كل مرة أراكِ كأنها أول مرة: دهشة الحب المتجددة
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
… كأنّها أوّل مرّة
أعرف وجهكِ بما يكفي لألحظ ابتسامتكِ قبل أن تكتمل، وأعرف صوتكِ حين تتحدّثين عن شيء تحبّينه. ومع ذلك، حين أراكِ، يحدث في داخلي ذلك الارتباك الجميل الذي ظننتُه من نصيب اللقاء الأول وحده.
كلّ مرة تحملين تفصيلًا يستوقفني؛ التفاتةً، أو كلمةً، أو ضحكةً سمعتُها كثيرًا ثم أحببتُها هذه المرّة أكثر. وأجدني سعيدًا بأن معرفتي بكِ، على اتّساعها، ما زالت تترك لي متعة اكتشافكِ.
قبل مجيئكِ أكون منشغلًا بأشياء أعرف أهميتها جيدًا، ثم تظهرين فأرفع رأسي، وتفوتني للحظة تتمّة الفكرة التي كنت أتبعها. أراكِ تقتربين، وأنتبه إلى الطريقة التي تبحثين بها عن وجهي، وإلى ابتسامتكِ حين تجدينه. تلك الثواني القليلة لها في نفسي مكان واسع؛ أعرف ما سيحدث فيها، وأنتظره بالحماس نفسه.
ولعلّ هذا ما يعجبني فيكِ وفي قلبي معكِ: أن اللقاء الذي أستطيع تخيّل تفاصيله يظلّ، حين يحدث، أجمل من تخيّلي.
ألفةٌ تزداد بها الدهشة
في الثامنة من عمري في أول لقاء رأيتُ وجهكِ، ثم أخذتُ مع الأيام أعرف ما يضيئه.
عرفتُ فرحتكِ حين تتحدّثين عن أمر أتقنتِه، وحماسكِ حين تروين حكاية وتخشين أن يفوتني منها تفصيل. عرفتُ كيف يتغيّر صوتكِ وأنتِ تذكرين شخصًا عزيزًا، وكيف تبتسمين حين تتذكّرين موقفًا طريفًا قبل أن تبدئي في روايته.
صار لملامحكِ عندي معنى يتّسع كلما عرفتُكِ. هذه النظرة ترافق فضولكِ، وتلك الابتسامة تظهر حين تفاجئكِ كلمة جميلة، وهذا الصمت القصير أعرف أنكِ ترتّبين فيه ما تريدين قوله. وأحيانًا أظنّ أنني توقّعتُ عبارتكِ، فتقولين شيئًا أذكى أو ألطف، فأضحك مسرورًا بكِ، وبالمسافة الجميلة التي ما زالت تفصل بين معرفتي وتفاصيلكِ.
أحبّ أن أسمع رأيكِ في الأشياء الجديدة. فيلم شاهدتِه، أو كتاب توقّفتِ عنده، أو موقف صغير حدث في يومكِ. يعجبني أن للعالم، حين يمرّ بكِ، رواية أريد سماعها. قد أعرف الواقعة، لكنني أريد أن أعرف أين توقّف انتباهكِ، وما الذي أضحككِ، وأيّ كلمة بقيت معكِ بعد انتهاء الحديث.
ومع الوقت، أجدني أتطلّع إلى اكتشاف ما ستحبّينه أيضًا. أشياء لم نجرّبها بعد، وأماكن لم نزُرها، وأسئلة لم تخطر لنا. يبهجني أن أيامكِ المقبلة ستضيف إليكِ، وأن في وسعي أن أراكِ وأنتِ تفرحين بشيء جديد، فأعرف منكِ جانبًا آخر وأحبّه.
لهذا تبدو لي رؤيتكِ متجدّدة. تحملين وجهكِ الذي أحبّه، ويأتي معه كلّ مرة شيء من حياتكِ لم أسمعه بعد.
للتفاصيل الصغيرة نصيبها من الحب
قد يبدأ أجمل ما في اللقاء بسؤال عادي: كيف كان يومكِ؟
تضعين ما في يدكِ، وتبدئين الكلام. أسمعكِ وأنتِ تنتقلين من حكاية إلى أخرى، وألاحظ أنكِ تعودين إلى التفصيل الذي يهمّكِ لتشرحيه أكثر. يطيب لي ذلك التمهّل؛ أن يكون لنا وقت تتّسع فيه الحكاية حتى تأخذ حقّها، وأن تشعري بأن ما تقولينه يجد عندي اهتمامًا صادقًا.
وأحبّ حين نضحك على شيء صغير يصعب شرحه لمن لم يكن معنا. كلمة جاءت في غير موضعها، أو مصادفة، أو تذكّر مفاجئ لموقف قديم. تصبح بيننا أشياء قليلة الكلمات، كثيرة المعنى؛ تكفي الإشارة إليها حتى يعود إلينا مرحها كاملًا.
حتى المكان يأخذ شيئًا من لقاءاتنا. أعرف الطاولة التي جلسنا إليها، والجهة التي جاء منها الضوء، والطريق الذي طال فيه حديثنا. وحين أمرّ بها لاحقًا، أتذكّر عبارة قلتِها فأبتسم. يعجبني أن تكون لكِ في يومي هذه الزيارات الخفيفة، وأن تستدعيني إلى فرحة مضت بينما أمضي في شأني.
وأحيانًا أرى شيئًا وأفكّر فورًا: سيعجبها هذا. لونًا، أو عنوان كتاب، أو منظرًا يستحقّ الوقوف. أحمله إليكِ في صورة أو حكاية، وأنتظر ردّكِ. للحبّ متعة في هذا أيضًا؛ أن تتّسع فرحتنا بما نراه لأننا نعرف من نريد مشاركته فيه.
وحين تكونين أمامي، يحدث أن أنشغل قليلًا بتأمّل وجهكِ، فتسألين عمّا أنظر إليه. أتردّد في الإجابة لأن الأمر يبدو بسيطًا وعصيًّا على الشرح معًا: أراكِ، وأجد في رؤيتكِ ما يستحقّ تلك الوقفة. ثم تقولين شيئًا وتبتسمين، فأعود إلى الحديث وفي نفسي سرور لا يحتاج إلى مناسبة أكبر.
كلّ لقاءٍ يضيف إلى الأوّل
أحتفظ للقاء الأول بجماله، وأحبّ ما أضافته إليه لقاءاتنا.
كانت فيه أسئلة البدايات وحماستها، وصارت لنا اليوم معرفة تجعل الحديث أوسع، والضحك أسرع، والصمت مريحًا. أستطيع أن أروي لكِ أمرًا من منتصفه لأنكِ تعرفين بدايته، وأن أذكر اسمًا فتفهمي الحكاية، وأن أحدثكِ بعفوية تمنحني لذّة أن أكون على سجيّتي معكِ.
ومع هذه الألفة، يظلّ في اللقاء ما يوقظ انتباهي. قد أراكِ أكثر حماسًا من المعتاد، أو تستقبلينني بفكرة تشغلكِ، أو تفاجئينني بسؤال يفتح حديثًا طويلًا. أجد فيكِ صاحبة الملامح التي أعرفها، والإنسانة التي تواصل الحياةُ إثراءها أمامي.
وأحبّ نصيبي من هذا التجدّد. أحبّ أن أكون حاضرًا لبعض اكتشافاتكِ، وأن تسمعي مني ما تعلّمتُه، وأن نترك للحوار فرصة لأن يأخذنا إلى فكرة لم نبدأ بها. ثمة قرب جميل يصنعه شخصان ما زال كلّ منهما مهتمًّا بما يجري في خاطر الآخر.
لذلك، حين أقول إنني أراكِ كأنها أول مرة، أعني تلك اللحظة التي أرفع فيها عينيّ نحوكِ، فيسبق السرور كلّ ما أعددتُ لقوله. أعني أنني أعرفكِ، وأفرح بمعرفتكِ، ثم تأتين فيزداد هذا الفرح تفصيلًا.
ربما وفي المرّة المقبلة، سأنتظركِ وفي ذهني أحاديث كثيرة. وإن تظهرين، سأبتسم على الأرجح قبل أن أقول شيئًا. ستجلسين، وتسألين، ونبدأ من حيث يحلو لنا.
وسأراكِ مرّة أخرى… بالمعرفة التي منحتني إيّاها الأيام، وبالدهشة التي منحتِني إيّاها أنتِ.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق