أن تكبر وتظلّ قابلًا للدهشة: جمال الحياة بعيون ناضجة
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
اصنعوا من كُل شيءٍ جمالا ..
من أجمل ما قد تراه رجلٌ تقدّم به العمر، يتوقّف أمام شجرة أزهرت، وينادي من معه ليريه لونها. يعرف الأشجار، ورأى الربيع مرّات كثيرة، وربما يستطيع أن يخبرك باسمها وموسم تفتّحها، ومع ذلك يبتسم كأن بينه وبين هذا المشهد موعدًا سعيدًا لم يتوقّعه.
في تلك الوقفة شيء يستحق التأمل: استطاعت السنوات أن تضيف إلى معرفته، وظلّ في داخله متّسع لاستقبال الجمال. ما زالت زهرة قادرة على إبطاء خطوته، وما زال يعتقد أن منظرًا جميلًا يستحق أن يشاركه أحد.
أن تكبر وتظلّ قابلًا للدهشة يعني أن تحتفظ للحياة بحقّها في مفاجأتك. أن تستيقظ وفي معرفتك مساحة لمعلومة جديدة، وفي ذائقتك مكان لصوت لم تسمعه، وفي يومك احتمال لشيء صغير يجعلك تقول بعفوية: ما أجمل هذا!
وتلك نعمة يزداد معناها مع العمر؛ لأنك تستقبل الأشياء هذه المرّة بعين رأت كثيرًا، وما زالت تجد ما يستحق النظر.
حين تمنح المعرفةُ الجمالَ عمقًا
نتخيّل أحيانًا أن الدهشة تخصّ البدايات، حين نرى البحر أول مرة، أو نركب الطائرة، أو نزور مدينة نعرفها من الصور. لكن للألفة دهشتها أيضًا، وللمعرفة قدرتها على تجديد ما ظننّا أننا عرفناه كاملًا.
الذي يتعلّم شيئًا عن النجوم قد يرفع رأسه إلى السماء بحماس أكبر. كانت أمامه نقاطًا مضيئة، ثم صار يرى مسافات وأزمنة وأسئلة. والذي يتعلّم الخط العربي يجد في انحناءة حرف واحد مهارة لم يكن يلاحظها. وكلما اتّسعت معرفته، ظهرت له تفاصيل إضافية تستحق الإعجاب.
حتى فنجان القهوة يمكن أن يتّسع في عين صاحبه حين يعرف شيئًا عن الأرض التي أنبتته، واليد التي قطفته، والدقّة التي منحت مذاقه هذا التوازن. يبقى الفنجان كما هو، بينما تصبح صلته به أغنى.
هكذا يستطيع النضج أن يزيد نصيبنا من الجمال. نرى خلف الأشياء وقتًا ومهارة وعناية، ونتذوّق فيها ما كان يمرّ علينا سريعًا. نعجب ببيت شعر، ثم نزداد إعجابًا حين نفهم دقّة اختيار كلمة فيه. ونستمع إلى حكاية مألوفة، فنلتقط معنى لم نكن مهيّئين لفهمه قبل سنوات.
وفي دراسة عن الفضول والتعلّم، وجد ماتياس غروبر وزملاؤه أن المشاركين تذكّروا إجابات الأسئلة بصورة أفضل حين كان فضولهم تجاهها أعلى، كما تحسّن تذكّر بعض المعلومات المصاحبة. تمنح هذه النتيجة سندًا لفكرة أن رغبتنا في المعرفة تؤثر في كيفية تعلّمنا. غروبر وزملاؤه، 2014
ولعل من أجمل ما نحتفظ به مع العمر سؤالًا نقوله بحماس صادق: كيف يحدث ذلك؟ سؤال يسمح لنا بأن نتعلّم، ويمنح من أمامنا فرصة لأن يشاركنا ما يعرفه.
الحياة اليومية حين تستعيد تفاصيلها
للدهشة مواطن قريبة جدًا: ظلّ يتحرّك على جدار البيت، ورائحة الأرض بعد المطر، وطفل يجد تشبيهًا لم يخطر للكبار، وصديق قديم يكشف فجأة عن موهبة لم نعرفها فيه.
وقد تمضي في شارع اعتدت المرور به، ثم تسلكه سيرًا على الأقدام، فتكتشف نافذة جميلة، وشجرة واسعة، وبابًا خشبيًا يحمل أثر السنين. المسافة نفسها التي كنت تقيسها بالدقائق تمتلئ الآن بتفاصيل لها حضورها الخاص.
هناك متعة في أن يصبح انتباهنا أكثر سخاءً. أن نمنح المكان بضع لحظات، ونسمع آخر الحكاية، ونتأمل عمل شخص يتقنه. حين نشاهد خبّازًا يشكّل العجين، أو نجّارًا يمرّر يده على سطح أنجزه، قد تدهشنا الألفة التي تنشأ بين الإنسان وصنعته. في الحركة التي تبدو بسيطة سنوات من التعلّم، وفي إتقانها جمال يستحق التقدير.
وفي دراسة على كبار السن، ارتبط المشي مع توجيه الانتباه إلى ما يثير الدهشة بزيادة بعض المشاعر الإيجابية مقارنة بالمشي المعتاد خلال فترة الدراسة. كان المشاركون يمشون خمس عشرة دقيقة أسبوعيًا لثمانية أسابيع؛ وهي تجربة محدّدة تشير إلى قيمة الطريقة التي ننتبه بها إلى محيطنا. شتورم وزملاؤها: دراسة مشي الدهشة
وقد نجرّب هذا المعنى ببساطة: أن نخرج في نزهة ونسمح لشيء في الطريق بأن يستوقفنا. بلا اشتراط منظر استثنائي، أو بحث محموم عن لحظة مبهرة. يكفي أن نكون حاضرين بما يسمح لنا بملاحظة ما يلفت اهتمامنا.
ومع المشاركة تتّسع المتعة. عبارة «تعال، انظر» تحمل كرمًا عفويًا؛ فقد رأيت شيئًا أسعدك، وأردت أن يكون لغيرك نصيب منه. هكذا تصنع الدهشة حديثًا، وذكرى، وأحيانًا قربًا جديدًا بين أشخاص اعتادوا بعضهم بعضًا.
أن تظلّ لديك بداية تنتظرها
ثمة بهجة خاصة في شخص ناضج يتعلّم أمرًا للمرة الأولى. يحمل معه خبرته في الحياة، ويجلس بحماس المبتدئ أمام مهارة جديدة. يجرّب التصوير، أو يتعلّم لغة، أو يزرع نبتة ويراقب ظهور ورقتها الأولى.
في هذه التجارب يتجدّد شعوره بالوقت. يصبح للأسبوع القادم شيء ينتظره: كلمة سيتمكّن من نطقها، وصورة سيحسن التقاطها، وغصن صغير يترقّب نموّه. تتسع أيامه بتفاصيل اختار أن يهتم بها.
ومن الجميل أن يمنح الإنسان نفسه هذا الحقّ مهما بلغ عمره. يستطيع أن يقول: لا أعرف، ثم يتعلّم. وأن يطلب من أصغر منه أن يشرح له، ويستمتع بما يضيفه إليه. المعرفة التي جمعها تمنحه أرضًا يقف عليها، والفضول يفتح له جهات جديدة يمشي نحوها.
والناس أيضًا يستحقّون هذا الاستعداد للاكتشاف. قد تسمع من والدك حكاية لم يروها من قبل، أو تسأل صديقًا عن أمر يحبّه فتراه يتحدّث بحيوية مختلفة. في كل إنسان تفاصيل لا تظهر إلا حين تجد اهتمامًا يليق بها.
أن تظلّ قابلًا للدهشة يعني أن تترك مساحة لهذه المفاجآت اللطيفة؛ أن تستقبل رأيًا يوسّع فهمك، وموهبة تفرحك، ومبادرة كريمة تجدّد تقديرك للناس. ومع كل تجربة يصبح العالم أكثر امتلاءً في عينك.
يمكن للسنوات أن تمنحنا هذه الهدية: ذائقة أدقّ، وانتباهًا أعمق، وقدرة أكبر على معرفة قيمة ما نراه. نكبر فنفهم كم من العناية يحتاجها صنع شيء جميل، وكم يستحقّ ظهوره من امتنان.
ولعل أجمل ما نرجوه لأنفسنا أن نبقى، مهما امتدّ بنا العمر، قادرين على تلك الوقفة أمام الشجرة؛ نرفع أعيننا، ونبتسم، وننادي من نحبّ ليشاركنا المشهد.
أن تكبر، ويظلّ في صوتك حماسٌ صادق حين تقول: انظر… ما أجمل هذا!
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق