله دستورًا لكل أعوامنا التالية. أن نقول إننا لا نحتاج إلى أحد، لأن شخصًا واحدًا خذلنا؛ أو نزعم أن الحب وهم، لأن حبًا بعينه لم يُكتب له البقاء؛ أو نتهم الحياة كلها، كيلا نعترف بأن اختيارًا واحدًا كان سيئًا.
الكذبة المحتاج إليها لا تبقى فكرةً ساكنة، بل تطلب من صاحبها أثمانًا متتابعة. لكي تحيا، تحتاج إلى كذبة ثانية تفسّر تناقضها، وثالثة تحمي الثانية، ثم إلى ذاكرةٍ منتقاة، وخصوماتٍ لا تنتهي مع كل من يرى المشهد من نافذة أخرى. وبعد حين لا يعود الإنسان حارسًا للكذبة، بل تصبح هي الحارس الذي يمنعه من الخروج.
وأفدح ما تفعله أنها تعيد تشكيل الماضي. فالذاكرة ليست خزانةً محايدة تُخرج الوقائع كما دخلت؛ نحن نستعيد الحادثة من خلال ما صرنا إليه، ونلوّنها بحاجة الحاضر. نحذف نبرةً، ونضيف قصدًا، ونضخّم أذى، ونُغفل رحمة، حتى تصبح الحكاية القديمة ملائمةً للشخصية التي اخترنا أداءها: الضحية دائمًا، أو المنقذ دائمًا، أو الذي لا يُخطئ، أو الذي لا يُحَب. ومع تكرار الرواية يبهت الفرق بين ما وقع حقًا وما احتجنا إلى أن يكون قد وقع.
وهنا تبلغ الكذبة غايتها القصوى: لا تعود شيئًا نقوله، بل عينًا ننظر بها. ومن ينظر عبر زجاجٍ ملوّن لا يرى لون الزجاج، بل يظن أن العالم كلّه مصبوغ به.
الحقيقة لا تأتي دائمًا لإنقاذك
يُقال إن الحقيقة تحرّر، وهذه عبارة صحيحة، لكنها ناقصة. فالحقيقة قبل أن تحرّر قد تجرّد الإنسان من أعذاره، وتنزع عنه ألقابه المريحة، وتُبطل سنوات من التفسير. قد تقول له إن بعض ما سمّاه صبرًا كان خوفًا، وإن بعض ما عدّه وفاءً كان عجزًا عن الوداع، وإن شخصًا حمّله وزر انهياره لم يكن بريئًا تمامًا، لكنه لم يكن مذنبًا بكل ما نُسب إليه أيضًا.
الحقيقة لا تدخل علينا دائمًا كمنقذ؛ أحيانًا تدخل كهادم. تهدم روايةً عشنا داخلها، وتتركنا برهةً بلا سقف. لذلك لا يرفضها الإنسان لأنه يجهلها بالضرورة، بل لأنه يعرف الثمن الذي سيؤديه إن اعترف بها. الاعتراف لا يغيّر رأيًا وحسب؛ قد يغيّر أسماء الأشياء كلها، ويجبره على الحداد على عمرٍ عاشه مدافعًا عن وهم.
ومع ذلك، لا يكون النضج في معاقبة النفس على الأكاذيب التي احتمت بها قديمًا. لا ينبغي للمرء أن يحتقر نسخته الماضية لأنها لم تحتمل ما يحتمله اليوم. تلك النسخة فعلت بما كان لديها من قوة، وربما لولا الوهم الصغير الذي آواها لما بلغت موضع الحقيقة. النضج أن نشكر الكذبة على وظيفتها القديمة، ثم نملك شجاعة الاستغناء عنها بعد انقضاء الحاجة.
يمكن للمرء أن يسأل نفسه دون قسوة: ما الفكرة التي لو ثبت بطلانها لتغيّرت صورتي عن نفسي؟ ما الحكاية التي أكرّرها لأن تكرارها يريحني لا لأنها كاملة؟ أيّ جزء من الماضي أغضب حين يرويه غيري بصورة مختلفة؟ وما الذي أربحه من بقائي مظلومًا، أو منتظرًا، أو عاجزًا، أو متفوقًا على الجميع؟ ليست هذه الأسئلة محاكمةً، بل فتحٌ لنوافذ ظلّت مغلقة طويلًا.
خاتمة: ما عاد ينقذك قد يهلكك
ربما كانت بعض أكاذيبنا رحيمةً في أوانها. أخّرت الانهيار حتى اشتدّ عودنا، وخفّفت وطأة الفقد، ومنحتنا قصةً قابلةً للحياة حين كان الواقع عصيًّا على الاحتمال. لكن الرحمة المؤقتة قد تتحول إلى قسوة دائمة إذا أصررنا على حملها بعد انتهاء دورها.
ليست الشجاعة أن يعيش الإنسان بلا أوهام؛ فهذا ادعاء آخر من ادعاءات الوهم. الشجاعة أن يراجع بين حين وآخر الأشياء التي يؤمن بها، لا ليسأل فقط: هل هي صحيحة؟ بل ليسأل أيضًا: لماذا أحتاج إلى أن تكون صحيحة؟ ففي المسافة بين السؤالين تختبئ أعمق خدائع النفس.
وأخطر الأكاذيب ليست التي سمعناها فصدّقناها، وإنما التي كان علينا أن نصدّقها كي نعبر ليلةً ما، ثم نسينا — بعد أن أشرق الصباح — أنها لم تكن وطنًا، بل مأوى مؤقتًا من العاصفة.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق