لو رأيتني حقًا، لاح لك من أنا | وهم معرفة الآخرين

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :





لو رأيتني حقًّا، لاحَ لكَ مَن أنا

ليس كلُّ مَن نظر إليك رآك، ولا كلُّ من عرف اسمك اهتدى إلى حقيقتك. فالرؤية ليست وقوع العين على الملامح، وإنما نفاذ البصيرة إلى ما وراءها؛ إلى ذلك الجزء المستتر الذي لا تُفصح عنه هيئة، ولا يستوفيه حديث عابر، ولا تهتدي إليه الأحكام المتعجّلة.

قد يمكث الإنسان بين أناسٍ أعوامًا، ثم يكتشف أنهم لم يعرفوا منه إلا عاداته الظاهرة، ونبرة صوته، والأشياء التي يحبها أو ينفر منها. عرفوا أخباره، لكنهم لم يعرفوه. أحصوا كلماته، ولم يصغوا إلى المعنى الذي كان يرتجف خلفها. رأوا صمته، ثم اختلفوا في تأويله: فمنهم من حسبه كِبرًا، ومنهم من عدّه جفاءً، ولم يخطر لأحدهم أنه ربما كان آخر ما بقي له من كرامة.

فالإنسان أوسع من الصورة التي تستقر عنه في أذهان الآخرين، وأعمق من أن يُختزل في موقفٍ واحد. وما أكثر الذين حوكموا بأشدّ لحظاتهم اضطرابًا، ثم ظلّوا عمرًا كاملًا يؤدّون عقوبة نسخةٍ قديمة منهم.

بين النظر والرؤية مسافةٌ من الإنصاف

النظر فعل العين، أما الرؤية فخُلُق القلب والعقل معًا. قد تنظر إلى المرء فتلاحظ ثوبه وطريقته وحديثه، لكنك لا تراه حقًّا حتى تتخفف من ظنونك، وتقترب منه بلا حُكمٍ مُسبق، وتمنحه حقّه في أن يكون أكثر تعقيدًا من تفسيرك السريع.

نحن لا نرى الناس دائمًا كما هم؛ بل كما نحن. نُسقط على وجوههم مخاوفنا وتجاربنا وما ترسّب في نفوسنا من خيبات. من ذاق الغدر طويلًا قد يسيء الظن بالصدق حين يلقاه، ومن اعتاد الضجيج قد يظن الهادئ فارغًا، ومن لم يعرف سوى المصالح قد يرتاب في المروءة؛ لأنها تبدو له أمرًا بلا عِلّة.

وهنا يقع أعمق الظلم: أن يُطالَب الإنسان بالدفاع عن حقيقةٍ لم يبذل الآخر أدنى جهد لرؤيتها. أن يشرح صفاءه لمن دخل إليه وفي يده لائحة اتهام، وأن يبرهن على وفائه لمن قرر سلفًا أن كل اقترابٍ مصلحة، وكل صمتٍ إدانة، وكل ابتعادٍ خيانة.

بعض الناس لا يبحثون فيك عنك، بل يبحثون عن شاهدٍ يؤيد الفكرة التي كوّنوها عنك. فإن وجدوا منك ما يوافقها حفظوه، وإن رأوا ما ينقضها تجاوزوه كأنه لم يكن. وهكذا لا تصبح أنت في أعينهم إنسانًا، بل حجةً يستعينون بها على تصديق ظنونهم.

في داخل كل إنسان سيرةٌ لم تُروَ

خلف كل وجهٍ هادئ معارك لم يحضرها أحد. هناك أشياء اجتازها الإنسان ولم يُحسن وصفها، وأوجاعٌ روّضته من غير أن يبوح بها، ومواقف ابتلع فيها كلماته كيلا يهدم ما تبقى من الود. وليس الصمت دائمًا عجزًا عن الكلام؛ فقد يكون امتناعًا نبيلاً عن تلويث الحقيقة بالشكوى.

ربما رأيت شخصًا شديدًا، ولم ترَ كم مرة اضطر إلى حمل نفسه حين لم يجد من يحمله. وربما حسبته باردًا، ولم تعلم أن فرط الشعور علّمه الاقتصاد في إظهاره. وقد تظنه زاهدًا في القرب، بينما هو يخشى أن يمدّ يده إلى شيءٍ آخر ينتهي بالفقد.

لا تظهر حقيقة الإنسان كلها في المواطن السهلة؛ بل تتجلّى في اللحظات التي يستطيع فيها الإساءة فيعفو، ويقدر على الفضح فيستر، ويملك الرحيل بصخب فيغادر بصمت. هناك تُرى جواهر النفوس، لا في الفصاحة التي يصف بها الناس فضائلهم.

كم من امرئٍ أساء العالم قراءته لأنه لم يكن بارعًا في عرض نفسه، وكم من آخر حظي بصورةٍ ناصعة لأنه أتقن صناعة الانطباع. غير أن البريق لا يدل دائمًا على معدنٍ نفيس، كما أن الخشونة الظاهرة لا تعني خواء الباطن. بعض الأرواح تشبه المخطوطات العتيقة؛ لا تكشف نفاستها لمن يقلّبها بعجلة، وإنما لمن يتأنّى في قراءتها، ويفهم ما محاه الزمن بين سطورها.

مَن يرَك حقًّا يعفك من كثرة التفسير

أندر العلاقات تلك التي لا يضطر فيها الإنسان إلى شرح نفسه في كل مرة. أن يجد من يفهم أن انطفاء صوته تعب، وأن ابتعاده استبقاءٌ لما بقي، وأن صلابته ليست انعدامًا للشعور، بل وسيلته في ألا يتداعى أمام أحد.

من يراك حقًّا لا يقتطعك من سياقك، ولا يجعل زلّتك تعريفًا نهائيًا لك. يعرف أنك قد تخطئ من غير أن تكون سيئًا، وقد تتعب من غير أن تكون ضعيفًا، وقد تختار نفسك مرةً من غير أن تصبح أنانيًا. يمنحك المساحة التي يحتاجها البشر كي يتغيروا، فلا يسجنك في ماضٍ غادرته، ولا يستدعي نسختك القديمة كلما خشي نسختك الجديدة.

والرؤية الحقيقية لا تعني معرفة السرائر؛ فتلك منزلة لا يملكها بشر، وإنما تعني إنصاف الظاهر، والتريث قبل الحكم، والإقرار بأن في كل إنسان خبيئةً لا يحيط بها سواه وربّه. إنها تواضعٌ في المعرفة، واعترافٌ بأن ما نجهله عن الآخرين أكثر مما نعرفه عنهم.

لهذا، لا ينبغي للمرء أن يستنزف عمره وهو يطرق أبواب الذين اختاروا ألا يروه. فبعض العيون لا ينقصها الدليل، بل تنقصها الرغبة في الإنصاف. ومهما شرحت لها، ستعيد ترتيب كلماتك لتلائم حكمها الأول. النجاة هنا ليست في مزيدٍ من التبرير، وإنما في الكفّ عن تسليم حقيقتك لمحكمةٍ لا تنوي سماعك.

حين تصبح رؤيتك لنفسك كافية

يأتي على الإنسان وقتٌ يدرك فيه أن سوء فهم الآخرين له ليس دائمًا مسؤوليته. عليه أن يراجع نفسه بصدق، ويصلح ما استطاع، لكن ليس عليه أن يقضي حياته مترجمًا لروحه عند كل عابر. فالحقيقة لا تفقد قيمتها لأن أحدًا لم ينتبه إليها، والجوهر لا يتحول إلى زيفٍ لأن عينًا عجزت عن سبره.

أن تعرف مَن أنت لا يعني أن تدّعي الكمال، بل أن تكون صادقًا مع نقائصك ومزاياك، مدركًا لما غيّرتك به الأيام، وما أبقته المحن فيك عصيًّا على التبدّل. وحين تبلغ هذه المعرفة، لن تعود محتاجًا إلى أن يصدقك الجميع؛ لأنك لم تعد تستمد وجودك من تصوراتهم.

سيبقى فيك ما لا يراه أحد، وستظل هناك غرفٌ موصدة لا يملك مفاتيحها إلا مَن اقترب بأدبٍ وصبر. وليس في ذلك غموضٌ متعمّد، بل صيانةٌ لما لا يليق أن يُعرض على كل عين.

ولو رأيتني حقًّا، لما سألتني طويلًا مَن أكون. لرأيت خلف هدوئي ضجيجًا هزمته، وخلف شدّتي قلبًا أرهقه اللين، وخلف انسحابي كرامةً آثرت النجاة على الخصومة. ولأدركت أنني لم أكن عصيًّا على الفهم، وإنما كنت أحتاج عينًا لا تنظر إليّ من خلال نفسها.

لو رأيتني حقًّا، لاحَ لكَ مَن أنا؛ فالذين يروننا بصدق لا يحتاجون إلى كثيرٍ من البراهين، والذين لا يريدون رؤيتنا لن تكفيهم سيرة العمر كلّها.


الهوية والذات: من أنا حقًا؟ رحلة الإنسان نحو اكتشاف نفسه

ولأن رؤية الآخرين لنا تبدأ من وضوح رؤيتنا لأنفسنا، يمكن التوسّع في هذا المعنى بقراءة: الهوية والذات: من أنا حقًا؟ رحلة الإنسان نحو اكتشاف نفسه في الرابط أعلاه.



                                                                                      تليد..


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة