أثقل الأشياء تلك التي لا وزن لها | تأمل في خفايا النفس

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :





أثقل الأشياء تلك التي لا وزن لها

ليست الأثقال دائمًا مما تُحدِثه الجاذبية في الأشياء، ولا كل ما يرهق الإنسان يمكن أن يوضع على ميزان. ثمة أشياء لا كتلة لها، ومع ذلك تنوء بها الروح كما تنوء السفن بحمولتها؛ كلمة قيلت في غير أوانها، انتظار طال حتى أصبح عادة، اعتذار لم يصل، وجهٌ غاب وبقي موضعه حاضرًا، سؤال صغير ظلّ مفتوحًا في أقصى الذاكرة.

نحن نعرف كيف نضع الحقيبة عن أكتافنا، لكننا لا نعرف دائمًا أين نضع ما نحمله داخلنا.

ولهذا قد يمشي رجلٌ خفيف الخطى، لا يحمل في يده شيئًا، بينما يجرّ خلفه عمرًا كاملًا لا يراه أحد.

ما لا يُرى قد يكون أشد حضورًا

للأشياء المادية حدودٌ رحيمة؛ الحجر له وزن، والطريق له نهاية، والجرح الظاهر يمكن الإشارة إليه. أما المعاني فلا تعرف تلك الحدود.

الندم، مثلًا، لا يحتل حيزًا في الغرفة، لكنه يستطيع أن يملأها كلها.

والانتظار لا يحتاج إلى مقعد، لكنه قد يُجلس الإنسان سنوات في الموضع نفسه.

والكلمة لا تكاد تستغرق ثانية لتُقال، ثم قد تمكث في قلب صاحبها ثلاثين عامًا.

تلك مفارقة الإنسان الكبرى: إنه يتأذى كثيرًا من أشياء لا يستطيع أن يريها لأحد.

ربما لهذا كان فهم البشر لبعضهم ناقصًا على الدوام. نحن نحكم على ظاهر الحركة ولا نرى ثِقل الباطن. نرى من تأخر، ولا نعرف الطريق الذي قطعه داخله. نرى من صمت، ولا نسمع الخصومات التي تدور في رأسه. نرى من انسحب، وقد نظنه ضعيفًا، بينما يكون قد استنفد آخر ما لديه من قدرة على البقاء.

بعض الناس لا يحتاجون إلى من يحمل عنهم صندوقًا، بل إلى من يفهم أن هناك صندوقًا أصلًا.

الذكريات لا تملك وزنًا… لكنها تغيّر هيئة الإنسان

الذاكرة من أعجب الأشياء التي منحها الإنسان؛ تحفظ ما انتهى حتى يبدو أحيانًا أشد حضورًا مما يحدث الآن.

الماضي نفسه لا يعود، لكن أثره يستطيع أن يعود كل يوم.

ولهذا قد يكون أثقل ما يحمله الإنسان أمرًا لم يعد موجودًا.

مكانٌ هُدم.

صوتٌ انقطع.

مرحلة انتهت.

شخصٌ صار بعيدًا.

ومع ذلك تبقى آثارها كأنها نقوش محفورة في باطن الزمن.

نحن لا نحمل الماضي لأنه موجود، بل لأنه كان موجودًا.

وهذه الـ«كان» الصغيرة ربما كانت من أثقل مفردات اللغة؛ لأنها لا تخبرك عن شيء فحسب، بل تخبرك أنه كان قريبًا ثم أصبح بعيدًا.

ومن هنا نفهم لماذا قد يبتسم الإنسان حين يتذكر لحظة جميلة ثم يصمت فجأة. الجمال القديم نفسه قد يؤلم، لا لأنه كان سيئًا، بل لأنه كان جميلًا أكثر مما ينبغي.

هناك فقدٌ لا يؤلم بسبب الرحيل وحده، بل بسبب مقدار الحضور الذي سبقه.

الأشياء المؤجلة أثقل من الأشياء المنتهية

من غرائب النفس أن النهاية الواضحة، مهما قست، قد تكون أرحم من أمرٍ ظل معلقًا.

«ماذا لو؟»

سؤال لا يتجاوز كلمتين، لكنه قادر على ملاحقة صاحبه سنوات.

ماذا لو قلت؟

ماذا لو بقيت؟

ماذا لو انسحبت مبكرًا؟

ماذا لو اخترت الطريق الآخر؟

الحياة لا تجيب عن الاحتمالات التي لم تقع، ولهذا تصبح بعض الأسئلة غرفًا بلا أبواب.

الإنسان يستطيع أحيانًا أن يتصالح مع خسارة مؤكدة، لكنه يعجز عن التصالح مع احتمال مجهول.

فالشيء المنتهي يملك قبرًا.

أما الشيء المعلّق فيظل يتجوّل داخلنا.

وهنا تكمن وطأة الأمور غير المكتملة؛ الرسالة التي لم تُرسل، الاعتذار الذي تأخر، القرار الذي ظل يؤجَّل، الحوار الذي لم يحدث.

ربما لا نحتاج دائمًا إلى الإجابة، بقدر حاجتنا إلى إغلاق السؤال.

أثقل الكلمات تلك التي لم تُقَل

لسان الإنسان غريب؛ كثيرًا ما يقول ما يمكن تأجيله، ويصمت عن الأشياء التي لا ينبغي تأجيلها.

كم من رجلٍ أراد أن يقول: سامحني، ثم منعه كبرياؤه.

وكم من أبٍ أراد أن يقول لابنه: أنا فخور بك، لكنه ظن أن الصمت أكثر وقارًا.

وكم من صديق شعر بالامتنان ولم ينطقه.

ثم مرّ الزمن، وصارت الكلمات نفسها أثقل لأنها لم تعد تجد المكان القديم الذي كان ينبغي أن تُقال فيه.

الكلمة قبل فوات أوانها خفيفة.

بعده تصبح حملًا.

لهذا لا ينبغي للإنسان أن يستهين بما يؤجله من الكلام الطيب. بعض الجمل لا تحتاج إلى بلاغة؛ تحتاج فقط أن تصل قبل أن يصبح وصولها بلا معنى.

الإنسان نفسه قد يكون أثقل ما يحمله

وربما يكون أثقل ما في الإنسان صورته التي يحاول المحافظة عليها.

أن يبدو دائمًا قويًا.

دائمًا صائبًا.

دائمًا ثابتًا.

دائمًا غير محتاج.

هذه الأقنعة لا وزن لها أيضًا، لكنها تستنزف صاحبها.

فكلما صنع الإنسان نسخة مثالية من نفسه أمام الناس، اضطر إلى حملها أينما ذهب.

وأحيانًا لا يكون التحرر في التخلص من شيء حولنا، بل في التوقف عن ادعاء شيء داخلنا.

أن تقول: لا أعرف.

أن تعترف: أخطأت.

أن تقبل: تغيّرت.

أن تفهم أن التراجع عن رأي ليس انكسارًا، وأن التخلي عن معركة لا تعني دائمًا الهزيمة.

كلما خفَّت حاجة الإنسان إلى إثبات نفسه، خفَّ حمله.

ليست الخفة في قلة الأشياء

قد يمتلك المرء بيتًا واسعًا ومالًا كثيرًا وحياة ممتلئة، ثم يعيش مثقلًا.

وقد يعيش آخر بالقليل ويشعر باتساع غريب داخله.

فالخفة ليست فقرًا في الممتلكات، بل صفاءٌ في العلاقة معها.

أن تعرف ما يستحق أن يبقى معك وما ينبغي أن تتركه يمضي.

فالإنسان لا يتعب دائمًا مما حدث، بل من استمرار مقاومته لما حدث.

بعض الأبواب أغلقت.

بعض الناس تغيروا.

بعض الفرص مضت.

بعض الأسئلة لن تجد جوابًا.

وليس النضج أن تُعيد فتح كل باب، بل أن تعرف أن بعض الأبواب كان إغلاقها هو الجواب نفسه.

وفي نهاية المطاف، ربما تكون الحياة كلها فنًّا في معرفة ما ينبغي حمله وما ينبغي وضعه أرضًا.

لأننا مهما بلغت قوتنا، لسنا مضطرين أن نحمل كل شيء حتى النهاية.

وثمة حكمة لا يتعلمها الإنسان مبكرًا غالبًا:

ليس أثقل ما نحمله ما وضعه الآخرون على أكتافنا، بل ما رفضنا نحن أن نضعه أرضًا.


انظر أيضًا:

رسالة إلى الغرباء الذين لم يُغادرهم القلب

الهوية والذات: من أنا حقًا؟ – الجزء الأول

الحرية والمسؤولية: كيف نختار بوعي؟ – الجزء الثالث

الإرادة حقيقة أم وهم – الجزء الثالث


                                                                                      تليد…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة