صوت النهاية يُرى لا يُسمع
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
| 2017 |
لا تأتي النهايات دائمًا على هيئة باب يُغلق بعنف.
أحيانًا تصل بهدوء شديد، إلى درجة أن أحدًا لا ينتبه إليها في البداية.
تبدأ بنظرة تتغير.
بسؤال لم يعد يُطرح.
برسالة يتأخر الرد عليها أكثر من المعتاد.
بشغف يفقد شيئًا من حرارته.
وبأشياء صغيرة جدًا لا تكفي وحدها لإعلان النهاية، لكنها حين تجتمع ترسم ملامحها كاملة.
لهذا قد يكون للنهاية صوت، لكن ذلك الصوت لا يُسمع.
يُرى.
يُرى في الأشياء التي لم تعد تحدث.
وفي المسافات التي ظهرت فجأة بين أشخاص كانوا قريبين.
وفي الصمت الذي لم يعد يحمل راحة، بل أصبح يحمل معنى آخر.
النهاية تبدأ غالبًا قبل اللحظة التي نسميها نهاية.
الأشياء تموت قبل أن تختفي
قد تبقى العلاقة موجودة، لكنها تكون قد انتهت.
يبقى المكان مفتوحًا، لكنه لم يعد يعني شيئًا.
ويستمر الإنسان في أداء الأشياء نفسها، بينما شيء ما في داخله توقف منذ زمن.
فالوجود لا يعني الحياة دائمًا.
هناك أشياء كثيرة تظل واقفة بعد موت معناها.
منزل يسكنه أصحابه، لكن الدفء غادره.
صداقة تستمر في تبادل الكلمات، لكن الصدق انطفأ منها.
وظيفة يذهب إليها الإنسان كل صباح، بينما روحه غادرتها منذ سنوات.
وحلم يستمر في الحديث عنه فقط لأنه لا يعرف كيف يعترف بأنه لم يعد يريده.
لهذا ليست النهاية دائمًا اختفاء الشيء.
أحيانًا تكون اختفاء المعنى مع بقاء الشكل.
وهذه ربما أكثر النهايات إرباكًا؛ لأن الإنسان يرى كل شيء في مكانه، لكنه يشعر أن شيئًا أساسيًا لم يعد موجودًا.
النهاية لا تبدأ من الحدث الأخير
حين تنتهي العلاقات، نبحث غالبًا عن اللحظة التي سببت الانهيار.
الكلمة الأخيرة.
الخلاف الأخير.
الموقف الذي غادر بعده أحدهم.
لكن ربما لم تكن تلك هي البداية.
ربما كان ذلك الموقف مجرد اللحظة التي ظهر فيها شيء بدأ قبل أشهر أو سنوات.
فالأشياء الكبيرة لا تنهار دائمًا بضربة واحدة.
تتشقق ببطء.
حتى يأتي يوم يصبح فيه الشرخ أوسع من أن يُخفى.
وهذا ينطبق على أشياء كثيرة في الحياة.
المؤسسات لا تسقط يوم إعلان سقوطها.
والحضارات لا تبدأ موتها يوم اختفائها.
والحب لا يموت دائمًا يوم الفراق.
حتى الإنسان نفسه قد يعرف في داخله أن مرحلة ما انتهت قبل أن يملك الشجاعة ليقول ذلك بصوت واضح.
النهاية الحقيقية كثيرًا ما تكون عملية بطيئة من الانطفاء.
واللحظة الأخيرة ليست إلا الاعتراف بما كان يحدث منذ زمن.
بعض النهايات تظهر في اللغة
اللغة من أول الأشياء التي تكشف التغيير.
حين يتغير القلب، تتغير الكلمات.
قد تبقى الجمل نفسها، لكن نبرتها تختلف.
تقل التفاصيل.
تختصر الحكايات.
وتختفي الأسئلة التي كانت تُطرح بدافع الاهتمام.
أحيانًا لا يقول الإنسان: «لم أعد أريد البقاء».
لكنه يتوقف عن السؤال.
ولا يقول: «لم يعد هذا المكان يشبهني».
لكنه يبدأ في النظر إلى الخارج أكثر من الداخل.
ولا يقول: «انتهى كل شيء».
لكنه يصبح حاضرًا بجسده فقط.
وهكذا تظهر النهاية في اللغة قبل إعلانها.
بل أحيانًا تظهر في غياب اللغة.
في الصمت الذي يصبح أوضح من أي تصريح.
كل نهاية تترك ظلًا قبل وصولها
هناك لحظات يشعر فيها الإنسان أن شيئًا ما يتغير لكنه لا يستطيع تحديده.
لا يوجد حدث واضح.
ولا كلمة حاسمة.
لكن التفاصيل لم تعد كما كانت.
كأن النهاية ألقت ظلها قبل أن تصل.
وهذا الشعور ليس دائمًا وهمًا.
فالإنسان يلتقط تغيرات صغيرة لا يملك لها أسماء مباشرة.
يلاحظ أن الأشياء التي كانت سهلة أصبحت ثقيلة.
وأن اللقاء الذي كان ينتظره صار مجرد موعد.
وأن المكان الذي كان يشتاق إليه لم يعد يوقظ شيئًا فيه.
وعندها يبدأ في مقاومة الفكرة.
لأن الاعتراف بالنهاية أصعب من رؤية علاماتها.
فالإنسان يتعلق أحيانًا بما كان الشيء عليه، لا بما أصبح عليه.
يتذكر بدايته.
ويتمسك بصورته القديمة.
ويحاول أن يعيد الحياة إلى شكل فقد روحه.
لكن الماضي لا يستطيع دائمًا إنقاذ الحاضر.
ليست كل نهاية خسارة
ارتبطت كلمة النهاية في أذهاننا بالفقد.
لكن بعض النهايات رحمة.
تنتهي مرحلة لأنها استنفدت معناها.
وينتهي طريق لأنه لم يعد يقود إلى شيء.
وتنتهي علاقة لأن استمرارها أصبح أكثر إيذاء من رحيلها.
وتنتهي فكرة لأن الإنسان تجاوزها.
وتنتهي نسخة قديمة من الذات حتى تستطيع نسخة أخرى أن تبدأ.
لهذا لا ينبغي أن تُقاوَم كل نهاية.
بعض الأشياء لا تحتاج إنقاذًا.
تحتاج فقط إلى شجاعة الاعتراف بأنها انتهت.
التمسك ليس فضيلة دائمًا.
وأحيانًا تكون الحكمة في أن يرى الإنسان النهاية قبل أن تحوله المقاومة إلى شخص يستهلك عمره في إحياء ما لا يريد الحياة.
المشكلة ليست في النهاية بل في تأخر الاعتراف بها
كم من شيء انتهى منذ زمن، لكن الإنسان استمر في حمله.
ليس لأنه ما زال حيًا، بل لأنه يخشى الفراغ الذي سيتركه رحيله.
فالإنسان قد يفضّل شيئًا ميتًا يعرفه على مساحة فارغة لا يعرف ماذا سيأتي بعدها.
لهذا تتأخر بعض النهايات رسميًا.
تبقى العلاقات.
وتستمر المحاولات.
وتتكرر الوعود.
لكن شيئًا في الداخل يكون قد حسم أمره.
وعندما يحدث الفراق أخيرًا، يبدو للناس مفاجئًا.
أما لمن عاش التفاصيل، فقد كانت النهاية تُرى منذ زمن طويل.
النهاية ليست لحظة… بل تحوّل
ربما لهذا لا يوجد صوت حقيقي للنهاية.
لأن النهاية ليست دائمًا حادثة تقع في ثانية واحدة.
إنها انتقال من حالة إلى أخرى.
من الحضور إلى الغياب.
من الرغبة إلى الفتور.
من المعنى إلى العادة.
من التمسك إلى اللامبالاة.
والتحولات العميقة لا تصرخ غالبًا.
تحدث في صمت.
مثل الليل حين يدخل على المدينة.
لا توجد لحظة واضحة تستطيع أن تشير إليها وتقول:
هنا انتهى النهار.
فالضوء يتراجع قليلًا قليلًا.
حتى ترفع رأسك فجأة وتكتشف أن الظلام اكتمل.
وهكذا بعض الأشياء في حياتنا.
لا نعرف اللحظة التي انتهت فيها تحديدًا.
نعرف فقط أننا نظرنا إليها ذات يوم…
فلم نجدها كما كانت.
صوت النهاية يُرى لا يُسمع
قد يكون أكثر ما يجعل النهايات مؤلمة أننا نراها قبل أن نستطيع الاعتراف بها.
نعرف.
لكننا نؤجل المعرفة.
نرى المسافة.
ونرى البرود.
ونرى التغير.
ونرى أن الطريق لم يعد يؤدي إلى المكان نفسه.
ثم ننتظر كلمة أخيرة تؤكد ما عرفناه منذ البداية.
ربما لأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى صوت واضح حتى يصدق ما رأته روحه طويلًا.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا ذلك الصوت.
بعض النهايات لا تقول شيئًا.
تكتفي بأن تغيّر ملامح الأشياء.
وحين نكون أكثر انتباهًا، نفهم أن الرحيل لا يبدأ عند الخطوة الأخيرة.
وأن الانطفاء لا يبدأ عند الظلام.
وأن النهاية لا تبدأ عند كلمة الوداع.
فصوت النهاية، في أحيان كثيرة، يُرى قبل أن يُسمع.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق