التعافي… حين يتغابى العقل على القلب

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :


فررتُ مِنكَ إليـــك



التعافي… حين يتغابى العقل على القلب

ليس التعافي أن يبرأ القلب من كل ما مسّه، ولا أن تُمحى الوجوه التي عبرته كأنها لم تكن. فالقلوب لا تُحسن المحو، والذاكرة لا تُعيد إلينا الأشياء بريئةً من أثرها. لعلّ التعافي، في صورته الأكثر خفاءً، ليس إلا أن يتغابى العقل على القلب؛ أن يعرف موضع الوجع ولا يدلّه عليه، وأن يسمع النداء القديم ثم يتظاهر بأنه لم يسمع، وأن يمرّ بالباب الذي كان يفضي إلى الغياب من غير أن يسمح لليد بالطرق مرةً أخرى.

العقل لا ينتصر على القلب بإقناعه، فالقلب لا يذعن للبراهين حين يتعلّق، ولا يقرأ النهايات كما يقرؤها المنطق. إنما ينتصر عليه بالإمهال والمراوغة؛ يؤجّل استجابته، ويبدّل عاداته، ويصرفه عن مواطن الاستذكار، حتى يعتاد القلب ألّا يُجاب كلما نادى. وبمرور الأيام، لا ينسى القلب ما أراد، لكنه يفقد سلطانه على الجوارح. يبقى الأثر، وتسقط الطاعة.

وهنا تبدأ الحكاية التي يسمّيها الناس تعافيًا.

ليس نسيانًا… بل انقطاع الطاعة

يظنّ كثيرون أن التعافي يحدث حين لا يعود المرء يتذكّر. لكن الإنسان قد يتذكّر أدقّ التفاصيل، ولا يعود أسيرًا لها. يعرف نبرة الصوت، وموضع اللقاء الأول، والكلمة التي سبقت الغياب، وربما يستطيع أن يستعيد المشهد كاملًا؛ غير أن الذكرى لم تعد تأمره بشيء. لا تدفعه إلى رسالة، ولا تستدرجه إلى انتظار، ولا تُجلسه على أطلال الاحتمالات.

ليست الحرية أن تفقد الذاكرة، بل أن تفقد الذاكرة حقّ إصدار الأوامر.

في البدء، يكون القلب صريحًا إلى حدّ الفضيحة؛ يريد ما يريد ولا يكترث بما يترتب على إرادته. يطلب الرجوع ولو كان الرجوع مهانة، ويشتهي القرب ولو كان القرب استنزافًا، ويخلط بين صدق الشعور وصلاح الطريق. أمّا العقل، بعد أن يرى ما خلّفه الاندفاع، فيتعلّم حيلةً لا يملك غيرها: يتغافل. لا يناقش القلب في كل مرة، لأن النقاش استحضار، والاستحضار إغراء جديد. يتركه يتكلم وحده، ثم يمضي بالجسد إلى جهة أخرى.

وفي كل مرة لا يستجيب فيها الإنسان لما يعتمل داخله، تنكسر حلقة صغيرة من حلقات الأسر. ليس لأنه صار أصلب قلبًا، بل لأنه أدرك أن الشعور، مهما كان صادقًا، ليس أمرًا واجب التنفيذ. قد يحبّ ولا يعود، ويشتاق ولا يقترب، ويحزن دون أن يطلب ممن أحزنه أن يداويه. وهذه منزلة عسيرة: أن تصون حقيقة ما تشعر به، من غير أن تجعلها حاكمةً على ما تفعله.

العقل الذي يتظاهر بعدم الفهم

يعرف العقل أن أغنيةً بعينها ليست أغنيةً فحسب، وأن طريقًا معينًا ليس مجرد طريق، وأن التاريخ المكتوب في زاوية التقويم يحمل وراء أرقامه عمرًا كاملًا. يعرف ذلك كله، لكنه يتظاهر بالبلادة. يمرّ ولا يلتفت، يسمع ولا يسترسل، ويتذكّر دون أن يفتح للذكرى سائر الأبواب.

هذا هو التغابي النبيل؛ ليس إنكارًا لما كان، بل امتناعًا عن إحيائه كلما استدعاه الحنين. فالحنين محامٍ بليغ، لكنه غير أمين؛ ينتقي من الماضي ما يخدم مرافعته، ويعرض اللحظات المضيئة، ويطوي ما كان بينها من خذلان ووحشة وانتقاص. يعيد إلينا الراحل كما تمنّيناه، لا كما كان، ويجعل الفقد برهانًا على أن المفقود كان صالحًا للبقاء.

لذلك يتدخّل العقل لا ليشوّه الماضي، بل ليمنعه من التنكّر. يذكّر القلب، بصمت، بأن اللقطة الجميلة لم تكن الحكاية كلها، وأن الاشتياق لا يُبطل أسباب الرحيل، وأن ما انتهى لم ينتهِ دائمًا لعجزنا عن حمايته؛ بعض الأشياء انتهت لأن استمرارها كان سيُنهي فينا أشياء أثمن.

ومع ذلك لا يقول العقل هذا في كل يوم. كثرة المحاكمة تُبقي القضية مفتوحة، وكثرة تفسير النهاية نوعٌ آخر من العجز عن مغادرتها. يأتي وقتٌ لا يعود فيه المرء محتاجًا إلى فهمٍ جديد، بل إلى الكفّ عن إعادة الفهم. فليس لكل وجع سرّ غامض، ولا لكل انطفاء حكمة مؤجّلة. أحيانًا تكون غاية العقل أن يكفّ عن سؤال القلب عمّا به، حتى يتعلّم القلب أن بعض الأسئلة لن تغيّر ما حدث.

حين يبدو الهدوء خيانةً للماضي

في مراحل التعافي الأولى، يشعر الإنسان بالذنب حين يضحك من قلبه، أو يمضي يومٌ كامل من غير أن يتذكّر، أو يكتشف أن الاسم الذي كان يزلزل داخله صار يمرّ هادئًا. كأن الحزن كان آخر عهود الوفاء، وكأن خفّته الجديدة خيانة لما أحبّه قديمًا. فيعود أحيانًا إلى وجعه متعمّدًا، ليتأكد أن شيئًا لم يمت فيه، وأن التجربة لم تصبح عابرة.

لكن الوفاء لا يُقاس بمدة النزف. وما كان عزيزًا لا يحتاج إلى خرابنا كي يثبت أنه كان عزيزًا. إن الألم شاهدٌ على الإصابة، لا شاهدٌ على قيمة المصاب به؛ وقد نتألم طويلًا لأشياء لم تكن جديرةً بنا، فقط لأنها أصابت موضعًا هشًّا فينا.

التعافي لا يهين الماضي، بل يضعه في زمنه الصحيح. لا ينكر أن شيئًا كان عظيمًا، لكنه يرفض أن تظلّ عظمته القديمة وصايةً على الحاضر. فالذي حدث يستحق أن يُحفظ بقدره، لا أن يُمنح ما تبقى من العمر تعويضًا عن انتهائه.

حينئذٍ يتغابى العقل على القلب بطريقة أشد رحمة: لا يوقظه كلما مرّ طيف، ولا يطالبه بإثبات أنه تجاوز، ولا يفتّش في نبضه عن بقايا الضعف. يترك بعض المشاعر نائمةً؛ لأن إيقاظها لا يكشف حقيقةً جديدة، بل يعيد أذىً قديمًا بملامح جديدة.

التعافي ليس موت الشعور

ثمة فرق بين أن يتعافى الإنسان وأن يتحجّر. المتحجّر لا يتألم لأنه أغلق منافذه، أمّا المتعافي فيستطيع أن يشعر دون أن يغرق. الأول يجعل من التجربة قانونًا يعاقب به كل قادم، والثاني يعرف أن شخصًا واحدًا لا يمثل البشر، وأن نهايةً واحدة لا تصلح نبوءةً لكل البدايات.

التعافي الحق لا يقول: لن أحبّ مرة أخرى. بل يقول: لن أفقد نفسي مرةً أخرى باسم الحب. لا يقول: لم يكن الأمر يعني لي شيئًا. بل يقول: كان يعني الكثير، لكنه لم يعد يملك حقي في الحياة. ولا يحتاج إلى ازدراء من رحل كي يستطيع المضي؛ فمن لم يقدر على النجاة إلا بتشويه الماضي، ظلّ مربوطًا به من الطرف المقابل.

ربما تكون آخر علامات التعافي أن يصبح الإنسان قادرًا على الاعتراف الكامل: نعم، أحببت. نعم، تأذيت. نعم، تمنّيت لو بقي ما رحل. ثم لا يفعل شيئًا ضد كرامته أو سلامه لتغيير ما استقر. هنا لا يكذب العقل على القلب، وإنما يكفّ عن خدمته في كل نزوة. يسمعه، ويرفق به، ثم يختار عنه ما عجز القلب عن اختياره لنفسه.

خاتمة: أن تعرف ولا تستجيب

ليس التعافي غلبةً صاخبةً للعقل، ولا موتًا بطيئًا للقلب. إنه هدنةٌ يتولى فيها العقل حراسة الإنسان حتى يهدأ الجزء الذي لا يعرف كيف يحمي نفسه. يتغابى على القلب، لا لأنه يجهل ما يريد، بل لأنه يعرف أن بعض الأمنيات إذا أُجيبت أفسدت صاحبها، وأن بعض الأبواب لا تُغلق بالكراهية، وإنما بالكفّ عن العودة إليها.

سنظل نتذكّر أشياء حسبنا أن الشفاء منها يقتضي نسيانها، ثم نفهم متأخرين أن الذاكرة ليست المرض. المرض أن يبقى الماضي قادرًا على تحريك حاضرنا كلما شاء.

أما التعافي، فأن يهمس القلب بما كان يريده، فيسمعه العقل كاملًا، ثم يتغابى عنه ويمضي؛ كأنه لم يفهم، مع أنه — للمرة الأولى — فهم كل شيء.




                                                                          تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة