ست من السنين بعد الفوت وتحت الانقضاء

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :




ستٌّ من السنين بعد الفَوْت وتحت الانقضاء

لم يكن يحصي الأعوام لأن في الحساب متعة، بل لأن شيئًا غامضًا فيه كان يريد أن يعرف: كم يلزم الإنسان من الزمن ليخرج من يومٍ واحد؟

مضت ستٌّ من السنين، وما زال ذلك اليوم أطولها جميعًا.

تغيّرت في أثنائها أشياء كثيرة؛ تبدّلت الوجوه، وانفضّت مجالس، وخفتت أصوات كانت تملأ أيامه، وأصبح بعض ما كان يخشاه أمرًا عاديًّا لا يكاد يلتفت إليه. سار الزمن في كل ناحية، إلا في ناحية واحدة ظلّت عصيّةً على الانقضاء؛ كأن الساعة التي عبرها الجميع توقفت عنده، وكأن شيئًا من روحه بقي هناك يحرس بابًا يعرف أنه لن يُفتح.

لم يكن ضائعًا بالمعنى الذي يراه الناس. كان يذهب إلى عمله، ويجيب من سأله، ويضحك حين يقتضي المجلس ضحكًا، ويعرف طريق عودته جيدًا. لكن معرفته بالطرقات لم تكن تعني أنه يعرف إلى أين يمضي.

فالتيه الحقيقي لا يجعل المرء يجهل الأمكنة؛ بل يجعله يبلغها كلّها دون أن يشعر أنه وصل.

ستة أعوام وهو يبحث عن اسمٍ لما حدث

في العام الأول، ظنّ أن المسألة تحتاج إلى صبر. عامل الأيام كأنها دواء مرّ، يُتناول على مضض ثم يُشفى المرء بعد نفاده. كان ينتظر صباحًا يستيقظ فيه فلا يشعر بذلك الثقل الرابض في صدره، أو مساءً يمرّ دون أن تطرق ذاكرته جهةٌ انطفأ نورها.

ومرّ الصباح المنتظر مرارًا، لكنه لم يكن الصباح نفسه.

وفي العام الثاني، راح يبحث في الناس. أطال الجلوس مع العابرين، وأصغى إلى حكاياتهم، وأعطاهم من انتباهه أكثر مما كانوا ينتظرون. لم يكن يريد صحبتهم بقدر ما كان يفتّش في أصواتهم عن نبرة يعرفها، وفي التفاتاتهم عن شيءٍ يشبه زمنًا لم يعد قائمًا.

وكان كلما لمح شبهًا، اقترب؛ ثم لا يلبث أن يدرك أن التشابه أكثر الطرق قسوةً إلى الاختلاف.

وفي العام الثالث، التجأ إلى المعرفة. قرأ عن النفس والمصير، وعن الزمن وما يصنعه في الذاكرة، وعن الفقد الذي يغيّر هيئة الإنسان دون أن يترك في جسده ندبةً يراها الناس. كان يجمع الإجابات كما يجمع الغريق قطع الخشب، ثم يكتشف أن كثرتها لا تصنع له يابسة.

وجد أقوالًا تشرح الحزن، لكنه لم يجد قولًا يحمل حزنه عنه.

وفي العام الرابع، أفرط في الحركة. ملأ يومه بالأعمال، وأطال الطرق، وطرق أبوابًا لم يكن يعنيه ما وراءها. ظنّ أن السرعة قد تسبقه إلى الموضع الذي أُصيب فيه، أو أن التعب سيمنحه نومًا لا تعبره الذكريات. لكنه كان كلما أوغل في البعد، عاد إلى نفسه فوجدها جالسةً في المكان ذاته.

أدرك حينها أن المسافات لا تنفع من يحمل وجهته في داخله.

أما العام الخامس، فقد كان عام السكون الكاذب. هدأت ملامحه حتى ظنّ من حوله أنه تجاوز، وصار يذكر أشياء قديمة دون أن يتغيّر صوته. لم يعلموا أنه أتقن فقط هندسة الصمت، وأن الإنسان قد يكفّ عن إظهار نزفه لا لأن الجرح التأم، بل لأنه ملّ شرح موضعه.

وفي العام السادس، لم يعد يبحث كما كان. خفّت عجلته، ولم تعد كل إجابة تغريه. كأن التيه نفسه أنهكه، فأجلسه ذات مساءٍ أمام الحقيقة التي ظلّ يطوف حولها خمسة أعوام.

وللمرة الأولى، لم يسأل: لماذا حدث ذلك؟

سأل: ماذا بقي منه بعد أن حدث؟

الجهة التي كانت تُسمّى بيتًا

كان في حياته شيء لا يعرف كيف يذكره دون أن تتبدّل هيئة الكلام. لم يكن شخصًا فحسب، بل جهةً كاملة؛ موضعًا يعود إليه من وعثاء العالم، فيستقيم ما اختلّ فيه دون سؤال.

وكان يظن، كما يظنّ المرء في النعم الراسخة، أن بعض الأشياء خُلقت لتبقى. لا لأنها وعدته بالبقاء، بل لأن القلب يعجز عن تصوّر العالم من دونها. فنحن لا نتفقد الجدران كل صباح لنتأكد أن البيت ما زال قائمًا، ولا نسأل الضوء إن كان ينوي العودة غدًا.

نطمئن إلى الأشياء التي قامت عليها حياتنا، حتى نظنّ أنها جزء من نظام الكون.

ثم حدث ما جعل الطريق ينتهي دون باب، وجعل المساء يأتي من غير أن يجد المصباح الذي كان يعرفه. لم يحمل الغياب معه ضجيجًا يليق به؛ مضى بهدوءٍ فادح، ثم ترك الأشياء كلّها في مواضعها، إلا معناها.

بقيت الغرف، ولم يبقَ البيت.

وبقيت الأيام، ولم يبقَ ذلك السبب الخفي الذي كان يجعل انقضاءها مقبولًا.

لم يكن ينطق الاسم كثيرًا. ليس نسيانًا، بل مهابةً؛ فبعض الأسماء إذا عظمت في النفس أصبحت أضيق من أن تُقال عرضًا. كان يحتفظ به في موضع لا تبلغه الأحاديث العابرة، ويكتفي حين يُسأل بأن يشيح إلى حكاية أخرى.

وقد حسب الناس صمته قوّة، ولم يعرفوا أن بعض الصمت ليس جلدًا، بل عجز اللغة عن دخول الأماكن المهدّمة.

كان أشقّ ما واجهه أن يتقبّل أن الحياة تستطيع الاستمرار بعد الشيء الذي كان يظنه الحياة كلّها. استيقظت المدن، وازدحمت الطرق، وتعاقبت الفصول دون أن تنتظر موافقته. أحسّ في البدء أن استمرار العالم ضربٌ من القسوة؛ كيف تعود الشمس إلى الموعد نفسه، وقد غابت الجهة التي كان الضوء يصل إليها أولًا؟

ثم صار يشعر بالذنب كلما ضحك، كأن السرور خيانةٌ لما كان. وإذا مرّ به يوم خفيف، عاد في آخره يفتّش عن حزنه، ليتأكد أنه لم يصبح أقلّ وفاءً.

احتاج إلى أعوام كي يفهم أن الوفاء لا يُقاس بمقدار ما يبقيه المرء من الألم حيًّا.

الجزء الذي رآه من الحقيقة

لم تتجلَّ له الحقيقة دفعة واحدة؛ فالحقيقة الكاملة أثقل من أن يحتملها قلبٌ قضى زمنًا في المواربة. رأى منها شظيّةً صغيرة، لكنها كانت كافية لتبدّل نظره إلى الأعوام الستة.

فهم أن ما كان يطلبه لم يكن النسيان، بل الاسترداد.

كان يريد من الزمن أن يعيد الأشياء إلى نصابها الأول، وأن يصلح ما لا يدخل في سلطان الإصلاح. لم يكن ينتظر أن يخفّ ألمه فحسب؛ كان ينتظر، في قرارةٍ لا يعترف بها، أن يتراجع الماضي عن فعله.

ولهذا لم تكن السنوات تكفيه. فقد كان يطالبها بما ليس في وسع الزمن: أن تجعل ما وقع كأن لم يقع.

رأى أن القبول ليس رضًا بالفقد، ولا مصادقةً على قسوته، ولا ادعاءً بأن ما غاب يمكن تعويضه. القبول أن يعرف الإنسان أن الباب صار جدارًا، فيكفّ عن إيذاء يده بالطرق عليه. أن يحمل ما أحبّه في داخله، دون أن يقضي بقية عمره واقفًا عند موضع رحيله.

وفهم أن بعض الغائبين لا يعودون، لكنهم لا يرحلون تمامًا أيضًا. يتوارون في طباعنا، وفي الكلمات التي أخذناها عنهم، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء بعدهم. قد يغيب الصوت، وتبقى في المرء نبرته. وقد ينطفئ السراج، ويبقى في العين شيءٌ من ضيائه.

عندئذٍ أدرك أن ما ظنّه تيهًا كاملًا كان، في بعض وجوهه، بحثًا عن صورة جديدة للبقاء.

لم تكن الأعوام الستة خاليةً كما تصوّر. كانت تنحت فيه إنسانًا لم يكن ليعرفه في حياة أخرى: أقلّ عجلةً في الحكم، وأوسع إدراكًا لخفايا الناس، وأشدّ رفقًا بمن يبتسمون وفي سرائرهم منادبُ لا تُرى.

لقد عرف من الفقد أن المارّ أمامه قد يحمل خرابًا كاملًا ولا يسقط، وأن هدوء الإنسان لا يدل دائمًا على سلامته، وأن سؤالًا لطيفًا قد يكون النافذة الوحيدة في يوم شخصٍ أظلم كلّه.

وعرف كذلك أن النجاة ليست أن يعود المرء كما كان. بعض الأحداث لا تردّنا إلى صورتنا الأولى، لكنها تعلّمنا كيف نسكن صورتنا الجديدة دون نفور.

تحت الانقضاء

ها هو يقف بعد ستٍّ من السنين، لا خارج الحكاية تمامًا ولا في جوفها كما كان. ينظر إلى الماضي من مسافة تسمح له أن يراه، ولا تزال قريبةً بما يكفي ليشعر به.

لم يعد يقول إنه شُفي؛ فالشفاء كلمة مستوية لا تلائم بعض الكسور. لكنه يستطيع الآن أن يحمل يومه دون أن يسقط منه، وأن يفرح دون أن يعتذر في سرّه، وأن يذكر ما مضى بعينين تلمعان ولا تنطفئان.

لقد تصالح، لا مع الفقد، بل مع عجزه عن إبطاله.

وصار يعرف أن الانقضاء لا يعني المحو. تنقضي السنون وتبقى منها رواسبُ خفيّة، كما ينحسر الماء ويترك على الشاطئ ما يدلّ على مروره. وكل عامٍ مضى أخذ من حدة الوجع شيئًا، وأعطاه في مقابل ذلك معنى لم يكن يراه.

أما الشيء الأغلى، فلم يعد يبحث عنه في الوجوه ولا في الطرق. وضعه في موضعه الصحيح: ليس أمامه ليبلغه، ولا خلفه ليهرب منه، بل في داخله؛ أثرًا لا يستعيد الماضي، لكنه يجعل ما تبقّى من العمر أكثر نبالة.

ستة أعوام بعد الفوت، وما زال شيءٌ فيه تحت الانقضاء. غير أنه لم يعد يستعجل نهايته؛ فقد أدرك أن بعض الأحزان لا تخرج من القلب، وإنما تتأدّب فيه، فتكفّ عن الصراخ، وتجلس في ناحية هادئة من الروح.

وكلما مرّ بذلك الموضع، لم يعد يسأل الغائب أن يعود.

يكتفي بأن يقول في سرّه:

لقد كنتَ الجهة حين ضلّت الجهات، وما زال في هذا التائه شيءٌ منك يدلّه على الطريق.


(صغيري الدني)

                                                                                       تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة