هناك من يتبعك فلا تخف | أثر الإنسان في الآخرين
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| قهوة لن ترتشفها |
هناك مَن يتبعك… فلا تخف
لم يكن يسمع وراءه وقعًا صريحًا، وإنما كان يشعر بأن الطريق لا ينغلق بعد مروره، وأن الحصى الذي تطؤه قدماه يحتفظ بشيء من خطوه، كأن أحدًا سيأتي لاحقًا ليتقصّى مواضع عبوره.
كان يلتفت أحيانًا، فلا يرى إلا المسافة وقد ابتلعها الظلام. لا شبح يقترب، ولا صوت ينادي، ولا هيئة يمكن أن يمنحها اسمًا. ومع ذلك، ظلّ ذلك الإحساس يساوره: هناك مَن يتبعه.
في أول الأمر خاف. أسرع حتى كاد يضيع الطريق من فرط استعجاله، ثم أبطأ لعلّ المجهول يتجاوزه، لكنه لم يتجاوز. كان الحضور الخفيّ يظلّ على المسافة نفسها؛ لا يدنو بما يكفي ليُرى، ولا يبتعد بما يسمح بنسيانه.
ولم يكن يعرف: أكان الذي يتبعه قادمًا من ماضيه، أم ذاهبًا معه إلى مستقبلٍ لم يتّضح بعد؟
الأثر الذي لا يملكه صاحبه
ظلّ الرجل أعوامًا يظنّ أن أفعاله تنتهي عنده؛ أن الكلمة تفنى بعد قولها، والموقف يُقبر بعد انقضائه، والخطوة لا تعني أكثر من انتقال قدمٍ من موضع إلى آخر. لم يعلم أن للأفعال أعقابًا خفيّة، وأن الإنسان قد يغادر المكان ويبقى فيه شيءٌ منه لا يراه.
ربما قال ذات يوم كلمةً عابرة، ثم نسيها قبل أن ينقضي المجلس، بينما حملها شخص آخر معه سنين. وربما تماسك في ساعةٍ شديدة، لا بطولةً ولا ادّعاءً، بل لأنه لم يجد سبيلًا غير التماسك؛ فرآه أحدهم، واتخذ من وقفته برهانًا على أن الانهيار ليس خاتمةً محتومة.
إننا لا نعرف دائمًا أين تبلغ آثارنا. نرى أيدينا حين تعطي، ولا نرى ما يصنعه العطاء بعد أن يفارقها. نعرف الذين شكرونا، ونجهل الذين أنقذنا فيهم شيئًا ولم يجدوا لغةً لإخبارنا. وقد نظن أننا عبرنا حياة الناس مرورًا هيّنًا، بينما كنّا في بعض أيامهم العلامة الوحيدة التي دلّتهم على جهة النجاة.
لذلك لم يكن الذي يتبعه شخصًا واحدًا بالضرورة. ربما كان كلُّ من رأى في تعثّره إذنًا بالعثرات، وفي نهوضه حجةً على إمكان النهوض. أولئك الذين لم ينادوه، ولم يضعوا أيديهم على كتفه، ولم يقولوا له إن سيره المتثاقل منحهم شجاعةً خفيّة.
كانوا خلفه، لا لأن الطريق يعرف اسمه، بل لأن جراحه كانت قد شقّت لهم فيه ممرًّا.
فالإنسان لا يصبح دليلًا لأنه لم يضلّ قط، وإنما لأن تيهه خلّف على الجدران علاماتٍ يهتدي بها التائهون من بعده.
مَن الذي يمشي خلفه؟
في بعض الليالي، كان يخيّل إليه أن الذي يتبعه هو ذلك الشخص الذي كانه قبل أعوام؛ نسخته الأولى، يوم كان يثق بالأشياء قبل أن يختبر زوالها، ويحسب أن الأبواب إذا أُحكم إغلاقها من الداخل فلن تبلغها الريح.
رآه في خياله فتىً يقف بعيدًا، يحمل قلبًا لم تُمحِّصه الفواجع، وينظر إليه كأنه ينتظر أن يعرف ما الذي سيصير إليه. لم يكن يطالبه بالعودة، بل كان يمشي خلفه ليشهد كيف نجا بما بقي منهما.
ولربما كان الذي يتبعه شخصًا آخر سيصبحه ذات يوم؛ رجلًا لم يولد بعد، لكنه يرسل من آخر الطريق حدسًا غامضًا يقول: واصل، فإنني لا أوجد إلا إذا بلغتني.
كان محصورًا بين شخصين لا يستطيع رؤيتهما: واحدٍ تركه وراءه، وآخر ينتظره أمامه. وكلما خطا، مات فيه شيء من الأول، وتهيّأ شيء من الثاني. عندئذٍ أدرك أن الإنسان ليس كائنًا واحدًا يمضي في العمر، بل موكبٌ من الذوات؛ تستلم كلّ واحدةٍ منها الطريق ممن سبقتها، ثم تسلّمه إلى التي تليها.
فمَن منهما كان يتبعه؟
ذلك الذي مضى ولم يمضِ، أم ذلك الذي سيأتي ولم يأتِ؟
وربما لم يكن هذا ولا ذاك. ربما كان وراءه شخصٌ لم يلتقِه بعد، يقرأ يومًا ما أثره في كتاب، أو يسمع عنه من فمٍ بعيد، أو يجد عبارةً كتبها في ساعة انكسار، فيشعر أنها كُتبت له وحده.
وهنا ازداد الأمر غموضًا؛ إذ كيف يمكن لإنسان أن يكون متبوعًا ممّن لم يولد في حكايته بعد؟
لكن الأثر لا يخضع للزمن كما نخضع نحن. قد تسبق الكلمة صاحبها إلى مستقبل لن يراه، وقد يتأخر معناها حتى يأتي القلب الذي خُلقت لتبلغه.
لا تخف من عثرتك
كان أشدّ ما يخشاه أن يراه مَن يتبعه وهو يسقط. أراد أن يترك وراءه طريقًا نقيًّا من الخيبات، كأن القدوة لا تتعثّر، وكأن الهداية لا تصدر إلا عن شخصٍ يعرف منذ البدء إلى أين يمضي.
ثم فهم أن السقوط نفسه قد يكون جزءًا من الدليل.
فالذين يمشون خلفه لا يحتاجون إلى أسطورةٍ لم تمسسها الحياة؛ يحتاجون إلى إنسانٍ صادقٍ نال منه الطريق ولم يتركه. يحتاجون أن يروا الخوف في خطاه، ثم يروا الخطوة تقع مع ذلك. أن يعرفوا أن الشجاعة لم تكن غياب الوجل، بل ألّا يمنح المرء وَجَله ولايةً كاملةً على مصيره.
لا تخف إن اضطرب صوتك؛ فربما تعلّم منك أحدهم أن الحق لا يفقد حقّه لأن قائله ارتجف. ولا تخف من بطء سيرك؛ فثمّة مَن سيعرف من بطئك أن الوصول لا يشترط العدو. ولا تستحِ من المواضع التي توقفت فيها؛ فلعلّ استراحتك تعلّم غيرك أن التمهّل ليس نكوصًا.
أما عثراتك التي أخفيتها طويلًا، فليست كلّها عورةً ينبغي سترها. قد يكون في بعضها منارةٌ لا تُضيء إلا لمن بلغ الحفرة نفسها.
لقد كان يظن أن عليه أن يكون كاملًا كي يستحق أن يُقتفى أثره، ثم رأى أن الكمال طريقٌ لا يجد فيه البشر موضعًا لأقدامهم. وحدها الشقوق تمنح اليد مكانًا تتعلّق به، ووحده الإنسان الذي نجا ناقصًا يستطيع أن يقول للمنكسرين: أعرف هذه الوعورة، فقد مررت بها.
حين التفت في آخر الطريق
مضى طويلًا حتى خفَّ خوفه من الخطوات الكامنة وراءه. لم يعد يسرع فرارًا منها، ولم يعد يلتفت ليفضح سرَّ صاحبها. صار يكفيه أن يعرف أن الطريق الذي يعبره لن ينتهي عند قدميه.
وحين بلغ مرتفعًا يشرف منه على ما مضى، التفت للمرة الأخيرة.
لم يرَ أحدًا.
رأى آثارًا كثيرةً تتداخل مع أثره؛ بعضها صغير كأن صاحبه بدأ السير تَوًّا، وبعضها غائرٌ في التراب كأن عابرًا مثقلًا وضع فيه ما تبقّى من قوته. ولم يعرف أيُّها كان يتبعه، وأيُّها كان موجودًا قبله، وأيُّها ربما كان أثره هو وقد أعاد الزمن رسمه في هيئةٍ أخرى.
عندئذٍ أدرك أن السؤال لم يكن: مَن يتبعني؟
بل: ماذا سيجد الذي يأتي بعدي؟
هل يجد خوفًا أغلق الطريق، أم شجاعةً تركت فيه ممرًّا؟ هل يجد رجلًا ادّعى أنه لم يتألّم، أم إنسانًا صان ألمه من أن يتحول إلى أذى؟ هل يجد خطًى تنتهي عند أول هاوية، أم يجد أثرًا ينزل إليها ثم يصعد من الجهة الأخرى؟
عاد إلى سيره دون أن يعرف مَن وراءه. لكنه هذه المرّة لم يكن خائفًا؛ فقد عرف أن المجهول لم يكن يطارده، بل كان يستدلّ به.
وربما كان ذلك الحضور الذي شعر به طوال الطريق دعاءً قديمًا يرافقه، أو أثرَ يدٍ غابت وبقيت تدفعه، أو روحًا وثقت بوصوله قبل أن يثق هو بنفسه. وربما كان إنسانًا مجهولًا، سيصل يومًا إلى الموضع الذي ظنّ فيه أنه وحيد، فيجد آثار قدميه ويطمئن.
لم يعرف الحقيقة، ولم يعد يريد معرفتها كاملةً.
كان يكفيه أن يمشي بصدق؛ لأن أحدًا، في مكانٍ لا تبلغه عيناه، كان يتعلّم من خطوه كيف يمشي.
هناك مَن يتبعك… فلا تخف من الطريق، وخف فقط أن تمرّ فيه دون أن تترك للآتي علامةً على أن العبور كان ممكنًا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق