ذاكرة القلب للأشياء التي نسيها العقل
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| ذنبٌ لِيُغتفر |
ليست كل الأشياء التي نسيناها قد غادرتنا.
بعضها محا العقل أسماءه وتفاصيله، لكنه ظلّ يعيش فينا على هيئة شعورٍ لا نعرف مصدره؛ خوفٌ يظهر في موقفٍ عابر، وطمأنينةٌ تأتينا مع صوتٍ مألوف، وحنينٌ يوقظه لحنٌ قديم قبل أن نتذكّر أين سمعناه أول مرة.
العقل ينسى الحكاية، لكن القلب يحتفظ بما فعلته الحكاية بنا.
قد ننسى الكلمات التي قيلت لنا، إلا أننا لا ننسى تمامًا الطريقة التي جعلتنا نشعر بها. ننسى ملامح المكان، ويبقى فينا اتساعه أو ضيقه. ننسى تفاصيل اللقاء الأخير، لكن شيئًا من حرارته يظل حاضرًا كلما مرّ أمامنا وجهٌ يشبهه.
كأن داخل الإنسان ذاكرةً أخرى لا تحفظ الوقائع، بل تحفظ آثارها؛ لا تعرف التواريخ، لكنها تعرف ما الذي انكسر في ذلك اليوم، وما الذي وُلد، وما الذي لم يعد بعده إلى حاله الأولى.
عندما ينسى العقل وتبقى الحياة متأثرة
يظن الإنسان أن النسيان يعني انتهاء الأمر، وأن ما لم يعد قادرًا على تذكّره لم يعد موجودًا فيه. لكن كثيرًا من أفعالنا اليوم تقودها أشياء لا نذكرها.
ربما لا نتذكّر المرة الأولى التي جرى فيها التقليل من شأننا، لكننا نتردّد كلما أردنا إبداء رأينا. وربما نسينا من علّمنا الخوف من الخطأ، إلا أننا ما زلنا نطلب الكمال من أنفسنا كأن خطأً صغيرًا سيجعل العالم يتخلّى عنّا.
وقد لا نتذكّر كل المرات التي أحبّنا فيها أحدهم بهدوء، لكننا نشعر بالأمان أمام من يشبهه في لطفه، وفي نبرة صوته، وفي طريقته في الإنصات.
الأحداث لا تبقى فينا بصورتها الأولى دائمًا؛ تتحوّل مع مرور الزمن إلى طباعٍ وحدودٍ وردود أفعال. يصبح الخذلان حذرًا، ويصبح الاحتواء رحمةً، وتصبح النجاة قوةً لا نذكر كيف حصلنا عليها.
لهذا فنحن لا نعيش بما نتذكّره فقط، بل نعيش أيضًا بما تركته فينا الأشياء التي نسيناها.
الجسد يتذكّر ما لا نستطيع روايته
نمرّ أحيانًا بمكانٍ قديم، فيتغيّر شيءٌ في داخلنا دون أن نعرف السبب. لا صورة واضحة تعود، ولا حكاية مكتملة، ومع ذلك نشعر بأن المكان يعرفنا أكثر مما نعرفه.
قد تكون رائحة بيت، أو ضوء نافذة، أو برودة مساء، أو صوت باب يُغلق بالطريقة ذاتها. أشياء صغيرة تعبر الحواس فتوقظ شعورًا ظلّ نائمًا سنوات طويلة.
فالماضي لا يعود دائمًا على هيئة ذكرى؛ قد يعود في ارتباك اليدين، أو تسارع النبض، أو ابتسامةٍ تأتي بلا مقدّمات. وقد يستعيد الجسد لحظةً كاملة بينما يقف العقل عاجزًا عن تسميتها.
هناك أحزانٌ فقدت أسبابها، لكنها لم تفقد مكانها فينا. وهناك أفراحٌ نسينا أيامها، لكنها ما زالت تمنحنا القدرة على تصديق أن الحياة قد تصبح لطيفة مرةً أخرى.
كأن القلب لا يهتم بما حدث بقدر اهتمامه بما صار إليه الإنسان بعد حدوثه.
أشخاص غابت كلماتهم وبقي أثرهم
مرّ في حياتنا أشخاصٌ لا نتذكّر معظم ما قالوه، لكننا نعرف أنهم جعلوا الطريق أقلّ قسوة.
قد ننسى عبارة معلّمٍ آمن بنا حين كنا نشكّ في أنفسنا، أو حديث صديقٍ لم يحلّ مشكلتنا لكنه بقي بجوارنا حتى انتهى الليل. وربما لا نستطيع استعادة ملامح عابرٍ قال كلمةً صغيرة في لحظةٍ كان اليأس فيها أكبر من قدرتنا على الاحتمال.
تضيع الكلمات، لكن أثرها لا يضيع.
بعض الناس لا يبقون في الذاكرة بصورهم، بل يبقون في الأشياء الجميلة التي تعلّمناها منهم. يعيشون في لطفنا مع الغرباء، وفي صبرنا على المنكسرين، وفي حرصنا على ألا نترك أحدًا وحيدًا في المكان الذي تُركنا فيه يومًا.
وفي المقابل، قد ننسى إساءات أشخاصٍ آخرين، لكننا نحمل نتائجها معنا. لا نتذكّر كل خيبة، إلا أننا نغلق الأبواب بسرعة. لا نستعيد كل وعدٍ مكسور، لكننا نخاف الوعود الكبيرة. وقد نبتعد عن إنسانٍ صادق لأن قلبنا تعلّم قديمًا أن الاقتراب بداية الفقد.
وهنا تكمن قسوة الذاكرة الخفية: قد ينتهي الموقف، ويغادر صاحبه، ثم يظل أثره يتخذ القرارات نيابةً عنّا.
ليس كل ما يتذكّره القلب حقيقة
ومع ذلك، لا ينبغي أن نعامل كل شعورٍ قديم كأنه حقيقةٌ لا تقبل الخطأ.
فالقلب لا يحتفظ بالماضي كما وقع، بل كما شعر به. قد نشتاق إلى مرحلةٍ لأن الزمن هذّب قسوتها، لا لأنها كانت جميلة حقًا. وقد نحنّ إلى شخصٍ لأن الذاكرة احتفظت بلحظاته المضيئة وأطفأت ما عداها.
أحيانًا لا نشتاق إلى الإنسان، بل إلى النسخة التي كنّاها بقربه. ولا نفتقد المكان، بل نفتقد عمرًا كان لا يزال واسعًا أمامنا حين كنّا فيه.
لذلك ليس كل حنينٍ دعوةً إلى العودة، ولا كل خوفٍ نبوءةً يجب تصديقها. بعض المشاعر القديمة تأتي لتُفهَم، لا لتُطاع. تأتي لتدلّنا على جرحٍ يحتاج إلى الرحمة، أو على جزءٍ منّا بقي واقفًا عند لحظةٍ تجاوزها الزمن ولم يتجاوزها هو.
النضج ليس أن نتجاهل ما يقوله القلب، بل أن نصغي إليه دون أن نسلّمه مصيرنا كاملًا.
نحن حصيلة ما نتذكّر وما نسينا
لا يستطيع الإنسان أن يروي كل ما صنعه.
ثمّة أيامٌ كاملة اختفت من الذاكرة، لكنها بقيت في الشخصية. مواقف لا نتذكّرها جعلتنا أكثر حذرًا، وأيدٍ نسينا أصحابها جعلتنا أكثر رحمة، وخسارات تلاشت تفاصيلها لكنها أعادت ترتيب ما نقبله وما نرفضه.
ربما لهذا نشعر أحيانًا بأننا نعرف أشياء لم نتعلّمها؛ نثق دون أن نفهم سبب الثقة، ونحذر دون أن نعثر على بداية الحذر، ونميل إلى إنسانٍ كأن شيئًا قديمًا فينا تعرّف إليه قبلنا.
ليست ذاكرتنا ما نستطيع استحضاره فحسب. ذاكرتنا موجودةٌ أيضًا في اختياراتنا، وفي صوتنا حين نخاف، وفي صمتنا حين نعجز، وفي الأشياء التي نسامحها ولا نستطيع الاقتراب منها مرةً أخرى.
إن العقل يحفظ ما حدث، أما القلب فيحفظ ما فعله بنا ما حدث.
وحين نعجز عن تذكّر بعض أعمارنا، فهذا لا يعني أنها ضاعت. لعلها ذابت فينا حتى لم تعد حكايةً مستقلة يمكن روايتها؛ أصبحت جزءًا من نظرتنا إلى العالم، ومن خوفنا، ومن رحمتنا، ومن الطريقة التي نحبّ بها.
فبعض الأشياء لا تغادر الذاكرة لأنها نُسيت، بل لأنها أصبحت أعمق من أن تُستعاد.
يطوي العقل صفحاتها، ويظن أن الحكاية انتهت، بينما يواصل القلب قراءتها بصمت؛ كأن الإنسان لا ينسى تمامًا، بل يفقد فقط اسم الشيء الذي ما زال يتذكّره.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق