أكتبُ كي أُفرغني منكِ
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| أكتبُ كي أُفرغني منكِ، لا كي أستعيدكِ؛ فقد أحببتُكِ كما يليق برجل، ثم تركتُكِ كما يليق به أيضًا. |
(عينانِ إلى ملكُوتِهما تأوي أسرابُ الأحزان)
أكتبُ كي أُفرغني منكِ
لم أجلس إلى هذه الورقة لأنني أفتقد القدرة على الرحيل، ولا لأنني أبحث بين السطور عن حيلةٍ تعيدكِ إليّ. جلستُ إليها لأن في الرجل أشياء لا ينبغي أن تبقى سائبةً في صدره، ولأن الكلام إذا لم يُوضَع في موضعه الصحيح تحوّل إلى ضجيجٍ خفيّ يفسد عليه صفاء أيامه.
أكتبُ كي أُفرغني منكِ؛ لا لأدينكِ، ولا لأتوسّل منكِ تفسيرًا متأخرًا. انتهى الزمن الذي كنتُ أنتظر فيه أن تقولي ما يغيّر خاتمة الحكاية. فالخواتيم، حين تنضج، لا تعدّلها الكلمات، واليد التي أغلقت الباب لا يليق بي أن أظل واقفًا خلفه أجادلها في أسباب الإغلاق.
لقد مضيتِ، وهذه حقيقة لا أخاصمها. وأنا أيضًا سأمضي، لكن على طريقتي: بلا ضوضاء، ولا انتقام، ولا محاولةٍ رخيصة لإقناعكِ بأنكِ خسرتِ رجلًا لن يتكرر. يكفيني أنني أعرف من كنتُ معكِ، وما الذي وضعته بين يديكِ، وكم كنتُ واضحًا حين كان الغموض أسهل، وثابتًا حين كان الفرار أهون.
لا يحتاج الرجل إلى أن يعلن قيمته كلما فارقته امرأة. قيمته لا تبدأ من اختيارها له، ولا تنتهي حين تختار طريقًا آخر. ولهذا لن أجعل من رحيلكِ محكمةً أقدّم فيها براهين استحقاقي، ولن أفتّش في الذاكرة عن موقفٍ أرفعه في وجهكِ كوثيقة إدانة. بعض القصص لا تحتاج إلى مذنب؛ يكفي أنها بلغت آخر ما تستطيع بلوغه.
هذه الكتابة ليست رسالةً إليكِ
ربما يبدو لكِ أن كل كلمة هنا تتجه نحوكِ، لكنها في الحقيقة تعود إليّ. إنني لا أكتب لأصل إلى قلبكِ، بل لأستردّ المساحات التي تركتُها فيه طويلًا. أكتب لأجمع نفسي من الجهات التي بعثرتها فيها الأيام، ولأعيد اسمي إلى صاحبه بعد أن اقترن زمنًا باسمكِ.
كنتُ أظن أن الأشياء التي تجمع اثنين تظل بريئةً بعد افتراقهما، ثم اكتشفتُ أنها تكتسب ذاكرةً خاصة: مقعدٌ بعينه، طريقٌ طويل، وقتٌ محدد من الليل، ورائحةٌ تعيد عامًا كاملًا في لحظة. لم تكن المشكلة في غيابكِ، بل في أنكِ ظللتِ موزعةً على ما حولي؛ كأنكِ خرجتِ من الباب ثم آثرتِ البقاء في تفاصيل المكان.
ولهذا أكتب. أكتب كي تعود الأشياء إلى أسمائها الأولى. كي يصبح الطريق طريقًا، لا أثرًا لخطواتنا. ويعود المساء جزءًا من اليوم، لا موعدًا مؤجلًا مع الذكرى. وتصبح الأغنية لحنًا يمكن سماعه دون أن تنفتح في الصدر نافذةٌ على زمنٍ انقضى.
لن أتجنب مدينةً مررتِ بها، ولن أخشى مقهًى جلسنا فيه، ولن أتنازل عن أغنية أحببتها قبلكِ لأن صوتكِ عبرها ذات مساء. ليس من العدل أن ترحلي وتأخذي معكِ نصف العالم. سأستردّه منكِ شيئًا فشيئًا، لا غصبًا ولا حقدًا، وإنما بحقّ الإنسان في أن يعيش بعد ما انتهى.
لا أتبرأ من الرجل الذي أحبّكِ
لا أخجل من الرجل الذي كنتُه معكِ. لم يكن ضعيفًا لأنه أحب، ولم يكن غافلًا لأنه اطمأن، ولم تكن طيبته نقصًا في فطنته. كان رجلًا رأى فيكِ ما يستحق أن يُصان، فصانكِ بقدر ما عرف من الوفاء، ومنحكِ من صدقه دون أن يحتفظ لنفسه بمخرجٍ خفي.
أنا لا أتنصّل من ذلك الرجل، ولا أوبّخه لأنه وثق بكِ. بل أحترمه؛ لأنه لم يدخل حياتكِ متخفّيًا خلف حسابات الربح والخسارة، ولم يجعل عاطفته مساومةً يومية. أحبكِ بوجهٍ واحد، وقال ما يعنيه، وفعل ما استطاع، ولم يضع قلبكِ في كفّةٍ وكبرياءه في كفّة أخرى كلما اختلفنا.
لكن صدقي آنذاك لا يلزمني بالبقاء الآن. الوفاء لما كان لا يعني الارتهان له، واحترام الذكرى لا يعني أن أجعلها حاكمةً على ما تبقى من عمري. أنا الرجل نفسه الذي أحبكِ، غير أنني تعلّمت أن المحبة التي لا تجد مقامها اللائق ينبغي أن تُرفع من المكان، كما تُرفع الأشياء النفيسة من يدٍ لا تعرف قيمتها؛ بهدوء، ودون مشهدٍ أخير.
لن أحوّلكِ إلى امرأة سيئة كي أتمكن من تجاوزكِ، ولن أستعير القسوة لأقنع نفسي بأنني تعافيت. إن احتجتُ إلى تشويهكِ حتى أنجو، فما نجوتُ منكِ، بل استبدلتُ الحب بالكراهية، وبقيتِ في داخلي بصورةٍ أخرى. وأنا أريد خروجًا كاملًا؛ لا يبقيكِ معشوقةً ولا خصمًا، بل حكايةً عرفتُ منها ما يكفيني ثم وضعتها في موضعها من الماضي.
الرجولة ليست جمودًا
قد أحنّ إليكِ، ولن أكذب على نفسي كي أبدو أصلب مما أنا عليه. الحنين لا يهدم رجلًا يعرف حدوده؛ الذي يهدمه أن يجعل من حنينه قائدًا، ومن وحدته عذرًا للعودة إلى ما أهدر سلامه.
سأشعر بما أشعر به دون أن أتحول إلى عبدٍ له. فقد تعلّمت أن بين القلب والقرار مسافةً يجب أن يحرسها العقل، وأن الرجل قد يشتاق ثم لا يعود، وقد يتألم ثم لا يشكو، وقد يتذكّر يدًا أحبّها دون أن يمدّ يده إليها مرةً أخرى.
القوة ليست أن يخرج المرء من الحب بلا أثر؛ فذلك لم يحدث إلا لمن لم يحب أصلًا. القوة أن يحمل أثره دون أن ينحني، وأن يعترف بما خسره دون أن يخسر نفسه معه. ليست الرجولة في قلبٍ لا ينكسر، بل في رجلٍ يعرف كيف يجبر قلبه من غير أن يؤذي أحدًا بشظاياه.
لذلك لم أبحث عنكِ في امرأة أخرى، ولم أجعل من بعدكِ ساحةً أعاقب فيها كل من تقترب. لا ذنب للعالم في قصة انتهت بيننا. وما كان لكِ سيبقى لكِ، وما سيأتي لغيركِ لن يكون نسخةً منه. فالرجل لا يوزّع جراحه على الأبرياء، ولا يستخدم قلبًا جديدًا ضمادًا لقلبٍ قديم.
سأستعيد اسمي كاملًا
كان اسمي في تلك الأيام يأتي مشفوعًا بكِ؛ كأنني لا أكتمل إلا حين أكون جزءًا من جملةٍ تجمعنا. أما الآن، فأستعيده منفردًا، لا وحيدًا. ثمة فرقٌ كبير بين الوحدة والانفراد: الأولى فراغ، والثاني سيادة المرء على نفسه.
سأتعلم من جديد أن أختار يومي دون أن أتساءل عمّا كنتِ ستفضّلينه، وأن أرتب مستقبلي من غير أن أترك لكِ مقعدًا احتياطيًا فيه. لن أبني احتمالًا لعودتكِ، ولن أهيئ بابًا خلفيًا للمصادفات. ما انتهى عندي لا يبقى نصف مفتوحٍ انتظارًا لمزاج الزمن.
وإذا التقينا يومًا، فلن أهرب منكِ، ولن أقترب أكثر مما ينبغي. سأحييكِ بما يليق بامرأةٍ كان لها شأن، ثم أمضي بما يليق برجلٍ صار له شأنٌ آخر. لن أفتّش في عينيكِ عن الندم، ولن أعرض عليكِ سعادتي الجديدة كاستعراض انتصار؛ لأنني حين أتجاوزكِ حقًّا، لن أحتاج إلى أن تعرفي أنني فعلت.
ربما تنتظرين أن تجدي في وجهي شيئًا من الرجل الذي تركتِه، وستجدين ملامحه، لكنكِ لن تجدي سلطتكِ القديمة عليه. فالذي تغيّر ليس مقدار الذكرى، بل موضعها. كانت في صدري، ثم صارت خلفي. كانت تحدد خطوي، ثم أصبحت مسافةً قطعتها.
ما أريده من هذه النهاية
لا أريد اعتذارًا؛ فالاعتذارات المتأخرة تصل غالبًا بعدما يتعلم القلب العيش من دونها. ولا أريد تفسيرًا؛ لأنني أدركت أن بعض الأفعال تشرح أصحابها بوضوحٍ أكبر من كل الكلام. ولا أريد منكِ أن تعرفي كم استغرقني الخروج؛ فمدة التعافي شأنٌ يخصّ جراح صاحبه، لا الذي أحدثها ثم مضى.
كل ما أريده أن أخرج من الحكاية دون أن أحملها إلى ما بعدها. لا أريد أن أستقبل أيامي الجديدة بعينين تنظران إلى الوراء، ولا أن أظلم مستقبلي لأن ماضيّ لم يكتمل كما تمنيت. يكفيني منه ما علّمني: أن القلب الكريم يحتاج حدودًا، وأن العطاء بلا بصيرة استنزاف، وأن وضوح الرجل لا يجبر الطرف الآخر على أن يكون واضحًا مثله.
لقد سامحتُ ما استطعت، لا من أجلكِ، بل لأن حمل العتب عملٌ يومي شاق، وأنا لا أريد أن أهدر عمري في رعاية شيءٍ مات. أما ما لم أستطع مسامحته، فسأتركه للزمن؛ فهو أكثر صبرًا مني، وأقدر على تنقية الأشياء من حرارتها الأولى.
الكلمة الأخيرة
هذه ليست محاولةً أخيرة لإعادتكِ، بل المحاولة الأخيرة لإعادتي إليّ. أكتبكِ للمرة الأخيرة حتى لا أضطر إلى التفكير فيكِ كل مرة. أضعكِ في نصٍ له بداية ونهاية، لأنكِ بقيتِ طويلًا في داخلي بلا خاتمة.
وحين أضع النقطة الأخيرة، لن أكون قد نسيتكِ، فالنسيان ليس المقياس الوحيد للنجاة. قد أتذكركِ بعد أعوام، لكنني سأتذكركِ من مسافةٍ آمنة؛ كما يتذكّر الرجل بيتًا سكنه ذات زمن: يعرف موضع نوافذه، ويحفظ صوت أبوابه، لكنه لا يحمل مفتاحه ولا يفكر في الرجوع إليه.
أكتبُ كي أُفرغني منكِ، لا لأن وجودكِ كان قليلًا، بل لأنه أخذ مداه وانتهى حقّه. وما انتهى حقّه لا أسمح له أن يستولي على بقية العمر.
لقد أحببتكِ يوم كان الحب موقفًا يليق بي، وسأترككِ اليوم لأن الرحيل أصبح الموقف الذي يليق بي أكثر. لا منتصر بيننا ولا مهزوم؛ هناك امرأة اختارت طريقها، ورجل عرف أخيرًا أن كرامته ليست جدارًا يمنعه من الحب، بل بابٌ يمنعه من البقاء حيث لم يعد له مقام.
سأطوي هذه الصفحة دون أن أمزّقها؛ فما كان جميلًا لا يستحق الإهانة، وما كان مؤلمًا لا يستحق التكرار. ثم سأغادر النص كما غادرتُكِ: بلا تهديد، ولا استجداء، ولا التفاتةٍ أخيرة.
سأمضي فحسب، كاملًا بما تعلّمت، وخفيفًا مما تركت.
تليد..
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق