لا تخف، إنّه الموت يلاحقك | تأمل في معنى الحياة
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
لا تخف، إنّه الموت يُلاحقك باستمرار
لا تخف؛ فالموت لا يركض خلفك لأنك أخطأت الطريق، ولا يتعقّبك لأنك أقلُّ حظًّا من سواك. إنّه يسير خلف الجميع بالصمت ذاته، ويعرف أسماءنا قبل أن نتعلّم نطقها. منذ أن خرج الإنسان إلى الحياة، خرج معه أجلُه؛ رفيقًا لا يُرى، لا يتقدّم عليه ولا يتأخّر عنه، بل يمشي في أثره حتى يبلغ الموعد الذي لا يضلّه.
غير أنّ الإنسان يتصرّف كأن الموت حادثةٌ تقع للآخرين. يشيّع الراحلين، ثم يعود إلى أيامه مطمئنًّا إلى أن الدور بعيد. يسمع أخبار الفقد، فتضطرب روحه قليلًا، ثم يرمّم غفلته بالأعمال والمواعيد والأحاديث العابرة. وليس هذا نسيانًا محضًا، بل حيلةٌ فطرية يستعين بها العقل على احتمال الحياة؛ إذ لو ظلّ الموت حاضرًا في الوعي بكامل ثقله، لعجز كثيرون عن إتمام يومٍ عادي.
لكنّ الغفلة التي تحمينا قد تستعبدنا أيضًا. فقد ينسى الإنسان موته إلى الحدّ الذي يعيش معه كأن أمامه أعمارًا مؤجّلة: عمرًا سيعتذر فيه، وعمرًا سيعود فيه إلى الله، وعمرًا سيقول فيه ما كتمه طويلًا، وعمرًا آخر سيبدأ فيه حياته الحقيقية. يؤجّل الأشياء الجوهرية، بينما يبدّد أيامه في تفاصيل لو رأى نهايتها لما منحها كل هذا السلطان.
الموت لا يأتي من الأمام دائمًا
نتخيّل الموت واقفًا في نهاية الطريق، بينما قد يكون كامنًا في كل خطوة. ليس المقصود أن نعيش مذعورين، بل أن نفهم أن النهاية لا تلتزم ترتيبًا ندركه. ليست الشيخوخة وعدًا، وليست العافية عهدًا، وليست الخطط الطويلة حجّةً على الغد.
الموت لا يستأذن الشباب لأنهم لم يستوفوا أحلامهم، ولا ينتظر المتخاصمين حتى يتصالحوا، ولا يمهل المرء ليشرح كلمته الأخيرة. يأتي والأبواب نصف مفتوحة، والرسائل غير مكتملة، والقلوب ممتلئةً بما لم تستطع قوله.
ولهذا لا تكون المأساة في أن يموت الإنسان؛ فتلك خاتمةٌ كُتبت على كل حي. إنما المأساة أن يصل إلى نهايته وقد عاش حياته مؤجّلًا إيّاها، وأن يكتشف عند العتبة الأخيرة أنه أمضى عمره يستعدّ للعيش ولم يعش.
كم من امرئٍ ادّخر محبّته حتى مات من يحب! وكم من إنسانٍ أخّر اعتذاره ظنًّا أن الأيام كثيرة، ثم صار يحمل الكلام في صدره إلى قبرٍ لا يسمعه! وكم من حياةٍ استُنزفت في خصومةٍ لم يعد أحدٌ يتذكّر كيف بدأت، لكنها استمرّت لأن الكبرياء كان أطول نَفَسًا من الحكمة.
لا تخف منه، خف مما يتركه مكشوفًا
الخوف من الموت طبيعي، لكن وراءه خوفًا أكثر غموضًا: أن يكشف الموت ضآلة ما عشنا من أجله.
حين يحضر ذكر النهاية، تتساقط الزوائد عن الأشياء. لا تعود المناصب شامخةً كما بدت، ولا الأموال حصونًا منيعة، ولا انتصارات الخصومة جديرةً بذلك الاستنزاف. تنكمش المسافات بين الكبير والصغير، ويظهر الإنسان مجرّدًا من الألقاب التي احتمى بها؛ لا يبقى معه إلا ما صار إليه قلبه، وما تركته يداه في حياة الآخرين.
إن الموت لا يفضح ضعف الجسد فقط، بل يفضح أوهامنا عن الأهمية. يبيّن كم بالغنا في تقدير أشياء ستُنسى، وكم أهملنا أشياء كانت تستحق العمر كله. وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعلنا نتحاشى الحديث عنه؛ فنحن لا نخشى توقّف القلب وحده، بل نخشى السؤال الذي يسبقه:
هل كانت هذه الحياة جديرةً بما أضعناه فيها؟
إنه سؤالٌ لا يقيس عدد الأيام، بل مقدار الحضور فيها. فقد يعيش المرء أعوامًا طويلة وهو غائب عن نفسه، ويعيش آخر زمنًا قصيرًا لكنه يملأه بالمعنى. ليست الحياة بطولها وحده، وإنما بما انتبهنا إليه قبل أن ينقضي: وجه أمٍّ أرهقها الزمن، وصوت أبٍ بدأ يخفت، وقلبٌ أحبّنا ولم نُحسن الطمأنينة إليه، وروحٌ داخلنا انتظرت طويلًا أن نكفّ عن خيانتها إرضاءً للآخرين.
الموت الذي نمارسه قبل أن نموت
ليس كل موتٍ توقّفًا للنبض. قد يموت في الإنسان شيءٌ وهو لا يزال يتحرّك بين الناس: تموت دهشته، وتخبو رغبته، وينكمش صوته، ويصير نسخةً تؤدّي ما يُنتظر منها دون أن تسأل عمّا تريده هي.
هناك من يدفن نفسه بالتقسيط؛ يتنازل كل يوم عن جزءٍ من روحه حتى لا يبقى منه إلا اسمٌ وسيرةٌ رتيبة. يخاف أن يغيّر طريقه، فيبقى في طريقٍ يقتله ببطء. يخشى كلام الناس، فيمنحهم حياته كاملةً ثم يكتشف أنهم كانوا مشغولين عنه بحياتهم.
والمفارقة أن الخوف من الموت قد يمنعنا من الحياة. نخشى المجازفة فنختار الأمان الخالي من المعنى، ونخاف الخسارة فلا نحب، ونخاف الخطأ فلا نحاول. نخرج من التجربة بلا ندوب، لكننا نخرج منها بلا ذكريات أيضًا.
لا تدع حرصك على النجاة يحوّلك إلى شخصٍ لم يعش. فالسلامة المطلقة ليست حياة، والإنسان لم يُخلق ليظل واقفًا عند الباب يتأمّل الطريق ثم يعود إلى فراشه كل مساء معتزًّا بأنه لم يسقط.
حين يصبح الموت معلّمًا
من يتذكّر الموت على وجهه الصحيح لا يصبح كئيبًا؛ بل أكثر عدلًا في توزيع عمره. يعرف أن الوقت ليس مالًا فحسب، بل قطعةٌ منه لا تعود. لذلك يقلُّ دخوله في المعارك التي لا تستحق، ويكفُّ عن إهدار نفسه في تبريرها لمن اختار ألّا يفهمها.
ذكر الموت لا يطالبك أن تهجر العالم، وإنما أن تضعه في موضعه الصحيح. أن تعمل دون أن تعبد عملك، وأن تملك دون أن تتوهّم أن ما تملكه قادرٌ على امتلاك الغد، وأن تحب دون أن تتصرّف مع الأحبة كأنهم باقون إلى الأبد.
حين تدرك أن كل لقاءٍ قابلٌ لأن يكون الأخير، تصبح أقلَّ فظاظةً في الوداع. وحين تعلم أن صوتك قد يبقى في ذاكرة أحدهم بعد غيابك، تنتقي كلماتك كما ينتقي المسافر القليل الذي سيحمله معه. وحين تفهم أن الخصومة قد تنتهي بالموت قبل أن تنتهي بالإنصاف، تعرف أن بعض الانتصارات لا تساوي ثمنها.
لا يعني هذا أن نغفر كل أذى، أو نبقى في مواضع تهدر كرامتنا. بل يعني ألّا نحمل معنا ما نستطيع تركه. فالحدود حكمة، أمّا الحقد فحبلٌ نربط به أرواحنا بمن آذانا ثم نزعم أننا غادرناهم.
إنّه يلاحقك لكي تستيقظ
لعلّ الموت لا يلاحق الإنسان ليُرعبه، بل ليمنع عنه وهم الخلود. يقترب في هيئة شعرةٍ بيضاء، أو تجعيدةٍ مباغتة، أو صديقٍ كان معنا ثم صار خبرًا. يمرّ بجانبنا في مرضٍ عابر، وفي جنازةٍ صامتة، وفي بيتٍ ظلّت فيه الأشياء بعد رحيل أصحابها.
كل ذلك لا يقول لنا: ارتعبوا. بل يقول: انتبهوا.
انتبه إلى أن العمر لا يضيع دفعةً واحدة، وإنما يتسرّب من بين المواعيد المؤجّلة. انتبه إلى أن بعض الأبواب إن أُغلقت اليوم فلن تُفتح بالندم غدًا. انتبه إلى أن قلبك ليس مستودعًا للكلمات التي تخشى قولها، وأن الذين تحبهم لا يقرأون ما تخفيه في صدرك.
لا تخف من الموت لأنه قادم؛ خف أن يأتيك وأنت لم تحضر بعد إلى حياتك. خف أن يعرفك الناس بصورةٍ لم تكن تشبهك، لأنك قضيت أعوامك تخشى إظهار حقيقتك. خف أن تمتلك كل ما سعيت إليه، ثم تدرك أن ما سعيت إليه لم يكن ما تريد.
أما الموت نفسه، فهو أصدق من كثيرٍ من وعود الحياة؛ لا يخدع، ولا ينسى، ولا يفرّق بين مشهورٍ ومجهول. سيصل حين يحين أوانه، ولن تزيده رهبتك سرعةً، ولن يؤخّره تجاهلك.
فلا تمضِ عمرك هاربًا من شيءٍ يسير معك منذ البداية. التفت إليه مرّةً، وانظر في وجه الحقيقة دون ارتجاف، ثم عد إلى حياتك أخفَّ روحًا وأوضح مقصدًا.
عِش كما لو أن الموت يتبعك، لأنه يفعل. لكن لا تمنحه حياتك قبل أن يأخذها. دعه يسير وراءك، وامضِ أنت أمامه ممتلئًا بما تستطيع من إيمانٍ ومحبةٍ وأثر.
فليست الشجاعة أن تنكر النهاية، بل أن تعرفها، ثم تُقبل على الحياة كأنك لم تُخلق للخوف منها، وإنما خُلقت لتجعل ما بينها وبين ميلادك جديرًا بأن يُسمّى عمرًا.
"أفزعتنا الثقافات من الموت حتى نسينا أنه ليس نقيض الحياة، بل شيءٌ من أشيائها، وآخرُ ما يمرّ بنا منها"
تليد...
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق