لم أعد أعرف ما أريده: حين ننسى رغباتنا لنقبل المتاح
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| ظفر بالنصر أو نصر بالظفر |
يسألك أحدهم: ماذا تريد؟
فتوشك أن تجيب، ثم تتوقف. تعرف ما تستطيع تحمّله، وما يناسب دخلك، وما لن يعترض عليه أهلك، وما يمكن الحصول عليه دون خيبة جديدة. تعرف الخيارات الآمنة، والإجابات المقبولة، والأبواب التي لن تُحرجك إن طرقتها. لكن السؤال لم يكن عن شيء من ذلك. كان عنك، وهنا تحديدًا لم تجد إجابة.
قد تكون أمضيت سنوات تتدرّب على قبول الحياة، حتى نسيت كيف تصغي إلى رغبتك فيها. كلما تعذّر شيء قلت إنه لا يستحق، وكلما ابتعد حلم وجدت أسبابًا وجيهة لعدم ملاحقته. ساعدتك هذه التفسيرات على العبور، وخفّفت عنك مرارة الحرمان، لكنها تركت سؤالًا مؤجلًا: هل تغيّر ما تريده فعلًا، أم تعلّمت ألّا تريده لأنك لم تستطع الوصول إليه؟
ثمة تعب لا يأتي من كثرة المطالب، بل من طول الإقامة في حياة لا تعرف مقدار اختيارك فيها. تمضي أمورك، وتؤدي واجباتك، وقد تبدو مستقرًا، لكنك حين تختلي بنفسك تشعر أن هناك حديثًا قديمًا بينك وبينها انقطع قبل أن يكتمل.
حين نُعيد تسمية ما لم نستطع الحصول عليه
يبدأ الأمر بتنازل مفهوم. تحتاج إلى العمل فتقبل وظيفة بعيدة عن ميولك، وتقول إنها مرحلة. تضيق الظروف فتؤجّل دراسة تحبها، أو انتقالًا تتمناه، أو تجربة كنت تنتظرها. لا عيب في ذلك؛ للحياة شروط لا تتبدّل لمجرد أننا نرغب في غيرها، وللمسؤوليات وزن لا يجوز تجاهله.
لكن شيئًا دقيقًا قد يحدث مع الوقت: يصبح الاعتراف بالرغبة مؤلمًا، فتبدأ في تغيير وصفها.
الدراسة التي أحببتها تصير مضيعة للعمر، والسفر الذي تمنّيته يصبح ترفًا فارغًا، والعمل الذي كنت تحلم به يتحوّل في أحاديثك إلى مخاطرة لا يقدم عليها عاقل. وربما كان في نقدك شيء صحيح، لكنك تلاحظ أنك لا تستطيع الحديث عن هذه الأشياء بهدوء؛ كأنك تحتاج، في كل مرة، إلى إثبات أنك لم تخسر شيئًا.
تخيّل رجلًا كان يحب الرسم، ثم انشغل سنوات بتأمين معيشته. يستطيع أن يقول: أحببته ولم تتّسع له حياتي. لكن هذه الجملة تؤلمه، فيقول بدلًا منها: لم يكن يستحق الوقت. وحين يرى شخصًا في عمره يرسم، يضيق صدره دون أن يفهم السبب. لعل ما أزعجه أن أحدًا ما زال يعيش الاحتمال الذي أقنع نفسه بأنه بلا قيمة.
لا يعني هذا أن رغباتنا الأولى أصدق دائمًا. قد نكبر ونتغيّر، ونكتشف أن حلمًا قديمًا لم يكن مناسبًا لنا. غير أن هناك فرقًا يستحق التأمل بين رغبة تركناها بعدما عرفناها، ورغبة لم نسمح لأنفسنا بمعرفتها لأن الطريق إليها بدا صعبًا.
الثناء الذي يجعل العودة إلى الذات أصعب
تزداد المسألة تعقيدًا حين يكافئك المحيط على هذا الابتعاد.
يقولون إنك عاقل، وقنوع، وسهل المعشر، ولا تتعب أحدًا بطلباتك. تسمع ذلك فتطمئن إلى صورتك بينهم، ثم تجد نفسك مطالبًا بالحفاظ عليها. كيف تعترف الآن بأنك غير راضٍ عن بعض ما وافقت عليه؟ وكيف تطلب مساحة، وقد اعتاد الجميع أنك الشخص الذي يتدبّر أمره مهما ضاقت المساحة؟
داخل بعض البيوت، يتعلّم الإنسان أن يسأل عمّا يحتاجه الآخرون قبل أن يكتشف ما يحتاجه هو. يختار دراسته وفق ما يطمئنهم، ويقيس قراراته بمقدار قبولهم، ثم يبلغ عمرًا يفترض أنه عمر الاستقلال، فيجد أن رأي الآخرين حاضر في داخله حتى حين لا يكون أحد منهم موجودًا.
وحين تتاح له حرية صغيرة، يرتبك. يُسأل أين يريد قضاء يومه، فيجيب: أي مكان. يُخيَّر بين أمرين، فيبحث في وجه السائل عن الخيار الذي يفضّله. قد يبدو شديد المرونة، بينما هو لم يعتد أن يمنح ميله الشخصي وزنًا كافيًا لاتخاذ قرار.
وفي نظرية التحديد الذاتي، يشير الاستقلال إلى شعور الإنسان بأن أفعاله تصدر عن إرادة يتبنّاها، مع إمكان بقائه مرتبطًا بالآخرين ومسؤولًا تجاههم. تساعد هذه الفكرة على فهم أهمية أن يجد المرء نفسه في اختياراته، حتى داخل حدود واقعه. نظرية التحديد الذاتي
المعاناة هنا أن حياتك قد تكون مقبولة في أعين الجميع، وأنت لا تجد عبارة تشرح بها غربتك عنها. لا توجد كارثة واضحة تشكو منها، ولا خسارة يستطيع الناس الإشارة إليها. هناك فقط شعور خافت بأنك حاضر لتسيير الأيام، وغائب عن تقرير شكلها.
أن تعترف برغبتك قبل أن تحاكمها
ربما تبدأ العودة إلى الذات من تغيير ترتيب الأسئلة.
لقد اعتدت أن تسأل: هل أستطيع؟ قبل أن تسأل: هل أريد؟ وبمرور الوقت، صار كل ما لا تستطيع فعله يُحذف من داخلك قبل أن تفهم معناه. جرّب أن تمنح الرغبة فرصة للكلام، ثم ناقش إمكانها بعد ذلك.
قد تكتشف أنك لا تريد ترك عملك، وإنما تريد وقتًا لا يستهلكه العمل. وأنك لا تتمنى حياة شخص آخر كاملة، بل تتمنى الجرأة التي رأيتها في أحد قراراته. وربما لا تحتاج إلى السفر بقدر حاجتك إلى الخروج من دور اجتماعي يلاحقك في كل مكان.
الرغبة حين تُسمع بتأنٍّ تصبح أوضح، وأحيانًا أقل استحالة مما بدت. أما حين تُقمع فور ظهورها، فتظل وجعًا مبهمًا لا تعرف أين تضعه.
وفي حديثه عن الفردية، يناقش جون ستيوارت مِل قيمة أن يُعمل الإنسان حكمه في اختيار طريقة حياته، وأثر الاكتفاء باتّباع العرف فيما يخصّه. يفتح ذلك سؤالًا يستحق أن نحمله إلى يومنا: أيّ جزء من حياتي اخترته بعد تأمل، وأيّ جزء واصلت السير فيه لأن الجميع كانوا يسيرون؟ عن الحرية، الفصل الثالث
لا يقتضي الصدق مع النفس أن تهدم ما بنيته، أو تتنكّر لما في حياتك من خير. يمكنك أن تكون ممتنًا لوظيفتك، وتقرّ بأنها لا تستوعب كل طموحك. وأن تحب أهلك، وتعترف بأن بعض اختياراتك كانت لإرضائهم. وأن تحترم قدرتك الماضية على الاحتمال، دون أن تجعل الاحتمال مشروعك الدائم.
ابدأ باختيار صغير لا تحتاج إلى الدفاع عنه طويلًا: كتاب يشدّك، أو وقت تخصّصه لاهتمام قديم، أو رأي تقوله دون أن تعدّله فور ملاحظة اختلاف الآخرين. ليس المطلوب أن تستخرج من نفسك خطة مكتملة، بل أن تعتاد سماعها مجددًا.
قد لا تعرف اليوم ما تريده، وهذا اعتراف يمكن البدء منه. امنح نفسك مهلة للإجابة، ولا تُسارع إلى ملء صمتها بما اعتدت قوله.
فمن حقّك أن تقول: هذا ما استطعت الوصول إليه حتى الآن، وأنا أقدّره… لكنه ليس كل ما أتمناه.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق