لا تُبرِّر إلا عندما تُخطئ
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
من أكثر الأشياء التي تستنزف الإنسان أن يعيش وكأنه مطالب طوال الوقت بشرح نفسه.
لماذا فعلت؟
لماذا سكتّ؟
لماذا غادرت؟
لماذا اخترت هذا الطريق دون غيره؟
ولماذا لم تتصرف بالطريقة التي كان الآخرون يتوقعونها؟
حتى يصبح الإنسان، مع الوقت، كأنه يقف في محكمة لا تنتهي، يحمل ملفًا كاملًا من الأدلة التي تثبت أن حياته منطقية بما يكفي كي يقبلها الآخرون.
لكن ليست كل حياة بحاجة إلى دفاع.
وليست كل قرارات الإنسان بحاجة إلى مذكرة تفسيرية.
فحين لا يظلم أحدًا، ولا يسلب حقًا، ولا يتجاوز حدًا أخلاقيًا، يصبح الإفراط في التبرير نوعًا من التنازل الصامت عن حقه في أن يختار حياته.
والأغرب أن التبرير الحقيقي لا يصبح ضروريًا إلا في الموضع الذي يحاول الإنسان غالبًا الهرب منه:
عندما يُخطئ.
لماذا نبرر الأشياء التي لا تحتاج إلى تبرير؟
هناك حاجة عميقة لدى الإنسان إلى أن يُفهم.
وهي حاجة طبيعية.
لكنها تتحول أحيانًا إلى عبء عندما يصبح رضا الآخرين شرطًا للاطمئنان إلى قراراته.
فيشرح سبب رفضه.
ويشرح سبب قبوله.
ويشرح صمته.
ويشرح بعده.
ويشرح حتى الأشياء التي لا تمس أحدًا سواه.
وكأن الاختلاف جريمة صغيرة تحتاج إلى دفاع.
لكن الناس لن يفهموا جميع اختياراتك مهما شرحت.
لأن كل إنسان ينظر إلى حياتك من نافذة حياته هو.
فمن يقدّس الاستقرار قد يرى مغامرتك تهورًا.
ومن يقدّس المال قد يرى تنازلك عنه غباءً.
ومن يخشى الوحدة قد يرى انسحابك من علاقة متعبة خسارة.
ومن اعتاد إرضاء الآخرين قد يعتبر حدودك قسوة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل يجب أن يتحول كل اختلاف في الرؤية إلى جلسة دفاع؟
غالبًا لا.
هناك فرق بين التفسير والتبرير
التفسير يقول:
هذا ما حدث.
أما التبرير فيقول:
وهذا ما يجعلني غير مسؤول عما حدث.
والفرق بينهما كبير.
يمكن للإنسان أن يشرح دوافعه دون أن يستخدمها لغسل خطئه.
يمكن أن يقول:
كنت غاضبًا.
لكن غضبي لا يبرر إساءتي.
كنت خائفًا.
لكن خوفي لا يجعل ما فعلته صحيحًا.
كنت تحت ضغط.
لكن الضغط يفسر سلوكي ولا يعفيني من مسؤوليته.
وهذه من أكثر مناطق النضج صعوبة.
لأن النفس تحب الأسباب التي تخفف عنها ثقل الاعتراف.
تبحث بسرعة عن الماضي، والظروف، والآخرين، وسوء الفهم.
كل شيء يصلح سببًا.
لكن ليس كل سبب عذرًا.
عندما تخطئ، لا تجعل التبرير وسيلة للهروب
في الخطأ تحديدًا يظهر معدن الإنسان.
ليس في قدرته على الدفاع عن نفسه، بل في قدرته على الوقوف أمام نفسه دون محامٍ.
فمن السهل أن تقول:
«لكنهم استفزوني.»
والأصعب:
«استفزوني، ومع ذلك لم يكن ينبغي أن أفعل ذلك.»
من السهل:
«لم أقصد.»
والأصدق:
«لم أقصد، لكن النتيجة آذت شخصًا، وأنا مسؤول عنها.»
ومن السهل أن نبحث عن نصف خطأ ارتكبه الطرف الآخر حتى لا نضطر إلى مواجهة خطئنا كاملًا.
وكأن الاعتراف ينقص من الإنسان.
بينما الحقيقة ربما تكون معكوسة تمامًا.
فالخطأ لا يصغّر الإنسان بقدر ما يصغّره إصراره على أن يبدو بريئًا منه.
بعض الاعتذارات تفسدها كلمة «لكن»
هناك كلمة صغيرة أفسدت اعتذارات كثيرة:
لكن.
أنا آسف، لكنك استفززتني.
أعتذر، لكن الظروف كانت صعبة.
لم أقصد إيذاءك، لكنك فهمتني بطريقة خاطئة.
ما الذي بقي من الاعتذار بعد ذلك؟
يتحول الاعتذار من تحمّل للمسؤولية إلى محاولة ناعمة لإعادتها إلى الطرف الآخر.
ليس مطلوبًا أن يتهم الإنسان نفسه بما لم يفعله.
ولا أن يحمل كل ذنب في العلاقة.
لكن عندما يعرف موضع خطئه، فالأجمل أن يسميه دون إضافات.
«أخطأت.»
جملة قصيرة.
لكنها تحتاج من قوة النفس أكثر مما تحتاجه صفحات كاملة من الدفاع.
لا تشرح نفسك لمن يريد إدانتك مسبقًا
هناك فرق آخر يجب ألا يضيع.
بعض الناس لا يسألونك لكي يفهموا.
يسألونك لكي يجدوا ثغرة.
وكلما شرحت، أخذوا من شرحك مادة جديدة للحكم عليك.
هؤلاء لن تقنعهم الرواية الكاملة؛ لأنهم حسموا نهايتها قبل أن يسمعوها.
وهنا يصبح الصمت أحيانًا أكثر كرامة من التبرير.
ليس كل من أساء فهمك يستحق أن تصحح له الصورة.
وليس كل من كوّن رأيًا عنك يحتاج أن تهدم رأيه.
فالإنسان إذا قضى حياته يلاحق الصور الخاطئة عنه، لن يبقى له وقت ليعيش صورته الحقيقية.
من يملك قراره لا يحتاج إلى إذن دائم
جزء كبير من النضج أن تتعلم العيش دون جمهور داخلي.
أن تتخذ قرارًا لأنك راجعته واقتنعت به، لا لأنك أعددت مسبقًا خطابًا يرضي الآخرين عنه.
أن تقول «لا» دون عشر جمل بعدها.
أن تغادر حين يصبح البقاء مؤذيًا دون أن تكتب دفاعًا طويلًا عن الرحيل.
أن تغيّر رأيك دون أن تشعر أنك مدين لكل من عرف رأيك القديم بتفسير.
أن تختار طريقًا مختلفًا دون أن تعتبر اختلافك إهانة لمن اختاروا الطريق الآخر.
فالحياة التي تحتاج إلى موافقة دائمة ليست حياة حرة تمامًا.
ومع ذلك… لا تجعل «أنا لا أبرر» ستارًا للغرور
حتى هذه الفكرة يمكن أن تُساء استخدامها.
فقد يتحول الإنسان من الإفراط في التبرير إلى رفض أي تفسير، وكأن الاعتراف للآخرين ضعف.
وهذا ليس نضجًا أيضًا.
إذا كان فعلك أثر في شخص آخر، فمن حقه أحيانًا أن يفهم.
إذا أخطأت، فمن واجبك أن توضح.
إذا التبس موقفك وأدى إلى أذى حقيقي، فلا تستخدم عبارة «لا أبرر نفسي لأحد» للهروب من المسؤولية.
الاستقلال شيء.
والتعالي شيء آخر.
الصمت قد يكون كرامة، وقد يكون تهربًا.
والحكمة هي معرفة الفرق.
لا تُبرِّر إلا عندما تُخطئ
وربما حتى عند الخطأ، لا تبدأ بالتبرير.
ابدأ بالاعتراف.
ثم اشرح إن كان في الشرح ما يساعد على الفهم، لا ما يساعدك على الهروب.
أما اختياراتك التي لا تظلم بها أحدًا، فلا تجعلها ملفات مفتوحة للمرافعة.
ليس مطلوبًا أن يفهم الجميع لماذا أصبحت أقل كلامًا.
ولا لماذا تغيّر طموحك.
ولا لماذا ابتعدت عن بعض الأماكن.
ولا لماذا اخترت حياة لا تشبه ما كان متوقعًا منك.
هناك أشياء يكفي أن تعرف سببها أنت.
فإذا أصبت، لا تجعل اختلاف الآخرين معك يدفعك إلى الاعتذار عن صوابك.
وإذا أخطأت، لا تجعل قدرتك على صياغة الأعذار تمنعك من الاعتراف بخطئك.
لأن الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي استطاع فيها الدفاع عن نفسه.
بل ربما يُقاس بقدرته على معرفة اللحظة التي يجب أن يصمت فيها…
واللحظة التي يجب أن يقول فيها، ببساطة:
نعم، هذه المرة كنت مخطئًا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق