كيف لا أتباهى بالذي قد كان؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| على أطلال الشُروق |
ليس صعبًا أن يصنع الإنسان شيئًا يستحق الفخر، لكن الأصعب أن يتجاوزه دون أن يظل أسيرًا له.
نحب أن نستدعي ما فعلناه، ما حققناه، ما تجاوزناه، ومن كنا يومًا. نعيد سرد القصص القديمة لأن فيها نسخة منا كانت قوية، ناجحة، لامعة، أو حتى مختلفة.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الماضي هو المكان الوحيد الذي نستمد منه قيمتنا.
حين نكرر ما فعلناه لأن حاضرنا لم يعد يمنحنا ما يكفي من الثقة.
وحين تتحول الذكريات من تاريخ نحترمه إلى منصة نقف عليها كلما أردنا أن نشعر بأننا ما زلنا مهمين.
هنا يصبح السؤال ضروريًا:
كيف لا أتباهى بالذي قد كان؟
لأن ما حدث انتهى
كل إنجاز قديم له قيمته.
لكن قيمته لا تمنحه الحق في أن يحتل بقية العمر.
نجحت مرة؟ جميل.
تفوقت؟ رائع.
تجاوزت مرحلة صعبة؟ هذا يحسب لك.
لكن ما حدث قد حدث.
والحياة لا تعطي الإنسان امتيازًا دائمًا لمجرد أنه فعل شيئًا عظيمًا في وقت سابق.
قد يكون أقسى ما في الزمن أنه لا يهتم كثيرًا بما كنت عليه.
هو يسألك باستمرار:
ومن أنت الآن؟
وهذا سؤال أكثر عدلًا مما نظن.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما صنعه في أفضل أيامه، بل بقدرته على الاستمرار بعد تلك الأيام.
بعض التباهي محاولة لإنقاذ صورة قديمة
أحيانًا لا نتحدث كثيرًا عن الماضي لأنه جميل فقط، بل لأننا نخشى أن تكون أفضل نسخة منا قد مضت.
نستحضر نجاحًا قديمًا حتى نطمئن أنفسنا أننا ما زلنا قادرين.
نذكر مكانتنا السابقة لأن مكانتنا الحالية لا تشبه ما كانت عليه.
نكرر على الناس ما كنا نفعله حتى لا نشعر أننا أصبحنا عاديين.
وهنا لا يكون التباهي غرورًا بقدر ما يكون خوفًا.
خوفًا من أن تكون القصة الكبرى قد انتهت.
لكن الإنسان الذي يعرف قيمته لا يحتاج إلى إثباتها من خلال أرشيفه.
ليس لأنه ينكر ماضيه، بل لأنه لا يسمح للماضي أن يصبح الشاهد الوحيد على أنه كان يستحق الاحترام.
ما فعلته لا يعفيك مما يجب أن تفعله
من أخطر ما يصنعه الإنجاز القديم أنه يمنح صاحبه أحيانًا شعورًا خفيًا بالاستحقاق.
كأن ما فعله بالأمس يمنحه حق الراحة اليوم.
كأن نجاحه السابق يكفي.
لكن الحياة لا تتعامل بهذه الطريقة.
الفضائل القديمة لا تعفيك من أخلاق الحاضر.
والنجاحات السابقة لا تعفيك من مسؤولية اليوم.
ومن كان كريمًا يومًا لا يملك أن يتباهى بكرمه إذا أصبح قاسيًا الآن.
ومن كان ناجحًا في مرحلة لا يستطيع أن يجعل نجاحه القديم عذرًا لتوقفه.
ومن كان صاحب موقف عظيم مرة لا يصبح عظيمًا إلى الأبد بسببه.
الإنسان يحتاج دائمًا إلى أن يكون جديرًا بنفسه من جديد.
لا تجعل الماضي خصمًا للحاضر
المشكلة ليست في أن تتذكر.
المشكلة في أن تقارن كل شيء بما سبق.
أن تقول: كنت أفضل.
كنت أقوى.
كنت أكثر نجاحًا.
كان الناس يعرفونني.
كانت حياتي أجمل.
بهذه الطريقة، يتحول الماضي من ذاكرة إلى خصم.
ويصبح الحاضر عاجزًا عن المنافسة مع نسخة مثالية صنعتها الذاكرة.
نحن غالبًا لا نتذكر الماضي كما كان.
نتذكره كما نريد له أن يكون.
نحذف منه التعب، والشك، والخوف، والانتظار، ونحتفظ فقط باللقطات التي تجعلنا نبدو منتصرين.
ثم نظلم حاضرنا لأننا نقارنه بصورة منتقاة بعناية.
القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان
الأشياء العظيمة لا تصغر حين نصمت عنها.
والإنجاز لا يفقد قيمته لأننا لم نذكره.
هناك فرق بين أن تروي تجربتك ليستفيد منها أحد، وبين أن ترويها لكي يشعر الآخرون بأنك أعلى منهم.
الأول معرفة.
والثاني بحث عن اعتراف.
والفرق بينهما لا يظهر دائمًا في الكلمات، بل في النية.
قد تتحدث عن إنجاز كبير بكل بساطة، دون ذرة تباهٍ.
وقد تتحدث عن أمر صغير بطريقة تجعل كل من أمامك يشعر أنك تطلب منهم التصفيق.
لذلك لا تكمن المشكلة في الكلام عن الماضي، بل في الحاجة إلى أن يمنحك الآخرون قيمتك من خلاله.
ما حدث لك ليس أنت
من أجمل الأشياء التي يمكن أن يدركها الإنسان أنه أكبر من إنجازاته.
وأكبر من إخفاقاته كذلك.
أنت لست الوظيفة التي حصلت عليها.
ولا المكانة التي كنت فيها.
ولا عدد الأشخاص الذين عرفوك.
ولا المال الذي جمعته.
ولا اللقب الذي حملته.
كل ذلك حدث لك.
لكنه ليس أنت بالكامل.
وحين نربط هويتنا بما أنجزناه، نصبح هشّين أمام أي مرحلة لا نستطيع فيها تكرار الإنجاز نفسه.
أما حين نفهم أن قيمتنا لا تقوم كلها على ما فعلناه، نصبح أكثر هدوءًا.
وأقل حاجة لاستدعاء الماضي كلما اهتز الحاضر.
بعض العظمة لا تُرى إلا بعد أن نتجاوزها
ربما يكون أجمل انتصار على الغرور أن تستطيع الحديث عن أفضل أيامك دون أن تتمنى العودة إليها.
أن تحترمها.
وتشكرها.
ثم تمضي.
لا لأن ما حدث كان قليلًا، بل لأنه أصبح جزءًا من قصة أطول.
فالإنسان الناضج لا يحتقر ماضيه، لكنه لا يسكن فيه.
ولا يقلل من إنجازاته، لكنه لا يجعلها تاجًا دائمًا فوق رأسه.
يعرف أن القيمة الحقيقية ليست في أن يقول:
انظروا ماذا فعلت.
بل في أن يستطيع أن يسأل نفسه بهدوء:
وماذا أستطيع أن أفعل الآن؟
في النهاية
كيف لا أتباهى بالذي قد كان؟
بأن أفهم أن الماضي دليل، لا هوية.
وأن الإنجاز ذكرى، لا حصانة.
وأن ما فعلته يستحق الامتنان، لكنه لا يمنحني حق الوقوف طويلًا في المكان نفسه.
أحترم من كنت.
لكنني لا أعبده.
أفتخر بما استطعت فعله.
لكنني لا أطلب من الناس أن يعيشوا معي داخله.
وأعرف أن بعض أجمل الأشياء التي صنعتها في حياتي لا تحتاج مني إلى تكرارها على مسامع أحد.
يكفي أنها حدثت.
ويكفي أنها صنعت مني شيئًا.
ثم تركت لي الطريق مفتوحًا لأصنع شيئًا آخر.
فالذي يثق فعلًا بما كان، لا يحتاج أن يتباهى به كثيرًا.
لأن بعض الإنجازات، كلما عظمت، صغر حاجتنا إلى الحديث عنها.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق